كتب القاص حيدر الناصري
مولودٌ من صوّانٍ
في قعر خوذة، ثقبتها زخّات الرّصاص، عشَّشت قبَّرة وحيدة، رقدت على بيضة وحصاة نثرَ الدّمُ عليها فبانَ كالنَّمش، أزاح الفرخ قشرته، كبر وظلَّ يحدّق في أمه وأخيه الصّامت، صفّق بجناحيه مهاجرا أرض المعركة.
عاد، أبصر الخوذة قد جرفتها السّيول، والحصاة تلتمع تحت وهج الشّمس، وبقربها عظامُ صدرٍ لطائرٍ يعرفه
قصة (مولود من صوّان) هي لحظةٌ يُحيل فيها الوجود إلى نفسه بعد أن ينكسر المعنى. فكلّ ما في النصّ قائم على مبدأ الإحالة لا شيء يُقال إلا لينادي غيابه. الخوذة، البيضة، الدم، الحصاة هي بنى مؤقتة تفهم على أنها مفاتيح للعدم، إشارات إلى ذاكرةٍ لا يمكن أن تُستعاد. في جوهرها، هذه القصة هي عن وعيٍ ينشأ من حطام العالم ليكتشف أن البقاء نفسه شكلٌ آخر من الزوال.
الإحالة هنا وجودية. الخوذة تحيل إلى الجسد الغائب الذي ارتداها، والدم إلى لحظة الحياة التي توقّفت، والفرخ إلى الكائن الذي يحمل الذاكرة دون أن يعرفها. لا يوجد (حدث) في النص، لأنه مبني على ردّ فعل للغياب. كل جملة تشير إلى أثرٍ اندثر، وكل وصفٍ يحلّ محلّ شاهدٍ مفقود. يشهد النص بنية تحول إلى أرشيف للمحو، والمكان السردي إلى شاهدٍ على ما لم يعد يُرى. الخوذة وعاءً للذاكرة، ومن قعرها تنبثق المفارقة الكبرى: أن يولد الوعي في قبره.
الاشتغال السردي يقوم على توتّر واحد: بين الولادة بوصفها وعداً، والعودة بوصفها فضيحة. يولد الفرخ مهاجراً، يعود دون التقاء بالأصل، يواجه الإحالة وقد صارت مادّة: عظام الأم تلمع، الحصاة تشهد، الضوء يفضح. سوى بقايا عالم تتسيد المشهد. يكتمل المعنى السيوراني للنص؛ فسيوران لا يرى في الخلاص إلا وهماً يُخفي السقوط. الكائن عنده استيقاظ في خرابٍ مستمر. لهذا يبدو الفرخ في القصة أقرب إلى كائنٍ يجرّ ذاكرة الأنواع كلها: يعود ليفهم أنّ النجاة لم تكن ممكنة منذ البداية. ولأن الحرب هي النجاة الوحيدة من السؤال
الخوذة المثقوبة هي المركز السردي للنص، هي ذاكرة الحرب، رحمٌ من حديدٍ تُنبت فيه الحياة نفسها كخطأٍ وجودي. في قعرها تفقس البيضة، وتبدأ المفارقة البنائية الكبرى: الحياة تولد من أداة موت. هذا هو الاشتغال السردي الفعلي في النص؛ السرد يتحرك بدائرةٍ من الانقلاب إمن الدم إلى النمش، من الحجر إلى الضوء. إنّه فعل تحوّل وليس فعل حكاية، وحركة وعي وليس حركة شخصيات.
أما الاشتغال الدلالي فينشأ من حركة الإحالة بين عناصر الطبيعة والموت. الصوّان أصلٌ جامد، البيضة نفيٌ له، الدم وساطة بينهما، والعظام استعادة دائرية للبدء. فضاءً النص سرديًّا مُكوَّنً من آثار لا من أشياء. فنحن أمام بنية اكتشاف لا حدث. المكان لا يُروى بل يُستدلّ عليه، والحدث لا يُشاهد بل يُتذكّر. حين يقول النص /الحصاة تلتمع تحت وهج الشمس/، فإن اللمعان ليس وصفاً للضوء بل للذاكرة وقد استيقظت في جمادها. إنها إحالة إلى ما تبقّى من الوعي بعد أن تلاشى الجسد.
قد تبدو هذه القصة بيان عن الحرب أو عن الأمومة، كما في ظاهر بنيتها السطحية. في الواقع هي كشف عن العلاقة المستحيلة بين الكائن ومصدره. إنّها تقترح فهماً للإحالة بوصفها قدر الوعي البشري: كلّ معرفةٍ تحيل إلى نقص، وكلّ وجودٍ يحيل إلى غيابه الأول. هكذا يتشكل أفق سيوران النص إلى مرآة سيورانية للكينونة: الوعي كجناحٍ مكسور يطير فوق عظامه.
(مولود من صوّان) بنية أثر، إحالةٌ إلى ما لم يكتمل — نصٌّ يعرف أنّ المعنى لا يُولد من البيضة، إنما من الصمت الذي يحيط بها.
مشهد العظام في نهاية القصة هو لحظة التحوّل من السرد إلى الميتافيزيقا. العظام، وهي تلمع تحت وهج الشمس، أثرُ وعيٍ انطفأ وترك شكله المادي شاهدًا عليه. في هذا اللمعان يكتمل معنى الإحالة كل ما كان حيًّا يعود ليشير إلى نفسه بعد الفناء. العظام صوت الغياب حين يصبح مرئيًّا
الذاكرة وقد استيقظت في الضوء إنها الذاكرة وقد تحجّرت في ضوء النهار، كأن الشمس نفسها تُنير لتفضح استمرار العدم داخل الجمال.
في مشهد العظام يتوقف الزمن. الضوء يعرّي المكان، يكشف ذاكرة الحرب وقد تجمّدت في هيكلٍ صغير. اللمعان أثر احتراقٍ قديم. العظام القريبة من الحصاة تختصر كلّ شيء؛ حضور الوعي بعد أن تلاشى الجسد. عودة الفرخ لحظة مواجهة مع ما تبقّى منه في العالم، حضور يكتشف نفسه في فناءٍ آخر. اللغة تهدأ، والإحالة تصمت، والمشهد ينطق بوضوحٍ لا يحتاج إلى تفسير. كل ما مضى في القصة يتجمّع هنا: الخوذة، الدم، البيضة، الرحيل، ثم هذا الوميض الأخير. العظام ليست نهاية، إنها بدءٌ ثانٍ في شكل رمادٍ مضيء.
الإحالة كمصير سردي في “مولود من صوّان”: ذاكرة المكان ووعي الفقد القصة القصيرة جدا بعيدا عن مراياها الكلاسيكية
كتب القاص حيدر الناصري
مولودٌ من صوّانٍ
في قعر خوذة، ثقبتها زخّات الرّصاص، عشَّشت قبَّرة وحيدة، رقدت على بيضة وحصاة نثرَ الدّمُ عليها فبانَ كالنَّمش، أزاح الفرخ قشرته، كبر وظلَّ يحدّق في أمه وأخيه الصّامت، صفّق بجناحيه مهاجرا أرض المعركة.
عاد، أبصر الخوذة قد جرفتها السّيول، والحصاة تلتمع تحت وهج الشّمس، وبقربها عظامُ صدرٍ لطائرٍ يعرفه
قصة (مولود من صوّان) هي لحظةٌ يُحيل فيها الوجود إلى نفسه بعد أن ينكسر المعنى. فكلّ ما في النصّ قائم على مبدأ الإحالة لا شيء يُقال إلا لينادي غيابه. الخوذة، البيضة، الدم، الحصاة هي بنى مؤقتة تفهم على أنها مفاتيح للعدم، إشارات إلى ذاكرةٍ لا يمكن أن تُستعاد. في جوهرها، هذه القصة هي عن وعيٍ ينشأ من حطام العالم ليكتشف أن البقاء نفسه شكلٌ آخر من الزوال.
الإحالة هنا وجودية. الخوذة تحيل إلى الجسد الغائب الذي ارتداها، والدم إلى لحظة الحياة التي توقّفت، والفرخ إلى الكائن الذي يحمل الذاكرة دون أن يعرفها. لا يوجد (حدث) في النص، لأنه مبني على ردّ فعل للغياب. كل جملة تشير إلى أثرٍ اندثر، وكل وصفٍ يحلّ محلّ شاهدٍ مفقود. يشهد النص بنية تحول إلى أرشيف للمحو، والمكان السردي إلى شاهدٍ على ما لم يعد يُرى. الخوذة وعاءً للذاكرة، ومن قعرها تنبثق المفارقة الكبرى: أن يولد الوعي في قبره.
الاشتغال السردي يقوم على توتّر واحد: بين الولادة بوصفها وعداً، والعودة بوصفها فضيحة. يولد الفرخ مهاجراً، يعود دون التقاء بالأصل، يواجه الإحالة وقد صارت مادّة: عظام الأم تلمع، الحصاة تشهد، الضوء يفضح. سوى بقايا عالم تتسيد المشهد. يكتمل المعنى السيوراني للنص؛ فسيوران لا يرى في الخلاص إلا وهماً يُخفي السقوط. الكائن عنده استيقاظ في خرابٍ مستمر. لهذا يبدو الفرخ في القصة أقرب إلى كائنٍ يجرّ ذاكرة الأنواع كلها: يعود ليفهم أنّ النجاة لم تكن ممكنة منذ البداية. ولأن الحرب هي النجاة الوحيدة من السؤال
الخوذة المثقوبة هي المركز السردي للنص، هي ذاكرة الحرب، رحمٌ من حديدٍ تُنبت فيه الحياة نفسها كخطأٍ وجودي. في قعرها تفقس البيضة، وتبدأ المفارقة البنائية الكبرى: الحياة تولد من أداة موت. هذا هو الاشتغال السردي الفعلي في النص؛ السرد يتحرك بدائرةٍ من الانقلاب إمن الدم إلى النمش، من الحجر إلى الضوء. إنّه فعل تحوّل وليس فعل حكاية، وحركة وعي وليس حركة شخصيات.
أما الاشتغال الدلالي فينشأ من حركة الإحالة بين عناصر الطبيعة والموت. الصوّان أصلٌ جامد، البيضة نفيٌ له، الدم وساطة بينهما، والعظام استعادة دائرية للبدء. فضاءً النص سرديًّا مُكوَّنً من آثار لا من أشياء. فنحن أمام بنية اكتشاف لا حدث. المكان لا يُروى بل يُستدلّ عليه، والحدث لا يُشاهد بل يُتذكّر. حين يقول النص /الحصاة تلتمع تحت وهج الشمس/، فإن اللمعان ليس وصفاً للضوء بل للذاكرة وقد استيقظت في جمادها. إنها إحالة إلى ما تبقّى من الوعي بعد أن تلاشى الجسد.
قد تبدو هذه القصة بيان عن الحرب أو عن الأمومة، كما في ظاهر بنيتها السطحية. في الواقع هي كشف عن العلاقة المستحيلة بين الكائن ومصدره. إنّها تقترح فهماً للإحالة بوصفها قدر الوعي البشري: كلّ معرفةٍ تحيل إلى نقص، وكلّ وجودٍ يحيل إلى غيابه الأول. هكذا يتشكل أفق سيوران النص إلى مرآة سيورانية للكينونة: الوعي كجناحٍ مكسور يطير فوق عظامه.
(مولود من صوّان) بنية أثر، إحالةٌ إلى ما لم يكتمل — نصٌّ يعرف أنّ المعنى لا يُولد من البيضة، إنما من الصمت الذي يحيط بها.
مشهد العظام في نهاية القصة هو لحظة التحوّل من السرد إلى الميتافيزيقا. العظام، وهي تلمع تحت وهج الشمس، أثرُ وعيٍ انطفأ وترك شكله المادي شاهدًا عليه. في هذا اللمعان يكتمل معنى الإحالة كل ما كان حيًّا يعود ليشير إلى نفسه بعد الفناء. العظام صوت الغياب حين يصبح مرئيًّا
الذاكرة وقد استيقظت في الضوء إنها الذاكرة وقد تحجّرت في ضوء النهار، كأن الشمس نفسها تُنير لتفضح استمرار العدم داخل الجمال.
في مشهد العظام يتوقف الزمن. الضوء يعرّي المكان، يكشف ذاكرة الحرب وقد تجمّدت في هيكلٍ صغير. اللمعان أثر احتراقٍ قديم. العظام القريبة من الحصاة تختصر كلّ شيء؛ حضور الوعي بعد أن تلاشى الجسد. عودة الفرخ لحظة مواجهة مع ما تبقّى منه في العالم، حضور يكتشف نفسه في فناءٍ آخر. اللغة تهدأ، والإحالة تصمت، والمشهد ينطق بوضوحٍ لا يحتاج إلى تفسير. كل ما مضى في القصة يتجمّع هنا: الخوذة، الدم، البيضة، الرحيل، ثم هذا الوميض الأخير. العظام ليست نهاية، إنها بدءٌ ثانٍ في شكل رمادٍ مضيء.
التعليقات