البياض الذي لا ينسى تأملٌ عرفاني في قصيدة «الرحلة المكيّة» للشاعر د. عارف الساعدي

صورة الكاتب
بقلم: ناظم ناصر القریشي
التاريخ: 24 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2943
البياض الذي لا ينسى  تأملٌ عرفاني في قصيدة «الرحلة المكيّة»  للشاعر د. عارف الساعدي

البياض الذي لا ينسى

تأملٌ عرفاني في قصيدة «الرحلة المكيّة»

للشاعر د. عارف الساعدي

 

 

الحياة بوصفها قصيدة… والقصيدة بوصفها روحاً

كلُّ قصيدةٍ حياةٌ مكتوبة، وكلُّ حياةٍ رحلةٌ غير مكتملة. غير أن «الرحلة المكيّة» لا تكتفي بأن تكون حياةً مصوغة في أبيات؛ إنها حياةٌ وهي تتشكّل أمامنا، روحٌ تتعلّم كيف تمشي داخل كلماتها. ليست القصيدة وصفاً للروح، بل الروح وهي تجرّب لغتها، تتعثر بها، تخلعها، ثم تعود فتستند إليها. لذلك لا نقرأ نصاً عن الحج، بل نقرأ روحاً تحاول أن تفهم لماذا تسير، ولمن تسير، وكيف تخفّ كي لا تسقط تحت ثقلها.

هنا تتبدّل العلاقة بين الشعر والحياة؛ فالحياة لا تُحكى في القصيدة، بل تتجلّى من خلالها، والقصيدة لا تصف التجربة، بل تتحول إلى هيئتها الداخلية. كأن الروح استعارت اللغة زمناً قصيراً، ثم أعادتها بيضاء كما أخذتها.

 

حين يصبح الطريق قلباً

ليست «الرحلة المكيّة» وصفاً لمناسك، ولا تدويناً ليوميات حاج عاد بصور محفوظة. إنها كتابة حال؛ كتابة روح تمشي وهي تتخفف من أسمائها. في هذا النص لا نسير إلى مكان، بل نسير من أنفسنا. الحج هنا ليس انتقالاً في الجغرافيا، بل انتقال في الكثافة: من ثقل الطين إلى خفة البياض، من ازدحام الصوت إلى صفاء الصمت.

يبدأ الشاعر بهاجس الالتقاط الإلهي، ذلك الاصطفاء الذي لا يُطلب بل يُوهب:

لم يلتقطني اللهُ / من بين الجموع مع الزحامْ

إنها عتبة القصيدة، بل عتبة الروح ذاتها: أن تقف في زحام الأجساد وتتساءل إن كان لها في الحضرة الإلهية نصيب. ليس طلباً، بل وجلاً.

 

المرايا… حين يرى السالك نفسه قبل أن يرى ربه

يدخل الشاعر الحرم، لكنه لا يدخل مثل غيره. هو يبحث عن الحبيب لا عن المكان:

سلَّمتُ قبل دخولي البيتَ الحرامْ / وسألتُ عنك الباب والعتبات والحجر الرخامْ

ثم ينتظر في “الزوايا والمرايا والكلام”. ليست المرايا هنا أسطحاً عاكسة فحسب، بل امتحان خفي؛ ففي اللحظة التي يظن فيها السالك أنه يتجه إلى المطلق، تفاجئه صورته. كأن الطريق إلى الله يمر أولاً عبر اكتشاف الحجاب الذي اسمه “أنا”. ليست المشكلة في الغيب، بل في العاكس الذي يقف بين القلب والنور.

وفي خضم هذا الانتظار، ينشغل:

لكني انشغلتُ / بكل أنوار الثريات المضيئة / وانتعشتُ بخفقة البرد الخفيفة

ها هي المأساة الوجودية: أن تحضر الجسد كله، ثم تكتشف أن روحك كانت مشغولة بكل شيء إلا بالذي جئت من أجله. ثم يسأل سؤال الموجوع:

سلَّمتُ يا مولاي / من سيرد لي تلك التحية؟ / من سيقرأ فوق أرواح الملايين السلام؟

 

صوفي الأسلوب… عرفاني الجوهر

قد يظن قارئ هذه القصيدة أنها صوفية الطابع، بما تحمل من لغة الحب الإلهي وشوق الفناء. لكن التأمل العميق يكشف أن التصوف هنا ليس غاية، بل وسيلة؛ ليس جوهراً، بل قالباً. الجوهر الحقيقي هو العرفان: تلك المعرفة القلبية المباشرة التي لا تحتاج إلى واسطة، والتي تجعل السالك يقف وحيداً بين يدي ربه، لا يحجبه عنه كتاب، ولا لغة، ولا حتى صوفية نفسه. العرفان هو ما يبقى حين يخلع الشاعر لغته ورايته وقلقه، وحين يصمت الكلام ليبدأ البياض. الفرق بين الصوفي والعرفاني، هو الفرق بين من يصف العسل ومن يتذوقه. وهذه القصيدة لا تصف العسل، بل تذيقنا إياه.

هنا يتجلى عمق النص: كل خلع، كل صمت، كل بياض، ليس مجرد فعل شعري، بل لحظة عرفانية حقيقية. العرفان يجعل القصيدة امتدادًا روحيًا للروح نفسها، فيتحول النص من وصف إلى حضور حي، يعيشه القارئ ولا يقرأه فقط. بهذا، تصبح «الرحلة المكية» أكثر من قصيدة؛ إنها تجربة للعين والقلب، نصٌ يُسافر فيه، ويترك أثره عميقًا في ذاكرة الروح.

 

حين يخلع الشاعر لغته… صمت هو أصدق القول

في لحظة حاسمة يعلن الشاعر خلع اللغة، بل خلع الهوية كلها:

وخلعتُ عند حدودها / لغتي / سؤالي / رايتي / قلقي / عطوري / والنساء مع الثياب

إنه لا يخلع ملابس الدنيا فقط، بل يخلع الدنيا كلها. يخلع لغته التي يتكلم بها، لأن الكلام بين يدي الله ليس كالكلام بين الناس. يخلع سؤاله، لأنه في الحضرة الإلهية يسقط السؤال. يخلع رايته وهويته، لأنه لم يعد يحمل اسماً أو لقباً، بل صار مجرد “خرقة بيضاء”.

ثم يعلن نفاد الكلام:

خذني / لقد نفد الكلام

لا بوصفه عجزاً، بل بوصفه عبوراً. اللغة التي كانت مركب الشاعر تتحول إلى عتبة، ثم يتركها خلفه. هنا لا تموت القصيدة، بل تولد على نحو آخر؛ إذ يغدو الصمت لغة أعلى، ويصبح البياض نصاً مفتوحاً.

 

البياض… دائرة البدء والرجوع

في مشهد الإحرام، يتجلى البياض لا كلباس فحسب، بل كعودة إلى النقطة الأولى:

وأتيتُ ثمة خرقة بيضاء / تخصف عورتي

فعل “تخصف” هنا معجزة لغوية عميقة، فهو استعارة من خصف النعل، أي الإصلاح والترقيع. وكأن الإحرام رقعة إلهية تستر عورات الروح لا الجسد فقط.

ثم تبلغ القصيدة ذروتها الرمزية:

وكأنني ومض تحدَّر فوق أكتاف الزمن / متأرجحاً في لحظة / ما بين لفات القماط / وبين لفات الكفن

بين لفات القماط ولفات الكفن يقف الحاج في برزخ زمني؛ هو وليد وراحل في آن معاً. ليس هذا إلغاء للزمن، بل تحرير له من خطيته الصارمة. فالحج يذكر الإنسان بأنه يبدأ حيث ينتهي، وأن النهاية ليست سوى باب آخر للبدء.

 

الخطايا السُّمر… أنسنة الاعتراف

في لحظة الصدق الأقصى، يصيح الحاج بسؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه:

رباه / هل أبصرتني؟ / وهل اطلعت على كتابي؟

إنها صرخة “أنا هنا.. هل تراني؟” بامتياز. لكنها ليست سؤال شك، بل سؤال عشق. العاشق لا يريد أن يعبد معشوقه فقط، يريد أن يراه المعشوق، أن يعلم أنه موجود، أن تلمسه نظرة واحدة من هناك.

ثم يعترف:

كم دونت فيه الغواية أسطراً / حتى عبدتُ لذاذتي / وصحبتُ منتشياً رغابي

ثم يأتي الوصف المدهش:

مستسلماً للج الخطايا السمر

حين يصف الشاعر خطاياه بـ “السُّمر”، لا يلونها بقدر ما يقربها من طينته. ليست الخطيئة وحشاً أسود خارج الذات، بل ظل يرافقها. في هذا الاعتراف لا نجد ادعاء طهر مطلق، بل صدق إنساني.

 

الطواف بالكلمات… لغة لا تستقر

لغة «الرحلة المكيّة» لا تستقر في مقام واحد. الأفعال تتوالى، النداء يتردد، الضمائر تتحرك بين مخاطب وغائب، وكأن النص يطوف حول مركز لا يُرى. هذه الحركة ليست زخرفة، بل شيفرة إبداعية؛ فالتجربة نفسها متحركة، مترددة بين يقين وارتجاف.

وحين يقترب القول من حده الأقصى، ينقلب إلى بياض دال، إلى صمت يحمل من المعنى أكثر مما تحمله الجملة. هكذا تصبح القصيدة سيراً، لا تقريراً؛ حالاً، لا خطاباً.

 

عرفات… الحزن بوصفه صلاة خفية

يصل الشاعر إلى عرفات، حيث يتمنى العبد لو يقف بين يدي ربه وقفة الصدق. لكن الصدمة تنتظره:

حاولتُ أن أبكي / وأن أتعبد الرحمن / في الخيم المكيفة الشفيفة / لكن شيئاً ما تسلل للسقيفة / وأعارنا النكت السريعة / والصلاة على النبي / وبعض أدعية خفيفة

هذا هو مقتل الروح. أن تحضر لتبكي بخشوع، فتصادف نكات سريعة وأدعية خفيفة. هنا لا ينقد الشاعر الطقس، بل يناجي ربه أن يحفظ هذا الطقس من أن يصير عادة جامدة. وسط الجموع، يتلمس رجفة في قلبه لا تشبه رجفة غيره. أن يقف الإنسان في الجمع ولا يفقد صوته الخاص، تلك هي المحنة.

يبقى بعد ذلك:

يبحث عنك / حزن جاثم في الصدر / ثمة عاشق يبكي / وثمة جمرة تنسل فوق العمر

 

الشيطان الذي يسكننا

وفي ذروة الرحلة، يأتي الاكتشاف الأكبر:

قيدتُ شيطاناً بمكة لست أعرفه / وحين رجعت صافحني بلا استئذان

لقد رمى شيطاناً لا يعرفه، لأنه لم يعترف بعد بشيطانه الداخلي. فلما عاد، صافحه الشيطان الحقيقي، ذلك الذي يسكن ذاكرته. ليست المصافحة تصالحاً مع الشر، بل وعي بالظل الذي لا يمحى بالرجم وحده، بل يفهم ويهذب.

تتحول الذاكرة إلى كائن حي:

وذاكرتي لها شفتان / تتوسلان الليل والقبلات / والطرق الشقية

إن الطريق إلى الصفاء لا يمر بإنكار الضعف، بل بإدراكه. هنا يكتشف الحاج أن رحلته لم تغير شيئاً، أو ربما غيرت كل شيء، لأنها جعلته يعرف عدوه الحقيقي: نفسه.

 

السير الذي لا ينتهي

بعد أن أكمل مناسكه كلها، طاف وسعى وبات ورمى وقصر الشعر، لا يعلن الشاعر تحولاً جذرياً، بل يتركنا أمام سؤال مفتوح:

هل أكمل السير الوئيد إليك / أم أمضي مع الحجاج؟

إنه السؤال الأزلي: هل يكون الدين علاقة فردية خالصة مع الله، أم يكون انتماء جماعياً وطقساً اجتماعياً؟ لعل الطريقين ليسا متعارضين كما يبدو؛ فالسير مع الجماعة لا يلغي الخلوة، كما أن الخلوة لا تنفي الجماعة. في التوتر بينهما يولد المعنى.

ثم يعود ليسأل من جديد:

وأنا أحاول أن أعود لذلك الحاج الذي / صلى وطاف وقصر الشعر القصير / ونام فوق الأرض / ثم رمى بجمرته / وألقى حمله ليد الزمان

فهل نستطيع العودة؟ ذلك هو السر الذي يبقى بين العبد وربه.

 

البياض الذي لا ينسى

ما تبقى من القصيدة ليس أبياتاً محفوظة، بل حالة بياض تسكن القارئ. البياض هنا ليس فراغاً، بل امتلاء من نوع آخر؛ امتلاء بالصمت الذي صار لغة، وبالحضور الذي لا يحتاج إلى صخب. حين نغلق القصيدة، نجد أنفسنا لا نتذكر كلمات بعينها، بل نتذكر شعوراً بأننا كنا هناك، في عرفات، نبحث مع الشاعر عن نظرة.

وهكذا تظل «الرحلة المكيّة» روحاً تسكننا، وكلما قرأناها، وجدنا أنفسنا نسير فيها، لا إلى مكة وحدها، بل إلى أعماقنا أيضاً.

الرحلة المكيِّة

د. عارف الساعدي

لم يلتقطْني اللهُ

من بين الجموع مع الزحامْ

سلَّمتُ قبل دخوليَ البيتَ الحرامْ

وسألتُ عنك الباب والعتبات والحجر الرخامْ

هل انت في هذي القصور مخبأٌ

أم في الخيامْ؟

ودخلتُ بيتك مثل كل الناس

ابحثُ عنك

لكني انشغلتُ

بكل انوار الثريِّات المضيئةِ

وانتعشتُ بخفقة البرد الخفيفةِ

وانتظرتك

في الزوايا والمرايا والكلامْ

سلَّمتُ يا مولاي

من سيردُّ لي تلك التحيةَ؟

من سيقرأ فوق ارواح الملايين السلامْ؟؟؟

……..

وأنا اجرُّ خطاي حول البيت

اهتف في البداية باسمك الأزليِّ

لبيك انتظرني

يا مالك الأكوان والأرواح

خذني

شجراً ببابك

يرقد الناس الحزانى تحته

من دون مَنِّ

خذني لسدرتك البعيدةِ طائراً

يبني بقيّة عشِّه

ويطلُّ فوق الارض منتشياً

وسيانٍ لديه

أكان يبكي أم يغني

……….

ربَّاه

هل أبصرتني؟

وهل اطَّلعتَ على كتابي؟

كم دونتْ فيه الغوايةُ أسطراً

حتى عبدتُ لذاذتي

وصحبتُ منتشياً رغابي

لكنني بعد الرحيل المرِّ والعطش المرابي

جاورتُ مكَّة حافياً

وخلعتُ عند حدودها

لغتي

سؤالي

رايتي

قلقي

عطوري

والنساءَ مع الثياب

وأتيتُ ثمَّة خرقةٌ بيضاء

تخصف عورتي

وكأنني ومضٌ تحدَّر فوق اكتاف الزمنْ

متأرجحاً في لحظةٍ

ما بين لفَّات القماط

وبين لفَّات الكفنْ

….

وتركتُ مكَّة حافيا

لأبيتَ في عرفة

حاولتُ أنْ أبكي

وأنْ أتعبد الرحمن

في الخيم المكيِّفة الشفيفة

لكنَّ شيئاً ما تسلل للسقيفة

وأعارنا النكتَ السريعةَ

والصلاةَ على النبيِّ

وبعضَ ادعيةٍ خفيفة

وبقيتُ ابحثُ عنك

حزنٌ جاثمٌ في الصدرْ

ثمَّة عاشقٌ يبكي

وثمَّة جمرةٌ تنسلُّ فوق العمرْ

ويقول لي صحبي انتظر يا حاج

سوف تراه في الطرق التي تمشي لمزدلفة

ومشيتُ…

لكنَّي وجدتُ جميعهن

الناسَ والطرقاتِ والأيامَ مختلفة

وحزنتُ ثانيةً

ولمَّا بعد يفترق الحجيجُ

صعَّدتُ موَّالي وأربكني الضجيجُ

أنا تائهٌ

والدرب مفترقٌ هنا

هل اكمل السير الوئيد اليك

ام امضي مع الحجَّاج؟؟؟؟

……

ودخلتُ بيتك مرةً اخرى

احاول أنْ اخففَ من عتابك

فوقفتُ مرتبكاً ومنكسراً

ومشتاقاً ببابك

هل اطرق الباب القديم؟

ومن سيفتحه؟

إذا دخل الشقيُّ الصبُّ

ملتفَّاً بأدعية الحضور على غيابك

خذني

لقد نفد الكلام

وظلَّ دمعٌ منه مشدوداً

على ذكرى احتجابك

………

اكملتُ كل مناسكي

ورميتُ سبع حصىً

على هذياني

قيَّدتُ شيطاناً بمكَّة لستُ اعرفه

وحين رجعتُ صافحني بلا استئذانِ

ماذا صنعتُ إذا

وذاكرتي لها شفتان

تتوسلان الليل والقبلات

والطرق الشقية

في خطى الندمان

مستسلماً الج الخطايا السمر

اجرح رحلة الحاج الطويلة

بالنساء وباللهاث وراء هذا الليل

فيما الليل مستلقٍ على شفتي

وممتدٌ بلا شطآنِ

وانا احاول ان اعود لذلك الحاج الذي

صلَّى وطاف وقصَّر الشعرَ القصير

ونام فوق الارض

ثم رمى بجمرتهِ

وألقى حمله ليد الزمانِ

 

عن الکاتب / الکاتبة

ناظم ناصر القریشي
ناظم ناصر القریشي
ناقد وکاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

حين يصبح النهر لغةً: تدفق المعنى في ديوان (يغتسل النثر في نهره) للشاعر د. شربل داغر

حين يصبح النهر لغةً: تدفق المعنى في ديوان (يغتسل النثر في نهره) للشاعر د. شربل داغر

حين يصبح النهر لغةً: تدفق المعنى في ديوان (يغتسل النثر في نهره) للشاعر د. شربل…

صورة الكاتب ناظم ناصر القریشي
28 أبريل 2026
اقرأ المزيد
سيمفونية الشعر البصرية تأملات في قصيدة (تأملات) للشاعر د. محمد رضا مبارك

سيمفونية الشعر البصرية تأملات في قصيدة (تأملات) للشاعر د. محمد رضا مبارك

سيمفونية الشعر البصرية تأملات في قصيدة (تأملات) للشاعر د. محمد رضا مبارك الشعر بين الذاتي…

صورة الكاتب ناظم ناصر القریشي
16 مارس 2026
اقرأ المزيد
مابعد اللغة الشعر بين العدم والاحتمال تأملات في قصيدة “السّماء الآن هي نفسها الموت” للشاعر أدونيس

مابعد اللغة الشعر بين العدم والاحتمال تأملات في قصيدة “السّماء الآن هي نفسها الموت” للشاعر أدونيس

مابعد اللغة الشعر بين العدم والاحتمال تأملات في قصيدة “السّماء الآن هي نفسها الموت” للشاعر…

صورة الكاتب ناظم ناصر القریشي
20 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


البياض الذي لا ينسى تأملٌ عرفاني في قصيدة «الرحلة المكيّة» للشاعر د. عارف الساعدي

بقلم: ناظم ناصر القریشي | التاريخ: 24 مايو 2026

التصنيف: الأدب

البياض الذي لا ينسى

تأملٌ عرفاني في قصيدة «الرحلة المكيّة»

للشاعر د. عارف الساعدي

 

 

الحياة بوصفها قصيدة… والقصيدة بوصفها روحاً

كلُّ قصيدةٍ حياةٌ مكتوبة، وكلُّ حياةٍ رحلةٌ غير مكتملة. غير أن «الرحلة المكيّة» لا تكتفي بأن تكون حياةً مصوغة في أبيات؛ إنها حياةٌ وهي تتشكّل أمامنا، روحٌ تتعلّم كيف تمشي داخل كلماتها. ليست القصيدة وصفاً للروح، بل الروح وهي تجرّب لغتها، تتعثر بها، تخلعها، ثم تعود فتستند إليها. لذلك لا نقرأ نصاً عن الحج، بل نقرأ روحاً تحاول أن تفهم لماذا تسير، ولمن تسير، وكيف تخفّ كي لا تسقط تحت ثقلها.

هنا تتبدّل العلاقة بين الشعر والحياة؛ فالحياة لا تُحكى في القصيدة، بل تتجلّى من خلالها، والقصيدة لا تصف التجربة، بل تتحول إلى هيئتها الداخلية. كأن الروح استعارت اللغة زمناً قصيراً، ثم أعادتها بيضاء كما أخذتها.

 

حين يصبح الطريق قلباً

ليست «الرحلة المكيّة» وصفاً لمناسك، ولا تدويناً ليوميات حاج عاد بصور محفوظة. إنها كتابة حال؛ كتابة روح تمشي وهي تتخفف من أسمائها. في هذا النص لا نسير إلى مكان، بل نسير من أنفسنا. الحج هنا ليس انتقالاً في الجغرافيا، بل انتقال في الكثافة: من ثقل الطين إلى خفة البياض، من ازدحام الصوت إلى صفاء الصمت.

يبدأ الشاعر بهاجس الالتقاط الإلهي، ذلك الاصطفاء الذي لا يُطلب بل يُوهب:

لم يلتقطني اللهُ / من بين الجموع مع الزحامْ

إنها عتبة القصيدة، بل عتبة الروح ذاتها: أن تقف في زحام الأجساد وتتساءل إن كان لها في الحضرة الإلهية نصيب. ليس طلباً، بل وجلاً.

 

المرايا… حين يرى السالك نفسه قبل أن يرى ربه

يدخل الشاعر الحرم، لكنه لا يدخل مثل غيره. هو يبحث عن الحبيب لا عن المكان:

سلَّمتُ قبل دخولي البيتَ الحرامْ / وسألتُ عنك الباب والعتبات والحجر الرخامْ

ثم ينتظر في “الزوايا والمرايا والكلام”. ليست المرايا هنا أسطحاً عاكسة فحسب، بل امتحان خفي؛ ففي اللحظة التي يظن فيها السالك أنه يتجه إلى المطلق، تفاجئه صورته. كأن الطريق إلى الله يمر أولاً عبر اكتشاف الحجاب الذي اسمه “أنا”. ليست المشكلة في الغيب، بل في العاكس الذي يقف بين القلب والنور.

وفي خضم هذا الانتظار، ينشغل:

لكني انشغلتُ / بكل أنوار الثريات المضيئة / وانتعشتُ بخفقة البرد الخفيفة

ها هي المأساة الوجودية: أن تحضر الجسد كله، ثم تكتشف أن روحك كانت مشغولة بكل شيء إلا بالذي جئت من أجله. ثم يسأل سؤال الموجوع:

سلَّمتُ يا مولاي / من سيرد لي تلك التحية؟ / من سيقرأ فوق أرواح الملايين السلام؟

 

صوفي الأسلوب… عرفاني الجوهر

قد يظن قارئ هذه القصيدة أنها صوفية الطابع، بما تحمل من لغة الحب الإلهي وشوق الفناء. لكن التأمل العميق يكشف أن التصوف هنا ليس غاية، بل وسيلة؛ ليس جوهراً، بل قالباً. الجوهر الحقيقي هو العرفان: تلك المعرفة القلبية المباشرة التي لا تحتاج إلى واسطة، والتي تجعل السالك يقف وحيداً بين يدي ربه، لا يحجبه عنه كتاب، ولا لغة، ولا حتى صوفية نفسه. العرفان هو ما يبقى حين يخلع الشاعر لغته ورايته وقلقه، وحين يصمت الكلام ليبدأ البياض. الفرق بين الصوفي والعرفاني، هو الفرق بين من يصف العسل ومن يتذوقه. وهذه القصيدة لا تصف العسل، بل تذيقنا إياه.

هنا يتجلى عمق النص: كل خلع، كل صمت، كل بياض، ليس مجرد فعل شعري، بل لحظة عرفانية حقيقية. العرفان يجعل القصيدة امتدادًا روحيًا للروح نفسها، فيتحول النص من وصف إلى حضور حي، يعيشه القارئ ولا يقرأه فقط. بهذا، تصبح «الرحلة المكية» أكثر من قصيدة؛ إنها تجربة للعين والقلب، نصٌ يُسافر فيه، ويترك أثره عميقًا في ذاكرة الروح.

 

حين يخلع الشاعر لغته… صمت هو أصدق القول

في لحظة حاسمة يعلن الشاعر خلع اللغة، بل خلع الهوية كلها:

وخلعتُ عند حدودها / لغتي / سؤالي / رايتي / قلقي / عطوري / والنساء مع الثياب

إنه لا يخلع ملابس الدنيا فقط، بل يخلع الدنيا كلها. يخلع لغته التي يتكلم بها، لأن الكلام بين يدي الله ليس كالكلام بين الناس. يخلع سؤاله، لأنه في الحضرة الإلهية يسقط السؤال. يخلع رايته وهويته، لأنه لم يعد يحمل اسماً أو لقباً، بل صار مجرد “خرقة بيضاء”.

ثم يعلن نفاد الكلام:

خذني / لقد نفد الكلام

لا بوصفه عجزاً، بل بوصفه عبوراً. اللغة التي كانت مركب الشاعر تتحول إلى عتبة، ثم يتركها خلفه. هنا لا تموت القصيدة، بل تولد على نحو آخر؛ إذ يغدو الصمت لغة أعلى، ويصبح البياض نصاً مفتوحاً.

 

البياض… دائرة البدء والرجوع

في مشهد الإحرام، يتجلى البياض لا كلباس فحسب، بل كعودة إلى النقطة الأولى:

وأتيتُ ثمة خرقة بيضاء / تخصف عورتي

فعل “تخصف” هنا معجزة لغوية عميقة، فهو استعارة من خصف النعل، أي الإصلاح والترقيع. وكأن الإحرام رقعة إلهية تستر عورات الروح لا الجسد فقط.

ثم تبلغ القصيدة ذروتها الرمزية:

وكأنني ومض تحدَّر فوق أكتاف الزمن / متأرجحاً في لحظة / ما بين لفات القماط / وبين لفات الكفن

بين لفات القماط ولفات الكفن يقف الحاج في برزخ زمني؛ هو وليد وراحل في آن معاً. ليس هذا إلغاء للزمن، بل تحرير له من خطيته الصارمة. فالحج يذكر الإنسان بأنه يبدأ حيث ينتهي، وأن النهاية ليست سوى باب آخر للبدء.

 

الخطايا السُّمر… أنسنة الاعتراف

في لحظة الصدق الأقصى، يصيح الحاج بسؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه:

رباه / هل أبصرتني؟ / وهل اطلعت على كتابي؟

إنها صرخة “أنا هنا.. هل تراني؟” بامتياز. لكنها ليست سؤال شك، بل سؤال عشق. العاشق لا يريد أن يعبد معشوقه فقط، يريد أن يراه المعشوق، أن يعلم أنه موجود، أن تلمسه نظرة واحدة من هناك.

ثم يعترف:

كم دونت فيه الغواية أسطراً / حتى عبدتُ لذاذتي / وصحبتُ منتشياً رغابي

ثم يأتي الوصف المدهش:

مستسلماً للج الخطايا السمر

حين يصف الشاعر خطاياه بـ “السُّمر”، لا يلونها بقدر ما يقربها من طينته. ليست الخطيئة وحشاً أسود خارج الذات، بل ظل يرافقها. في هذا الاعتراف لا نجد ادعاء طهر مطلق، بل صدق إنساني.

 

الطواف بالكلمات… لغة لا تستقر

لغة «الرحلة المكيّة» لا تستقر في مقام واحد. الأفعال تتوالى، النداء يتردد، الضمائر تتحرك بين مخاطب وغائب، وكأن النص يطوف حول مركز لا يُرى. هذه الحركة ليست زخرفة، بل شيفرة إبداعية؛ فالتجربة نفسها متحركة، مترددة بين يقين وارتجاف.

وحين يقترب القول من حده الأقصى، ينقلب إلى بياض دال، إلى صمت يحمل من المعنى أكثر مما تحمله الجملة. هكذا تصبح القصيدة سيراً، لا تقريراً؛ حالاً، لا خطاباً.

 

عرفات… الحزن بوصفه صلاة خفية

يصل الشاعر إلى عرفات، حيث يتمنى العبد لو يقف بين يدي ربه وقفة الصدق. لكن الصدمة تنتظره:

حاولتُ أن أبكي / وأن أتعبد الرحمن / في الخيم المكيفة الشفيفة / لكن شيئاً ما تسلل للسقيفة / وأعارنا النكت السريعة / والصلاة على النبي / وبعض أدعية خفيفة

هذا هو مقتل الروح. أن تحضر لتبكي بخشوع، فتصادف نكات سريعة وأدعية خفيفة. هنا لا ينقد الشاعر الطقس، بل يناجي ربه أن يحفظ هذا الطقس من أن يصير عادة جامدة. وسط الجموع، يتلمس رجفة في قلبه لا تشبه رجفة غيره. أن يقف الإنسان في الجمع ولا يفقد صوته الخاص، تلك هي المحنة.

يبقى بعد ذلك:

يبحث عنك / حزن جاثم في الصدر / ثمة عاشق يبكي / وثمة جمرة تنسل فوق العمر

 

الشيطان الذي يسكننا

وفي ذروة الرحلة، يأتي الاكتشاف الأكبر:

قيدتُ شيطاناً بمكة لست أعرفه / وحين رجعت صافحني بلا استئذان

لقد رمى شيطاناً لا يعرفه، لأنه لم يعترف بعد بشيطانه الداخلي. فلما عاد، صافحه الشيطان الحقيقي، ذلك الذي يسكن ذاكرته. ليست المصافحة تصالحاً مع الشر، بل وعي بالظل الذي لا يمحى بالرجم وحده، بل يفهم ويهذب.

تتحول الذاكرة إلى كائن حي:

وذاكرتي لها شفتان / تتوسلان الليل والقبلات / والطرق الشقية

إن الطريق إلى الصفاء لا يمر بإنكار الضعف، بل بإدراكه. هنا يكتشف الحاج أن رحلته لم تغير شيئاً، أو ربما غيرت كل شيء، لأنها جعلته يعرف عدوه الحقيقي: نفسه.

 

السير الذي لا ينتهي

بعد أن أكمل مناسكه كلها، طاف وسعى وبات ورمى وقصر الشعر، لا يعلن الشاعر تحولاً جذرياً، بل يتركنا أمام سؤال مفتوح:

هل أكمل السير الوئيد إليك / أم أمضي مع الحجاج؟

إنه السؤال الأزلي: هل يكون الدين علاقة فردية خالصة مع الله، أم يكون انتماء جماعياً وطقساً اجتماعياً؟ لعل الطريقين ليسا متعارضين كما يبدو؛ فالسير مع الجماعة لا يلغي الخلوة، كما أن الخلوة لا تنفي الجماعة. في التوتر بينهما يولد المعنى.

ثم يعود ليسأل من جديد:

وأنا أحاول أن أعود لذلك الحاج الذي / صلى وطاف وقصر الشعر القصير / ونام فوق الأرض / ثم رمى بجمرته / وألقى حمله ليد الزمان

فهل نستطيع العودة؟ ذلك هو السر الذي يبقى بين العبد وربه.

 

البياض الذي لا ينسى

ما تبقى من القصيدة ليس أبياتاً محفوظة، بل حالة بياض تسكن القارئ. البياض هنا ليس فراغاً، بل امتلاء من نوع آخر؛ امتلاء بالصمت الذي صار لغة، وبالحضور الذي لا يحتاج إلى صخب. حين نغلق القصيدة، نجد أنفسنا لا نتذكر كلمات بعينها، بل نتذكر شعوراً بأننا كنا هناك، في عرفات، نبحث مع الشاعر عن نظرة.

وهكذا تظل «الرحلة المكيّة» روحاً تسكننا، وكلما قرأناها، وجدنا أنفسنا نسير فيها، لا إلى مكة وحدها، بل إلى أعماقنا أيضاً.

الرحلة المكيِّة

د. عارف الساعدي

لم يلتقطْني اللهُ

من بين الجموع مع الزحامْ

سلَّمتُ قبل دخوليَ البيتَ الحرامْ

وسألتُ عنك الباب والعتبات والحجر الرخامْ

هل انت في هذي القصور مخبأٌ

أم في الخيامْ؟

ودخلتُ بيتك مثل كل الناس

ابحثُ عنك

لكني انشغلتُ

بكل انوار الثريِّات المضيئةِ

وانتعشتُ بخفقة البرد الخفيفةِ

وانتظرتك

في الزوايا والمرايا والكلامْ

سلَّمتُ يا مولاي

من سيردُّ لي تلك التحيةَ؟

من سيقرأ فوق ارواح الملايين السلامْ؟؟؟

……..

وأنا اجرُّ خطاي حول البيت

اهتف في البداية باسمك الأزليِّ

لبيك انتظرني

يا مالك الأكوان والأرواح

خذني

شجراً ببابك

يرقد الناس الحزانى تحته

من دون مَنِّ

خذني لسدرتك البعيدةِ طائراً

يبني بقيّة عشِّه

ويطلُّ فوق الارض منتشياً

وسيانٍ لديه

أكان يبكي أم يغني

……….

ربَّاه

هل أبصرتني؟

وهل اطَّلعتَ على كتابي؟

كم دونتْ فيه الغوايةُ أسطراً

حتى عبدتُ لذاذتي

وصحبتُ منتشياً رغابي

لكنني بعد الرحيل المرِّ والعطش المرابي

جاورتُ مكَّة حافياً

وخلعتُ عند حدودها

لغتي

سؤالي

رايتي

قلقي

عطوري

والنساءَ مع الثياب

وأتيتُ ثمَّة خرقةٌ بيضاء

تخصف عورتي

وكأنني ومضٌ تحدَّر فوق اكتاف الزمنْ

متأرجحاً في لحظةٍ

ما بين لفَّات القماط

وبين لفَّات الكفنْ

….

وتركتُ مكَّة حافيا

لأبيتَ في عرفة

حاولتُ أنْ أبكي

وأنْ أتعبد الرحمن

في الخيم المكيِّفة الشفيفة

لكنَّ شيئاً ما تسلل للسقيفة

وأعارنا النكتَ السريعةَ

والصلاةَ على النبيِّ

وبعضَ ادعيةٍ خفيفة

وبقيتُ ابحثُ عنك

حزنٌ جاثمٌ في الصدرْ

ثمَّة عاشقٌ يبكي

وثمَّة جمرةٌ تنسلُّ فوق العمرْ

ويقول لي صحبي انتظر يا حاج

سوف تراه في الطرق التي تمشي لمزدلفة

ومشيتُ…

لكنَّي وجدتُ جميعهن

الناسَ والطرقاتِ والأيامَ مختلفة

وحزنتُ ثانيةً

ولمَّا بعد يفترق الحجيجُ

صعَّدتُ موَّالي وأربكني الضجيجُ

أنا تائهٌ

والدرب مفترقٌ هنا

هل اكمل السير الوئيد اليك

ام امضي مع الحجَّاج؟؟؟؟

……

ودخلتُ بيتك مرةً اخرى

احاول أنْ اخففَ من عتابك

فوقفتُ مرتبكاً ومنكسراً

ومشتاقاً ببابك

هل اطرق الباب القديم؟

ومن سيفتحه؟

إذا دخل الشقيُّ الصبُّ

ملتفَّاً بأدعية الحضور على غيابك

خذني

لقد نفد الكلام

وظلَّ دمعٌ منه مشدوداً

على ذكرى احتجابك

………

اكملتُ كل مناسكي

ورميتُ سبع حصىً

على هذياني

قيَّدتُ شيطاناً بمكَّة لستُ اعرفه

وحين رجعتُ صافحني بلا استئذانِ

ماذا صنعتُ إذا

وذاكرتي لها شفتان

تتوسلان الليل والقبلات

والطرق الشقية

في خطى الندمان

مستسلماً الج الخطايا السمر

اجرح رحلة الحاج الطويلة

بالنساء وباللهاث وراء هذا الليل

فيما الليل مستلقٍ على شفتي

وممتدٌ بلا شطآنِ

وانا احاول ان اعود لذلك الحاج الذي

صلَّى وطاف وقصَّر الشعرَ القصير

ونام فوق الارض

ثم رمى بجمرتهِ

وألقى حمله ليد الزمانِ