عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد
توطئة: كلما أبحث في مكتبتي عن احدى روايات علي لفته سعيد لقرائتها والكتابة عنها تظهر لي رواية ( باب الدروازة) روايته الفائزة بجائزة الإبداع لوزارة الثقافة في العراق.
واجد نفسي اعيد الاطلاع على هذه الرواية واكتب عنها قراءة تمنح طابعا نقديا متوازنا تجمع بين الاشادة بالرواية و تسجيل الملاحظات الفنية عليها.
عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد.
حمدي العطار
المقدمة
لا تتمثل مهمة النقد الأدبي في محاسبة الأدب أو الانتقام منه أو الحد من حرية المبدع في تناول القضايا الشائكة والمثيرة للجدل بل في الإسهام بإغناء النص والكشف عن جمالياته وثغراته معا، بما يفتح آفاقا أوسع للقراءة والتأويل. فالنقد في جوهره فعل تذوق وفهم وحوار مع النص، يهدف إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي ومساعدة القارئ على اكتشاف طبقاته الدلالية والفنية. ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة لرواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد، التي استطاع فيها أن يحول فضاءً محليا محدودا إلى صورة مصغرة للعراق بكل تناقضاته وتحولاته.
عتبة العنوان
يمتاز الروائي علي لفته سعيد بقدرته على اختيار عناوين رواياته بعناية ودقة، بحيث لا يترك القارئ طويلاً في حيرة من أمره حول أسباب اختياره. ويأتي عنوان «باب الدروازة» عنوانا مكانيا بامتياز، يستمد دلالته من أحد أبواب مدينة الكاظمية الحقيقية والرمزية في آن واحد.
ويعزز الكاتب البعد المكاني ببعد زماني واضح منذ الاستهلال حين يقول: «كان ذلك في صيف عام 1978»، ليضع المتلقي مباشرة في إطار الحدثين المكاني والزماني. غير أن الرواية لا تكتفي بذلك بل تفتح بابا للتساؤل حول معنى «الدروازة» نفسه بوصفه بابا مفتوحا على احتمالات متعددة. فالتسمية ذات أصل فارسي، وتحمل دلالات تتصل بتاريخ العراق وما مرّ به من احتلالات وتحولات تركت أثرها حتى في أسماء الأماكن.
يتحول «باب الدروازة» من مجرد موقع جغرافي إلى رمز مزدوج، فهو الباب الذي يمكن أن يقود إلى العالم الواسع، كما يمكن أن يحاصر الإنسان داخل عالمه الضيق، وهو ما يمنح العنوان بعدا فلسفيا يتجاوز حدوده المكانية المباشرة.
*البناء الفني والسرد
اعتمد الروائي على السارد العليم الذي يهيمن على مجريات الأحداث ويقود الشخصيات ويوجه القارئ بين تفاصيل الحكاية. وتتنوع الشخصيات بين خلاوي وسليم وسعيد وفتحية والجدة أم يوسف وحسن وأم صلاح وبائع السبح والمحابس وغيرهم، وهم يمثلون شرائح اجتماعية قدم معظمها من المحافظات الجنوبية إلى بغداد بحثا عن حياة أفضل.
تبدأ رحلة «خلاوي» بعد وفاة أمه ومعاناته من قسوة زوجة أبيه فيغادر سوق الشيوخ ليلتحق بأخيه سليم وجدته في بغداد ليجد نفسه في “الخان”، ذلك المكان الذي يضم أكثر من عشر عائلات فقيرة جاءت من مدن مختلفة بحثا عن فرصة للعيش.
ويلاحظ القارئ أن الراوي يتدخل أحيانا بصورة مباشرة من خلال عبارات مثل: “طبعا”، و”المهم في الأمر”، و”على العموم”، و”حتى نعود إلى حكايتنا”. وهذه التدخلات تمنح السرد طابعًا شفاهيا وحميميا، وهي تقنية ما بعد الحداثة التي يعطي الروائي اشارات للقارئ انه يكتب رواية او يقص حكاية !وكان من من الممكن تقليل بعضها لزيادة كثافة النص وإيقاعه الفني دون أن يتأثر البناء العام للرواية.
*الخان وعراق الرواية المصغر
لا يبدو “الخان” في الرواية مأوى للفقراء أو فضاء هامشيا فحسب، بل يتحول إلى صورة مصغرة للعراق نفسه حيث تتجاور الشخصيات القادمة من بيئات مختلفة وتحمل هموما وتجارب متنوعة. إنه فضاء يجمع التفاوت الاجتماعي والأحلام المؤجلة والتطلعات البسيطة فيعكس جانبا مهما من الواقع العراقي في تلك المرحلة.
وفي مقابل الخان يبرز محل بيع الثلج الذي يعمل فيه خلاوي مع زوج خالته سعيد. وتعد شخصية سعيد من الشخصيات الإشكالية في الرواية، إذ يحملها الكاتب آراء وتأملات فلسفية وسياسية متنوعة تتجاوز، في بعض المواضع، طبيعة خبرتها الحياتية وموقعها الاجتماعي. وربما كان من الأنسب إسناد بعض هذه الحوارات إلى شخصية أكثر ارتباطا بالثقافة والمعرفة مثل حسن الرسام، بما يمنح هذه الأفكار مزيدا من الإقناع الفني.
ومع ذلك تبقى شخصية سعيد إحدى الشخصيات الحيوية التي تسهم في كشف التناقضات الفكرية والاجتماعية التي أراد الروائي إبرازها داخل فضاء الرواية.
*الزمن الروائي وتحولات العراق
اختار الروائي عام 1978 إطارا زمنيا لأحداث الرواية، وهو عام بالغ الأهمية في تاريخ العراق والمنطقة. فقد شهد تصاعد التحولات السياسية التي سبقت وصول صدام حسين إلى السلطة، وانهيار الجبهة الوطنية، واشتداد حملة التضييق على الشيوعيين، إلى جانب أحداث إقليمية مهمة مثل الانقلاب العسكري في تركيا، واقتراب الثورة الإسلامية في إيران، ومؤتمر عدم الانحياز.
وتمنح هذه المرحلة التاريخية الرواية خلفية غنية كان بالإمكان استثمارها بصورة أوسع لإظهار انعكاس تلك المتغيرات على مصائر الشخصيات ومساراتها الفكرية والاجتماعية، خاصة أن الرواية تنشغل بتصوير المجتمع العراقي في لحظة مفصلية من تاريخه الحديث.
*الخاتمة
نجح علي لفته سعيد في رواية “باب الدروازة” في تحويل مكان محدود المساحة إلى فضاء رمزي واسع يعكس صورة للعراق بكل تنوعه الاجتماعي والثقافي. ومن خلال شخصيات بسيطة وأحداث يومية استطاع أن يلتقط ملامح مرحلة تاريخية حساسة وأن يمنحها بعدا إنسانيا مؤثرا. ورغم بعض الملاحظات المتعلقة ببناء بعض الشخصيات أو حضور الراوي المباشر، فإن الرواية تظل تجربة سردية جديرة بالقراءة، لما تحمله من قدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لوحة أوسع تختزل حياة مجتمع بأكمله.
عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد
عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد
توطئة: كلما أبحث في مكتبتي عن احدى روايات علي لفته سعيد لقرائتها والكتابة عنها تظهر لي رواية ( باب الدروازة) روايته الفائزة بجائزة الإبداع لوزارة الثقافة في العراق.
واجد نفسي اعيد الاطلاع على هذه الرواية واكتب عنها قراءة تمنح طابعا نقديا متوازنا تجمع بين الاشادة بالرواية و تسجيل الملاحظات الفنية عليها.
عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد.
حمدي العطار
المقدمة
لا تتمثل مهمة النقد الأدبي في محاسبة الأدب أو الانتقام منه أو الحد من حرية المبدع في تناول القضايا الشائكة والمثيرة للجدل بل في الإسهام بإغناء النص والكشف عن جمالياته وثغراته معا، بما يفتح آفاقا أوسع للقراءة والتأويل. فالنقد في جوهره فعل تذوق وفهم وحوار مع النص، يهدف إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي ومساعدة القارئ على اكتشاف طبقاته الدلالية والفنية. ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة لرواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد، التي استطاع فيها أن يحول فضاءً محليا محدودا إلى صورة مصغرة للعراق بكل تناقضاته وتحولاته.
عتبة العنوان
يمتاز الروائي علي لفته سعيد بقدرته على اختيار عناوين رواياته بعناية ودقة، بحيث لا يترك القارئ طويلاً في حيرة من أمره حول أسباب اختياره. ويأتي عنوان «باب الدروازة» عنوانا مكانيا بامتياز، يستمد دلالته من أحد أبواب مدينة الكاظمية الحقيقية والرمزية في آن واحد.
ويعزز الكاتب البعد المكاني ببعد زماني واضح منذ الاستهلال حين يقول: «كان ذلك في صيف عام 1978»، ليضع المتلقي مباشرة في إطار الحدثين المكاني والزماني. غير أن الرواية لا تكتفي بذلك بل تفتح بابا للتساؤل حول معنى «الدروازة» نفسه بوصفه بابا مفتوحا على احتمالات متعددة. فالتسمية ذات أصل فارسي، وتحمل دلالات تتصل بتاريخ العراق وما مرّ به من احتلالات وتحولات تركت أثرها حتى في أسماء الأماكن.
يتحول «باب الدروازة» من مجرد موقع جغرافي إلى رمز مزدوج، فهو الباب الذي يمكن أن يقود إلى العالم الواسع، كما يمكن أن يحاصر الإنسان داخل عالمه الضيق، وهو ما يمنح العنوان بعدا فلسفيا يتجاوز حدوده المكانية المباشرة.
*البناء الفني والسرد
اعتمد الروائي على السارد العليم الذي يهيمن على مجريات الأحداث ويقود الشخصيات ويوجه القارئ بين تفاصيل الحكاية. وتتنوع الشخصيات بين خلاوي وسليم وسعيد وفتحية والجدة أم يوسف وحسن وأم صلاح وبائع السبح والمحابس وغيرهم، وهم يمثلون شرائح اجتماعية قدم معظمها من المحافظات الجنوبية إلى بغداد بحثا عن حياة أفضل.
تبدأ رحلة «خلاوي» بعد وفاة أمه ومعاناته من قسوة زوجة أبيه فيغادر سوق الشيوخ ليلتحق بأخيه سليم وجدته في بغداد ليجد نفسه في “الخان”، ذلك المكان الذي يضم أكثر من عشر عائلات فقيرة جاءت من مدن مختلفة بحثا عن فرصة للعيش.
ويلاحظ القارئ أن الراوي يتدخل أحيانا بصورة مباشرة من خلال عبارات مثل: “طبعا”، و”المهم في الأمر”، و”على العموم”، و”حتى نعود إلى حكايتنا”. وهذه التدخلات تمنح السرد طابعًا شفاهيا وحميميا، وهي تقنية ما بعد الحداثة التي يعطي الروائي اشارات للقارئ انه يكتب رواية او يقص حكاية !وكان من من الممكن تقليل بعضها لزيادة كثافة النص وإيقاعه الفني دون أن يتأثر البناء العام للرواية.
*الخان وعراق الرواية المصغر
لا يبدو “الخان” في الرواية مأوى للفقراء أو فضاء هامشيا فحسب، بل يتحول إلى صورة مصغرة للعراق نفسه حيث تتجاور الشخصيات القادمة من بيئات مختلفة وتحمل هموما وتجارب متنوعة. إنه فضاء يجمع التفاوت الاجتماعي والأحلام المؤجلة والتطلعات البسيطة فيعكس جانبا مهما من الواقع العراقي في تلك المرحلة.
وفي مقابل الخان يبرز محل بيع الثلج الذي يعمل فيه خلاوي مع زوج خالته سعيد. وتعد شخصية سعيد من الشخصيات الإشكالية في الرواية، إذ يحملها الكاتب آراء وتأملات فلسفية وسياسية متنوعة تتجاوز، في بعض المواضع، طبيعة خبرتها الحياتية وموقعها الاجتماعي. وربما كان من الأنسب إسناد بعض هذه الحوارات إلى شخصية أكثر ارتباطا بالثقافة والمعرفة مثل حسن الرسام، بما يمنح هذه الأفكار مزيدا من الإقناع الفني.
ومع ذلك تبقى شخصية سعيد إحدى الشخصيات الحيوية التي تسهم في كشف التناقضات الفكرية والاجتماعية التي أراد الروائي إبرازها داخل فضاء الرواية.
*الزمن الروائي وتحولات العراق
اختار الروائي عام 1978 إطارا زمنيا لأحداث الرواية، وهو عام بالغ الأهمية في تاريخ العراق والمنطقة. فقد شهد تصاعد التحولات السياسية التي سبقت وصول صدام حسين إلى السلطة، وانهيار الجبهة الوطنية، واشتداد حملة التضييق على الشيوعيين، إلى جانب أحداث إقليمية مهمة مثل الانقلاب العسكري في تركيا، واقتراب الثورة الإسلامية في إيران، ومؤتمر عدم الانحياز.
وتمنح هذه المرحلة التاريخية الرواية خلفية غنية كان بالإمكان استثمارها بصورة أوسع لإظهار انعكاس تلك المتغيرات على مصائر الشخصيات ومساراتها الفكرية والاجتماعية، خاصة أن الرواية تنشغل بتصوير المجتمع العراقي في لحظة مفصلية من تاريخه الحديث.
*الخاتمة
نجح علي لفته سعيد في رواية “باب الدروازة” في تحويل مكان محدود المساحة إلى فضاء رمزي واسع يعكس صورة للعراق بكل تنوعه الاجتماعي والثقافي. ومن خلال شخصيات بسيطة وأحداث يومية استطاع أن يلتقط ملامح مرحلة تاريخية حساسة وأن يمنحها بعدا إنسانيا مؤثرا. ورغم بعض الملاحظات المتعلقة ببناء بعض الشخصيات أو حضور الراوي المباشر، فإن الرواية تظل تجربة سردية جديرة بالقراءة، لما تحمله من قدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لوحة أوسع تختزل حياة مجتمع بأكمله.
التعليقات