البحث في عالم الکلمات والصوت والصورة

رئيسة التحرير
العدد السادس

الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي: من يكتب لِمَن؟
شهدت الآونة الأخيرة تحولًا رقمياً مُخيفاً ، حتى صار الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ منا، ونعتمد عليه كثيرًا في حياتنا اليومية، لدرجة أصبح فيها صديقاً قريباً جداً للبعض وأميناً على أسرارهم .
التطبيقات الكثيرة المنتشرة، مثل ChatGPT وGemini وما إلى ذلك من تطبيقات أخرى، أصبحت مُلازمة للإنسان، ويعتمد عليها بدرجة كبيرة في إنجاز مهامه، سواء في الدراسة أو العمل، أو في حالات الضغط النفسي الشديد، والأزمات العاطفية، والديكور، وحتى في الكتابة.
فبعضهم يستعيض عن رأيه وفكرته بالرجوع إلى الذكاء الاصطناعي لصياغة نص، أو ربما فكرة بطريقة يختارها هو، ثم يسترسل بها لتصبح مقالًا. بل إن الكثير أصبح كسولًا عن كتابة تعليق في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يذهب جريًا إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليكتب له تعليقاً مرصعاً بعجزه، ومُغيِّباً لعقله، يأتي به وهو يجر خيبته من يدها ليضعها أمام كاتب أفنى حياته في الكتابة والتفكير طويلًا ليبتكر فكرة، فتصير نصًا يصف فيه مشاعره وتجربته الفريدة من نوعها، وهذا ما لا تمتلكه الآلة.
لا يُمكن لآلة تفتقر إلى المشاعر والأحاسيس أن تكتب قصيدة مليئة بالحب، وأخرى مشوبة بالأسى. لا يمكن للآلة أن تصف مشاعر الفقد أو الاشتياق، الخيبة والخذلان، السعادة والفرح ، الوعود المؤجلة، أو ربما التي تساقطت عند شفة أصحابها وهم يقطعونها دون نية للوفاء بها.
لا يمكن للآلة أن تصف القلب عندما يرتجف فرحاً عند لحظة حب ، او انشطاره إلى نصفين عند لحظة هجر ، ثم تهشمه إلى حد ذرات تُشبه ذرات الرمال .
لا يمكن للآلة ان تصف تحول الروح إلى فراشات تُحلق في سماء السعادة عند لحظة فرح ،او انكسارها حين تمسها لعنة الخذلان .
كيف يمكن للذكاء أن يسمع صوت الروح وهي تتكسر إلى قطع صغيرة؟
فكيف يمكن للآلة أن تصف شتات النفس، أو تجمعه في نص شعري أو نثري، لا يهم؟
كيف يمكن للآلة أن تكتب عن شعور العقل وهو يقاوم في وجه النسيان؟
كيف يمكن للآلة أن تُغيِّب الذاكرة؟
يا لهذا العقل المتمرد على آخر الابتكارات التكنولوجية!
يا لهذا العقل الثائر ضد الثورة التكنولوجية!
حتى اللحظة، لا شيء يجعله ينسى ما يريد نسيانه.
نحن ندفع المشاعر إلى آخر الذاكرة، في محاولة بائسة للنسيان، لكن لا شيء. تعود من آخر الذاكرة وهي تعلن عصيانها على النسيان.
كيف يُمكن أن يُختزل شعور الإنسان وإحساسه بكلمات من صنع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي لا تمتلك المشاعر والأحاسيس؟
تطبيقات لا تفقه من الشعور شيئًا.
فالكتابة ليست مجرد كلمات يُصف بجانب بعضها البعض ، او جملاً مُنمقة .
الكتابة هي شعور يسكبه الكاتب على الورق، ليلامس قلب القارئ ما إن يقرأه.
مهما شهد العالم تقدمًا تقنيًا وتكنولوجيًا، فلا يمكننا أن نتجرد من مشاعرنا وأحاسيسنا لنستبدلها بشيء جامد يُجاري الحالة الشعورية للإنسان، وربما الفكرية.
لا يمكن أن نتخلى عن أقلامنا، لنستعيض عنها بالذكاء الاصطناعي، فيكتب هو عنا.
ثم، بعد حين، نتساءل: من يكتب لِمَن؟
لا بد أن ندرك حقيقة أننا نكتب للذكاء، ثم نوظف أفكاره كما نشاء، لا أن يوظف أفكارنا كما يشاء، فيُغيِّب العقل والفكر، ويُصبح الإنسان مجرد آلة لا يُمكنها أن تتحرك دون الرجوع إلى الذكاء الاصطناعي.
في هذا العدد، نترككم مع الأقلام الحية التي ما زالت تكتب وتنتج شعورًا جميلًا، يُشرق ضوؤه على عين القارئ، فيزدهر الحرف وتتوهج الكلمة، لتُصبح الكتابة نبراسًا يُضيء العقول، وينير درب المعرفة، ويوقظ الفكر، ويرتقي بالإنسان نحو آفاق الإبداع.

— رئيسة التحرير

|

Logo 1 Logo 2 Logo 3 Logo 4 Logo 5 Logo 6 Logo 7 Logo 8 Logo 9 Logo 10