(التعدد الأجناسي في نصوص إمضاءات لبنفسج) قراءة في رسائل “إمضاءات لبنفسج” للكاتبة العراقية: “فرح تركي”

صورة الكاتب
بقلم: مشعل العبادي
التاريخ: 7 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3224
(التعدد الأجناسي في نصوص إمضاءات لبنفسج) قراءة في رسائل “إمضاءات لبنفسج” للكاتبة العراقية: “فرح تركي”

(التعدد الأجناسي في نصوص إمضاءات لبنفسج)
قراءة في رسائل “إمضاءات لبنفسج”
للكاتبة العراقية: “فرح تركي”

تعرف الرسالة على أنها نص نثري سهل، ذو صياغة وجدانية حانية مؤنسة، فيها عتاب رقيق يظهر النجوى أو الشكوى، كما يبوح المرسل بما في وجدانه من أحاسيس وأشجان، والتي تتوارد فيه الخواطر بلا ترتيب ولا انتظام، لتغدو الرسالة إن قصرت أو طالت قطعة فنية مؤثرة دافعة إلى استجابة المشاعر لها وقبولها ما باحت به..
وتعد الرسائل الأدبية من أهم فنون السرديات، حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها، ويعتبر فن الرسائل أحد الفنون النثرية التقليدية في التراث الأدبي العربي إلى جانب الفنون النثرية الأخرى، كالخطابة والمقامات والمناظرات، وقد برع العرب الأوائل في ذلك الفن، بل وكانوا أسبق لتصنيفه كجنس أدبي مستقل، أداته النثر الأرحب غير المقيد بوزن أو قافية.
الآن وبعد ثورة الاتصالات التي نعيشها وتعايشنا معها بكل إيجابياتها الموظفة لخدمتنا، وبكل سلبياتها وبمجمل فاتورتها الفادحة – فنحن نركز على السرعة والكفاءة- بات اللجوء لزاما إلى ذلك القالب الأدبي تعبيرا عن حنين إلى واقع لا وجود له، وبات علينا أن نتأهل لمواجهة احتمالية خسارة ما احتفظنا به عبر شرائح إلكترونية عرضة للتلف، والضياع أوالقرصنة بين مئات البيجا بايت المعلوماتية، وبالتالي تختفي وتذوي الذكريات التي تم تدوينها، وتنمحي اللقطات التي التقطت وخزنت، إذ نعيش في عالم سريع الخطى، نادرا ما نأخذ الوقت الكافي للتعبير عن مشاعرنا، يكفي التراجع خطوة إلى الوراء والتأمل ووضع أفكارنا في كلمات بخط يدنا بطريقة أصيلة وحقيقية.

التعدد الأجناسي في نصوص “إمضاءات لبنفسج”:
وفي ظل تلك المعطيات تهدينا الكاتبة “فرح تركي” باقة رسائل كفيلة بأن تكون قبلة الحياة لهذا الجنس الأدبي أو الفن المهمل، الذي أوشك على التلاشي والاندثار بين تعددية الجيل المشتت في الأجناس الأدبية، والذي عبر النقاد عن أزمته بمصطلح “التعدد الأجناسي” في النص الأدبي الواحد، وهو ما يرمي إليه “عباس العقاد” بجنس الرسائل في وسمه بـ”النص الأدبي الواحد”.
يقول “عباس العقاد” في كتابه النقدي “رجال عرفتهم” والصادر عن مؤسسة هنداوي، عن فن الرسائل بأنه “أدب خاص”، ويعرّف العقاد هذا المصطلح بأنه:
( الأدب الذي لم يكن في – باديء الأمر- بغرض النشر، وإن كان فيه ما يشوق الاطلاع عليه كثيرين غير أصحابه ممن اتسمت حياتهم بالخصوصية).
وتعود قيمة تعريف “العقاد” لفن الرسائل كونه عبّر عن أخص خصائصه، وأنه أولاً ما يدور موضوعه في التعبير عن مكنون النفس، وهذا ما نجده على مدار الـ50 رسالة التي كتبتها “فرح تركي” في كتابها المعني بالقراءة هنا. كتاب “إمضاءات لبنفسج”، وثانياً أن الرسائل – عامة – في قالبها تتسم بالخصوصية (للحبيب والأب والابن والابنة والأم)..
وبعضها (إلى مجهول) ومرمز بغرض التعتيم والتجهيل، وربما لم تكن تعنى بالنشر أو تهدف للعلانية، والذي اختصت فيه الكاتبة جزءا كبيرا من الكتاب،وهنا يحضرنا بالذكر كتاب رسائل “طوق الحمامة” الذي كتبه ابن حزم في العصر الأندلسي، والذي اختص ابن حزم رسائله بين المحبين فقط، تليها رسائل الشاعر “ابن زيدون القرشي” لولادة بنت المستكفي، تلك الرسائل الشخصية أو الذاتية، والتي يعبر فيها الكاتب عن نفسه تعبيرا حرا بلا قيود، وهو ما لجأت إليها البطلة لمخاطبة حبيبها الغائب؛ فقد اختارت الكاتبة العراقية “فرح تركي” أسلوب التراسل وهو أحد أقدم القوالب النثرية، والذي ينقسم إلى نسقين رئيسيين:
– رسائل واقعية:
وهي نسق ينتمي إلى رسائل “الواقع” لأشخاص واقعيين كما في كتابات غادة السمان، وهي ما تمثلت في رسائل فرح تركي إلى كل من:
إلى …
(طارق زيدون- زيدون طارق- صديقتي الكاتبة أزهار الأنصاري- بنفسج زيدون- تركي ناصر- فاطمة خالد تركي- إلى أمي-إلى عمتي- إلى العراق- عباءة أبي- الراحلة آلاء تركي)

– رسائل إلى مجهول :
وأجد أن “فرح تركي” قد وفقت في اختيار أداة سردية تناسب الفكرة الرئيسية؛ فحين أفكر في طريقة لكتابة تتوافق وخصوصية المرسل إليه؛ فلا أجد أنسب من فن تجهيل المرسل إليه، وهو النوع الآخر الذي عمدت “فرح” في أن ينتمي إلى “التخييل” وقد وظفته عشرات الكتب العربية والعالمية مثل: “بريد بيروت” لحنان الشيخ، وهدى بركات في “بريد الليل”..
وقد راعت فرح تركي أهمية الحفاظ على صيغة الرسائل التقليدية لكن في قالب لا يخرجها عن هيئتها الكلاسيكية واستبعاد الحداثة الإلكترونية في المراسلة كأسلوبية وأداة وكتقنية في رسائلها المعنونة بـ”إمضاءات لبنفسج”..
فنحن نجهل اسم المرسل إليه الرسائل، وكذلك لا نستطيع أن نقف على خطوط واضحة لتفاصيل وجهه أو ملامحه الجسدية، فالبطل الأوحد هنا هو اللغة، التي تمسك بها البطلة كعجينة لدنة تشكل بها حالتها الراهنة أمامنا، إذ تقول الكاتبة في رسالتها الرابعة لهذا المجهل ص 12:
“ها أنت المنقذ، والحبيب والقريب، أنت التفاتة السماء لي مع انقطاع أوتار الصبر قبل أن أنهار وأقع ويأتي من بعدي الطوفان ليأخذنا إلى النهاية المحتومة.”
إنه المرسل إليه الأكثر خصوصية و- تفردا – في أكثر من موضع برسائلها تؤكد على نعته بالحبيب والمنقذ والقريب والملاذ، بل إنها تعلنها متفاخرة به بأن صوته هو النجوى لها ص 12:
(صوتك هو النجوى وعيناك الملاذ وقربك السكينة)

– إلى المرتبط ذكره بفعل ما:
لم تطلع فرح تركي القراء على اسم واحد لهذا المجهل، عمدت إلى ذلك سواء بترك خانة المرسل إليه فارغة، أو بعدم تخصيص صفة له، لكنها ربطت فعلا به، ربطت حدوث حدث كوني في حضوره وفي غيابه أيضا؛ ففي ص28 تبعث فرح تركي بالخطاب إلى الفعل المرتبط به والذي يحضر أو يتحقق بذكره..
تقول في مفتتح رسالتها:
(إلى / حينما تمطر يا حبيبي، اللهفة نحوك تفلت من سلطتي)
(أحاول تهجئة حروف اسمك لكي أتأكد من أني للآن أعرف كيف أكتب)
وفي ختام الرسالة تباغتنا بـ”كلما لفظت اسمه”، وفي الخطاب 13 ص 31 تعيد الكرّة بربطه بأفعال حتى لو خارج ناموس الطبيعة:
(كل الكلمات باهتة، إلا ما يصل منك فهو سرمدي) ، (حينما تمر على بالي تزهر على جبيني ياسمينات)، (أطفو فوق غيمات السعادة)، و(أشكّك في كونك من بني آدم).
ثم تنتقل في الرسالة 15 ص 35 إلى لهجة قاسية بعض الشيء. لهجة لائمة ، توجهها إلى الطرف الآخر الذي وجهت إليه ذات رسائلها الناعمة الآسرة والطافية في السحاب؛ فتقول له:
(مللت من كل شيء، أهذا أنت؟)، (كفاك تعمد اختباري) ، (في النهاية ضقت ذرعا بما أحمل).
ثم تليها الرسائل التي تحمل يأس الوصال:
(الوسن تغريدة- إلى .. قلبي قطعة خبز )
وهو ما يجعلنا نتساءل عن الطرف الآخر ذلك (المجهول) دائما عند الكاتبة فرح تركي، ما كينونته؟ هو طرف مذكر دائما طيلة الرسائل، تبث له الكاتبة فرح تركي كل مكنونات نفسها من رضا وسخط، وحب وبغض، وفرح وألم، وضحك وبكاء، واستكانة وثورة، لكن هل هو رجل حقا الذي راسلته فرح؟
وهل يستحق أي رجل كل هذا الزخم من المعاني والمشاعر؟!
أم هو في الحقيقة، الموجه الأخلاقي، هو المعلم والنبي؟ أم هو الأنا العليا والقيمة المفتقدة في عالمنا، هو آدم الأول الكامل، المثل الأعلى الذي تسعى فرح إليه؟ أهو الضمير بقيمه وزواجره ونواهيه وتعاليمه؟

تنوع وثراء مواضيع الرسائل:
تتنوع مواضيع الرسائل ومحاورها ما بين الأدب والفن والسياسة والوجود والواقع والقضايا الاجتماعية، وأولها هي قضية تضرّر المرأة في مجتمعاتنا الشرقية من الأزمات الاجتماعية، ثم التعبير عن الحاجة إلى التحقق، والرغبة في الموازنة بين الطموحات والواجبات، ويتضح لنا ذلك في رسائلها الأخرى، والموجهة لأطراف عديدة منها المعنوية والروحية والنفسية، كما توجه رسالتها إلى الحلم ص 24 والتي وسمته بـ”حلم حياتها”، تراسل فرح الحلم فتكتب له مستفسرة:
(أنا أخط لونا لحرف مذهول، وأراجع فكرا مشغولا، وأقدم طلبا مخاطبة الجمهور، ولكني في الحقيقة مازلت أحمل عنوان “كاتب/ة مغمور/ة)

– في ص 29، تقول فرح لطفولتها:
(أصحو وأجد أنني ملكت نهارا، ملكت فرصة من جديد لأتنفس، ولكنني أبتسم لأنني أعرف أن أوان الأعمال زال، والعجز حولي كدخان)

– إلى حقيقتها المهملة ص 19 تقرّ فرح بحقيقة الأمور المتجلية لها في الوحدة:
(هنا أبتعد عن الجميع، لكني أشعر بسكينة أكبر، أكون حينها قريبة من الله)

ثم تتنوع وتتوزع بقية رسائلها والتي تعرض فرح فيها مشاكلها الكبيرة والصغيرة ومشاعرها البسيطة والمركبة، وتجاربها وذكرياتها وتفصيلات يومها، هي بذلك تنشد خلاصًا من صراع ما، يضطرم في داخلها، في صورة الاعتراف بالرسائل الذي تبغي به راحة وسكينة مثل:
(إلى بقايا الروح ص 7- إلى ذاكرتي ص 73-إلى قلمي ص 74- إلى أنا ص 76- إلى ولدها ص 17-شجرة التوت خاصتي ص26-إلى من لا يتذكر ملامح وجهي ص 61- إلى ذاتها ص36)

– اللغة في “إمضاءات لبنفسج”:
إن الكلمة المكتوبة قادرة على لمس قلب أي شخص، وهي قادرة على التقاط اللحظة في الوقت المناسب؛ فالحروف هي ثروة المشاعر التي اختزلت فيها، فهي ما تزال فرصة قائمة التمديد والتجديد، إذ يبقى فن الرسائل أقرب أجناس الأدب للنفس، لاتساع براحه وكونه أجدى وسائل الأديب للتعبير عن مكنونات النفس وخلجاتها، ولأنه يعبر عن حاجة الإنسان الأساسية للتواصل مع الآخرين.
واللغة في أي كتاب هي كل لا يتجزأ، كذلك اللغة في “إمضاءات لبنفسج” هي الدفقة الشعورية طويلة النفس التي كشفت لنا عن كاتبة تمتلك ناصية اللغة الأدبية؛ حيث أنّ لغة الرسائل عند فرح تركي هي لغة شاعرية رصينة في مجملها العام، آسرة، هادرة، مشتعلة، متأججة..
وأخيرا نحتفل .. نعود -دائريا- إلى حيث المفتتح .. لنحتفي بهذا الكتاب كما ينبغي له، وكما قالت فرح تركي بذات اللغة الناعمة ذات الحزن الجميل:
( لنحتفل .. مر يوم آخر دون دموع )

 

عن الکاتب / الکاتبة

مشعل العبادي
مشعل العبادي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


(التعدد الأجناسي في نصوص إمضاءات لبنفسج) قراءة في رسائل “إمضاءات لبنفسج” للكاتبة العراقية: “فرح تركي”

بقلم: مشعل العبادي | التاريخ: 7 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

(التعدد الأجناسي في نصوص إمضاءات لبنفسج)
قراءة في رسائل “إمضاءات لبنفسج”
للكاتبة العراقية: “فرح تركي”

تعرف الرسالة على أنها نص نثري سهل، ذو صياغة وجدانية حانية مؤنسة، فيها عتاب رقيق يظهر النجوى أو الشكوى، كما يبوح المرسل بما في وجدانه من أحاسيس وأشجان، والتي تتوارد فيه الخواطر بلا ترتيب ولا انتظام، لتغدو الرسالة إن قصرت أو طالت قطعة فنية مؤثرة دافعة إلى استجابة المشاعر لها وقبولها ما باحت به..
وتعد الرسائل الأدبية من أهم فنون السرديات، حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها، ويعتبر فن الرسائل أحد الفنون النثرية التقليدية في التراث الأدبي العربي إلى جانب الفنون النثرية الأخرى، كالخطابة والمقامات والمناظرات، وقد برع العرب الأوائل في ذلك الفن، بل وكانوا أسبق لتصنيفه كجنس أدبي مستقل، أداته النثر الأرحب غير المقيد بوزن أو قافية.
الآن وبعد ثورة الاتصالات التي نعيشها وتعايشنا معها بكل إيجابياتها الموظفة لخدمتنا، وبكل سلبياتها وبمجمل فاتورتها الفادحة – فنحن نركز على السرعة والكفاءة- بات اللجوء لزاما إلى ذلك القالب الأدبي تعبيرا عن حنين إلى واقع لا وجود له، وبات علينا أن نتأهل لمواجهة احتمالية خسارة ما احتفظنا به عبر شرائح إلكترونية عرضة للتلف، والضياع أوالقرصنة بين مئات البيجا بايت المعلوماتية، وبالتالي تختفي وتذوي الذكريات التي تم تدوينها، وتنمحي اللقطات التي التقطت وخزنت، إذ نعيش في عالم سريع الخطى، نادرا ما نأخذ الوقت الكافي للتعبير عن مشاعرنا، يكفي التراجع خطوة إلى الوراء والتأمل ووضع أفكارنا في كلمات بخط يدنا بطريقة أصيلة وحقيقية.

التعدد الأجناسي في نصوص “إمضاءات لبنفسج”:
وفي ظل تلك المعطيات تهدينا الكاتبة “فرح تركي” باقة رسائل كفيلة بأن تكون قبلة الحياة لهذا الجنس الأدبي أو الفن المهمل، الذي أوشك على التلاشي والاندثار بين تعددية الجيل المشتت في الأجناس الأدبية، والذي عبر النقاد عن أزمته بمصطلح “التعدد الأجناسي” في النص الأدبي الواحد، وهو ما يرمي إليه “عباس العقاد” بجنس الرسائل في وسمه بـ”النص الأدبي الواحد”.
يقول “عباس العقاد” في كتابه النقدي “رجال عرفتهم” والصادر عن مؤسسة هنداوي، عن فن الرسائل بأنه “أدب خاص”، ويعرّف العقاد هذا المصطلح بأنه:
( الأدب الذي لم يكن في – باديء الأمر- بغرض النشر، وإن كان فيه ما يشوق الاطلاع عليه كثيرين غير أصحابه ممن اتسمت حياتهم بالخصوصية).
وتعود قيمة تعريف “العقاد” لفن الرسائل كونه عبّر عن أخص خصائصه، وأنه أولاً ما يدور موضوعه في التعبير عن مكنون النفس، وهذا ما نجده على مدار الـ50 رسالة التي كتبتها “فرح تركي” في كتابها المعني بالقراءة هنا. كتاب “إمضاءات لبنفسج”، وثانياً أن الرسائل – عامة – في قالبها تتسم بالخصوصية (للحبيب والأب والابن والابنة والأم)..
وبعضها (إلى مجهول) ومرمز بغرض التعتيم والتجهيل، وربما لم تكن تعنى بالنشر أو تهدف للعلانية، والذي اختصت فيه الكاتبة جزءا كبيرا من الكتاب،وهنا يحضرنا بالذكر كتاب رسائل “طوق الحمامة” الذي كتبه ابن حزم في العصر الأندلسي، والذي اختص ابن حزم رسائله بين المحبين فقط، تليها رسائل الشاعر “ابن زيدون القرشي” لولادة بنت المستكفي، تلك الرسائل الشخصية أو الذاتية، والتي يعبر فيها الكاتب عن نفسه تعبيرا حرا بلا قيود، وهو ما لجأت إليها البطلة لمخاطبة حبيبها الغائب؛ فقد اختارت الكاتبة العراقية “فرح تركي” أسلوب التراسل وهو أحد أقدم القوالب النثرية، والذي ينقسم إلى نسقين رئيسيين:
– رسائل واقعية:
وهي نسق ينتمي إلى رسائل “الواقع” لأشخاص واقعيين كما في كتابات غادة السمان، وهي ما تمثلت في رسائل فرح تركي إلى كل من:
إلى …
(طارق زيدون- زيدون طارق- صديقتي الكاتبة أزهار الأنصاري- بنفسج زيدون- تركي ناصر- فاطمة خالد تركي- إلى أمي-إلى عمتي- إلى العراق- عباءة أبي- الراحلة آلاء تركي)

– رسائل إلى مجهول :
وأجد أن “فرح تركي” قد وفقت في اختيار أداة سردية تناسب الفكرة الرئيسية؛ فحين أفكر في طريقة لكتابة تتوافق وخصوصية المرسل إليه؛ فلا أجد أنسب من فن تجهيل المرسل إليه، وهو النوع الآخر الذي عمدت “فرح” في أن ينتمي إلى “التخييل” وقد وظفته عشرات الكتب العربية والعالمية مثل: “بريد بيروت” لحنان الشيخ، وهدى بركات في “بريد الليل”..
وقد راعت فرح تركي أهمية الحفاظ على صيغة الرسائل التقليدية لكن في قالب لا يخرجها عن هيئتها الكلاسيكية واستبعاد الحداثة الإلكترونية في المراسلة كأسلوبية وأداة وكتقنية في رسائلها المعنونة بـ”إمضاءات لبنفسج”..
فنحن نجهل اسم المرسل إليه الرسائل، وكذلك لا نستطيع أن نقف على خطوط واضحة لتفاصيل وجهه أو ملامحه الجسدية، فالبطل الأوحد هنا هو اللغة، التي تمسك بها البطلة كعجينة لدنة تشكل بها حالتها الراهنة أمامنا، إذ تقول الكاتبة في رسالتها الرابعة لهذا المجهل ص 12:
“ها أنت المنقذ، والحبيب والقريب، أنت التفاتة السماء لي مع انقطاع أوتار الصبر قبل أن أنهار وأقع ويأتي من بعدي الطوفان ليأخذنا إلى النهاية المحتومة.”
إنه المرسل إليه الأكثر خصوصية و- تفردا – في أكثر من موضع برسائلها تؤكد على نعته بالحبيب والمنقذ والقريب والملاذ، بل إنها تعلنها متفاخرة به بأن صوته هو النجوى لها ص 12:
(صوتك هو النجوى وعيناك الملاذ وقربك السكينة)

– إلى المرتبط ذكره بفعل ما:
لم تطلع فرح تركي القراء على اسم واحد لهذا المجهل، عمدت إلى ذلك سواء بترك خانة المرسل إليه فارغة، أو بعدم تخصيص صفة له، لكنها ربطت فعلا به، ربطت حدوث حدث كوني في حضوره وفي غيابه أيضا؛ ففي ص28 تبعث فرح تركي بالخطاب إلى الفعل المرتبط به والذي يحضر أو يتحقق بذكره..
تقول في مفتتح رسالتها:
(إلى / حينما تمطر يا حبيبي، اللهفة نحوك تفلت من سلطتي)
(أحاول تهجئة حروف اسمك لكي أتأكد من أني للآن أعرف كيف أكتب)
وفي ختام الرسالة تباغتنا بـ”كلما لفظت اسمه”، وفي الخطاب 13 ص 31 تعيد الكرّة بربطه بأفعال حتى لو خارج ناموس الطبيعة:
(كل الكلمات باهتة، إلا ما يصل منك فهو سرمدي) ، (حينما تمر على بالي تزهر على جبيني ياسمينات)، (أطفو فوق غيمات السعادة)، و(أشكّك في كونك من بني آدم).
ثم تنتقل في الرسالة 15 ص 35 إلى لهجة قاسية بعض الشيء. لهجة لائمة ، توجهها إلى الطرف الآخر الذي وجهت إليه ذات رسائلها الناعمة الآسرة والطافية في السحاب؛ فتقول له:
(مللت من كل شيء، أهذا أنت؟)، (كفاك تعمد اختباري) ، (في النهاية ضقت ذرعا بما أحمل).
ثم تليها الرسائل التي تحمل يأس الوصال:
(الوسن تغريدة- إلى .. قلبي قطعة خبز )
وهو ما يجعلنا نتساءل عن الطرف الآخر ذلك (المجهول) دائما عند الكاتبة فرح تركي، ما كينونته؟ هو طرف مذكر دائما طيلة الرسائل، تبث له الكاتبة فرح تركي كل مكنونات نفسها من رضا وسخط، وحب وبغض، وفرح وألم، وضحك وبكاء، واستكانة وثورة، لكن هل هو رجل حقا الذي راسلته فرح؟
وهل يستحق أي رجل كل هذا الزخم من المعاني والمشاعر؟!
أم هو في الحقيقة، الموجه الأخلاقي، هو المعلم والنبي؟ أم هو الأنا العليا والقيمة المفتقدة في عالمنا، هو آدم الأول الكامل، المثل الأعلى الذي تسعى فرح إليه؟ أهو الضمير بقيمه وزواجره ونواهيه وتعاليمه؟

تنوع وثراء مواضيع الرسائل:
تتنوع مواضيع الرسائل ومحاورها ما بين الأدب والفن والسياسة والوجود والواقع والقضايا الاجتماعية، وأولها هي قضية تضرّر المرأة في مجتمعاتنا الشرقية من الأزمات الاجتماعية، ثم التعبير عن الحاجة إلى التحقق، والرغبة في الموازنة بين الطموحات والواجبات، ويتضح لنا ذلك في رسائلها الأخرى، والموجهة لأطراف عديدة منها المعنوية والروحية والنفسية، كما توجه رسالتها إلى الحلم ص 24 والتي وسمته بـ”حلم حياتها”، تراسل فرح الحلم فتكتب له مستفسرة:
(أنا أخط لونا لحرف مذهول، وأراجع فكرا مشغولا، وأقدم طلبا مخاطبة الجمهور، ولكني في الحقيقة مازلت أحمل عنوان “كاتب/ة مغمور/ة)

– في ص 29، تقول فرح لطفولتها:
(أصحو وأجد أنني ملكت نهارا، ملكت فرصة من جديد لأتنفس، ولكنني أبتسم لأنني أعرف أن أوان الأعمال زال، والعجز حولي كدخان)

– إلى حقيقتها المهملة ص 19 تقرّ فرح بحقيقة الأمور المتجلية لها في الوحدة:
(هنا أبتعد عن الجميع، لكني أشعر بسكينة أكبر، أكون حينها قريبة من الله)

ثم تتنوع وتتوزع بقية رسائلها والتي تعرض فرح فيها مشاكلها الكبيرة والصغيرة ومشاعرها البسيطة والمركبة، وتجاربها وذكرياتها وتفصيلات يومها، هي بذلك تنشد خلاصًا من صراع ما، يضطرم في داخلها، في صورة الاعتراف بالرسائل الذي تبغي به راحة وسكينة مثل:
(إلى بقايا الروح ص 7- إلى ذاكرتي ص 73-إلى قلمي ص 74- إلى أنا ص 76- إلى ولدها ص 17-شجرة التوت خاصتي ص26-إلى من لا يتذكر ملامح وجهي ص 61- إلى ذاتها ص36)

– اللغة في “إمضاءات لبنفسج”:
إن الكلمة المكتوبة قادرة على لمس قلب أي شخص، وهي قادرة على التقاط اللحظة في الوقت المناسب؛ فالحروف هي ثروة المشاعر التي اختزلت فيها، فهي ما تزال فرصة قائمة التمديد والتجديد، إذ يبقى فن الرسائل أقرب أجناس الأدب للنفس، لاتساع براحه وكونه أجدى وسائل الأديب للتعبير عن مكنونات النفس وخلجاتها، ولأنه يعبر عن حاجة الإنسان الأساسية للتواصل مع الآخرين.
واللغة في أي كتاب هي كل لا يتجزأ، كذلك اللغة في “إمضاءات لبنفسج” هي الدفقة الشعورية طويلة النفس التي كشفت لنا عن كاتبة تمتلك ناصية اللغة الأدبية؛ حيث أنّ لغة الرسائل عند فرح تركي هي لغة شاعرية رصينة في مجملها العام، آسرة، هادرة، مشتعلة، متأججة..
وأخيرا نحتفل .. نعود -دائريا- إلى حيث المفتتح .. لنحتفي بهذا الكتاب كما ينبغي له، وكما قالت فرح تركي بذات اللغة الناعمة ذات الحزن الجميل:
( لنحتفل .. مر يوم آخر دون دموع )