أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 4 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2437
أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

مقدمة:
في قلب أصفهان، المدينة التي تلقب بنصف العالم، تتكشف أمام الزائر طبقات من التاريخ والجمال تمتزج فيها العمارة بالفن، وتروي كل زاوية حكاية حضارة عريقة. وفي هذه المحطة من رحلتنا، نواصل استكشاف أبرز معالمها، حيث لا تقتصر الزيارة على المشاهدة فحسب، بل تمتد لتلامس تفاصيل إنسانية عميقة تختبئ خلف الجدران والقباب.
*السر وراء التسمية
يعد شارع “استانداري” من أكثر شوارع أصفهان استقطابا للسياح، لما يحتضنه من متاحف ومعالم أثرية متنوعة. وكانت وجهتنا فيه نحو قصر جهل ستون، القصر الذي شيد في عهد شاه عباس الثاني ليكون مقرا للضيافة الرسمية. يمتد القصر على مساحة تقارب 7000 متر مربع، وتحيط به حديقة غناء تتوزع فيها الأشجار العالية، فيما تنعكس أعمدته على صفحة الماء لتوحي للناظر بوجود أربعين عمودا، وهو السرّ الكامن وراء تسميته.
ورغم أعمال الصيانة التي كانت جارية أثناء زيارتنا، إلا أننا تمكنا من توثيق لحظات بصرية آسرة، تعكس سحر المكان وهيبته التاريخية.
وعقب مغادرتنا القصر، انتقلنا إلى متحف الفنون المعاصرة في أصفهان، الذي يمتد على مساحة تقارب 1250 مترًا مربعا. وما إن تجاوزنا بوابته حتى استقبلنا فناء واسع يفيض جمالا وهدوءا، فيما احتضنت قاعاته لوحات لفنانين تشكيليين إيرانيين وأجانب، تعكس تنوع المدارس الفنية وتلاقي الثقافات. ولا يقتصر دور المتحف على عرض الأعمال الفنية، بل يعد فضاء حيا للفعاليات الثقافية والأدبية.
أما جنوب شارع “جهار باغ”، وتحديدا بعد ساحة الإمام الحسين، يقع شارع “حكيم” الذي يشتهر بمحلات بيع السجاد، ويضم في الوقت ذاته أحد أبرز معالم أصفهان الدينية، وهو مسجد الحكيم. ويرتبط اسم المسجد بقصة إنسانية لافتة؛ إذ بناه الطبيب محمد داود الذي كان يلقب بـ“الحكيم”.
وتحكي الروايات أن هذا الطبيب أمر بهدم ما تم بناؤه من المسجد، بعدما علم بأن الحمير التي كانت تنقل مواد البناء تعذب لتسريع حركتها. فرفض أن يقام بيت للعبادة على أساس من الظلم، وأمر بتوفير العلف للحيوانات وإعادة البناء من جديد، في موقف يجسد قيمة الرحمة التي تتجاوز الإنسان لتشمل كل الكائنات.
وعند زيارتنا للمسجد، الذي يقال إنه كان منطلقا لحراك شعبي في أصفهان، وقفنا أمام تحفة معمارية تنبض بالقوة والجمال. فالنقوش الدقيقة، والانسجام الهندسي، والظواهر الصوتية المدهشة داخل أروقته، كلها تعكس عبقرية التصميم؛ إذ يتردد الصدى في أرجائه بشكل واضح عند الوقوف في مركزه. كما يضم المسجد تصميما هندسيا فريدا قرب مئذنته، يمكن من معرفة الوقت عبر ظل الشمس المنعكس على الدائرة المرقمة.
خاتمة:
هكذا تظل أصفهان مدينة تختصر التناقضات؛ فهي من جهة مهد للفن والجمال والإنسانية، ومن جهة أخرى تكشف بعض التفاصيل اليومية عن فجوات في ثقافة الخدمة السياحية. وبين هذا وذاك، تبقى الرحلة تجربة ثرية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وتؤكد أن أجمل ما في المدن ليس فقط معالمها، بل القصص التي ترويها.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ مقدمة في الحروب لا تسقط…

صورة الكاتب حمدي العطار
1 أبريل 2026
اقرأ المزيد
أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي…

صورة الكاتب حمدي العطار
31 مارس 2026
اقرأ المزيد
حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة المقدمة: ليست الحروب مجرد صراع على الأرض،…

صورة الكاتب حمدي العطار
29 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 4 أبريل 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

مقدمة:
في قلب أصفهان، المدينة التي تلقب بنصف العالم، تتكشف أمام الزائر طبقات من التاريخ والجمال تمتزج فيها العمارة بالفن، وتروي كل زاوية حكاية حضارة عريقة. وفي هذه المحطة من رحلتنا، نواصل استكشاف أبرز معالمها، حيث لا تقتصر الزيارة على المشاهدة فحسب، بل تمتد لتلامس تفاصيل إنسانية عميقة تختبئ خلف الجدران والقباب.
*السر وراء التسمية
يعد شارع “استانداري” من أكثر شوارع أصفهان استقطابا للسياح، لما يحتضنه من متاحف ومعالم أثرية متنوعة. وكانت وجهتنا فيه نحو قصر جهل ستون، القصر الذي شيد في عهد شاه عباس الثاني ليكون مقرا للضيافة الرسمية. يمتد القصر على مساحة تقارب 7000 متر مربع، وتحيط به حديقة غناء تتوزع فيها الأشجار العالية، فيما تنعكس أعمدته على صفحة الماء لتوحي للناظر بوجود أربعين عمودا، وهو السرّ الكامن وراء تسميته.
ورغم أعمال الصيانة التي كانت جارية أثناء زيارتنا، إلا أننا تمكنا من توثيق لحظات بصرية آسرة، تعكس سحر المكان وهيبته التاريخية.
وعقب مغادرتنا القصر، انتقلنا إلى متحف الفنون المعاصرة في أصفهان، الذي يمتد على مساحة تقارب 1250 مترًا مربعا. وما إن تجاوزنا بوابته حتى استقبلنا فناء واسع يفيض جمالا وهدوءا، فيما احتضنت قاعاته لوحات لفنانين تشكيليين إيرانيين وأجانب، تعكس تنوع المدارس الفنية وتلاقي الثقافات. ولا يقتصر دور المتحف على عرض الأعمال الفنية، بل يعد فضاء حيا للفعاليات الثقافية والأدبية.
أما جنوب شارع “جهار باغ”، وتحديدا بعد ساحة الإمام الحسين، يقع شارع “حكيم” الذي يشتهر بمحلات بيع السجاد، ويضم في الوقت ذاته أحد أبرز معالم أصفهان الدينية، وهو مسجد الحكيم. ويرتبط اسم المسجد بقصة إنسانية لافتة؛ إذ بناه الطبيب محمد داود الذي كان يلقب بـ“الحكيم”.
وتحكي الروايات أن هذا الطبيب أمر بهدم ما تم بناؤه من المسجد، بعدما علم بأن الحمير التي كانت تنقل مواد البناء تعذب لتسريع حركتها. فرفض أن يقام بيت للعبادة على أساس من الظلم، وأمر بتوفير العلف للحيوانات وإعادة البناء من جديد، في موقف يجسد قيمة الرحمة التي تتجاوز الإنسان لتشمل كل الكائنات.
وعند زيارتنا للمسجد، الذي يقال إنه كان منطلقا لحراك شعبي في أصفهان، وقفنا أمام تحفة معمارية تنبض بالقوة والجمال. فالنقوش الدقيقة، والانسجام الهندسي، والظواهر الصوتية المدهشة داخل أروقته، كلها تعكس عبقرية التصميم؛ إذ يتردد الصدى في أرجائه بشكل واضح عند الوقوف في مركزه. كما يضم المسجد تصميما هندسيا فريدا قرب مئذنته، يمكن من معرفة الوقت عبر ظل الشمس المنعكس على الدائرة المرقمة.
خاتمة:
هكذا تظل أصفهان مدينة تختصر التناقضات؛ فهي من جهة مهد للفن والجمال والإنسانية، ومن جهة أخرى تكشف بعض التفاصيل اليومية عن فجوات في ثقافة الخدمة السياحية. وبين هذا وذاك، تبقى الرحلة تجربة ثرية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وتؤكد أن أجمل ما في المدن ليس فقط معالمها، بل القصص التي ترويها.