الدراما العراقية بلا مرجعية تأسيسية!!

صورة الكاتب
بقلم: شوقي كريم حسن
التاريخ: 17 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 3369
الدراما العراقية بلا مرجعية تأسيسية!!

{الدراما العراقية بلا مرجعية تأسيسية}!!

/الدراما الحقيقية لا تولد من فراغ، بل من جرحٍ قديم وذاكرة لا تموت/.
(يوجين أونيل)

المقدمة:
حين نتتبع المسارات الكبرى لنشوء الدراما في مختلف المجتمعات، نكتشف أن ما يمنحها قوتها واستمرارها تلك المرجعية التأسيسية التي تنبع من عمق المجتمع ذاته، تقاليده الشفاهية، طقوسه اليومية، وشكواه الباطنية. ليست المرجعية التأسيسية وثيقةً تُعلق على الحائط، بل تراكم سردي وروحي، يحمل بين ثناياه رؤية الإنسان للعالم، وشكله الأصيل للتمثيل والمعنى. وهنا، تكمن المأساة الكبرى للدراما العراقية: إنها نشأت بلا جذور واضحة، ولا معايير تأسيسية معترف بها، ولا نصوص أولى تمثل حجر الزاوية في بناء مشروع درامي متكامل.
وُلدت الدراما العراقية مسرحًا وإذاعة وتلفزيونًا – في مناخ ثقافي وسياسي مرتبك، يخضع لضغوط الخارج أكثر مما ينبع من سؤال الداخل. لم تك ثمرة حاجة اجتماعية ملحة، إنما استجابة سريعة لمتطلبات الحداثة الشكلية التي فرضها الاستعمار البريطاني من جهة، ومشاريع الدول الناشئة من جهة أخرى، وهي مشاريع تجمّلت بالثقافة من دون أن تؤسس بنية حقيقية لها.فلم يك لدينا، كما في اليونان القديمة أو في المسرح الإليزابيثي أو حتى في التجارب العربية الرائدة في مصر وسوريا، مرجعية نصية أولى يمكن أن تُستعاد وتُبنى عليها رؤى متجددة. لم يظهر نص مسرحي عراقي أول يُشار إليه على أنه الانطلاقة المؤسسة، ولا ظهر كاتب درامي يمكن وضعه في خانة التأسيس الفكري والفني للدراما. وحتى المحاولات الأولى التي سُجلت بأسماء معروفة، كانت تعاني من الارتباك، والتبعية الشكلية للنموذج الغربي، من دون أي محاولة جادة لتطويعه داخل الخصوصية العراقية.لم تسأل الدراما العراقية: من نحن؟!!
بل سألت: كيف يمكن أن نكون مثلهم؟!
وهنا بدأت الخطيئة الأولى.
التأسيس يقوم على الاستعارة، لا على الاكتشاف. نصوص المسرح الأولى لم تنبع من طقوس المدينة العراقية أو أسئلة الريف أو هواجس الجنوب أو غضب الشمال، بل جاءت استنساخًا لما قرأه بعض المثقفين في ترجمات شكسبير وموليير، أو ما شاهدوه على يد البعثات القادمة من أوروبا. أما التلفزيون، فقد جاء تأسيسه أكثر اضطرابًا: فمع بداية البث في خمسينيات القرن العشرين، ظهر ما يشبه المحاكاة الفورية للدراما المصرية، من حيث البنية والنمط وحتى الأسلوب التمثيلي، دون أن نتوقف لحظة للسؤال عن الفوارق الجوهرية بين الشخصية العراقية وشقيقتها العربية.ولأن المرجعية التأسيسية مفقودة، فقد بقيت كل تجربة جديدة وكأنها تبدأ من الصفر. لا يوجد مشروع ممتد، ولا تراكم معرفي أو فني يمكن أن يُبنى عليه. كل كاتب يكتب كما لو أنه الأول. كل مخرج يؤسس كما لو لم يُخرج أحد قبله. كل ممثل يُعاد تشكيله حسب ذوق المرحلة. والنتيجة: دراما بذاكرة مثقوبة، لا تستند إلى مرجعية مكتوبة أو محفوظة أو مُعترف بها نقديًا وجماليًا..
أولى المحاولات: خجل البدايات وغياب الرؤية
المسرح أول حقل درامي يُطرق في العراق، لكن لا بوصفه امتدادًا لحكايات المقاهي الشعبية أو لطقوس التمثيل العفوي في المناسبات، بل فعل قادم من خارج الجسد الثقافي العراقي، يُدرَّس في معاهد الإرساليات، أو يُنقل عن مدارس أوروبية بعيون مترجمين هواة. لم تُكتب نصوص تؤسس لدراما عراقية بملامح عراقية، بل تم الاكتفاء بتعريب المسرحيات الأجنبية أو تمصيرها ثم “تعريقها” على نحو بائس.
ولم يك غريبًا أن تكون أولى التجارب المسرحية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي محكومة بطابع الوعظ أو المديح السياسي أو استعراض القوة البلاغية للغة العربية الفصحى، لا بصياغة الإنسان العراقي داخل مأزقه الواقعي. كانت العروض الأولى تقام في قاعات المدارس، بإشراف آباء أجانب أو معلمين عثماني الطابع، حيث تقمّص التلميذ العراقي دور يوليوس قيصر أو هاملت، بينما الجمهور مندهش من مجرد لبس التوجة أو الحديث بالفصحى.
أما في التلفزيون، فقد تأخر التأسيس إلى منتصف الخمسينيات، مع بدايات بسيطة انطلقت من برامج تعليمية أو تمثيليات مقتضبة، غالبًا ما كتبها صحفيون أو كتاب خواطر، لا كتاب دراما. وبدل أن يكون التلفزيون مختبرًا لتأسيس هوية درامية عراقية، أصبح نسخة فقيرة من الدراما المسرحية المصرية التي كانت آنذاك في قمة عنفوانها، فاستنسخنا البناء الميلودرامي، والبطل المنكسر، والأنثى الضحية، من دون أن ندرك أن شخصياتنا، نحن العراقيين، لا تشبه هذا النمط المستورد لا في نبرته ولا في روحه.لم تتأسس مدارس درامية، بل ظهرت أصوات متفرقة، مثل حقي الشبلي ويحي ق والياس علي الناصر في المسرح، ولم تقدم الإذاعة مهما لفترة طويلة، لقد غابت الرؤية الجامعة. لم تُكتب بيانات تأسيس كما كتب السورياليون أو المسرحيون الطليعيون في أوروبا. ولم تُؤسس تيارات فكرية داخل الفن كما فعل المسرح الألماني أو حتى المغربي لاحقًا.
الدراما العراقية ظلت حقلًا تجريبيًا متروكًا للظروف والمصادفات.
غياب النص المرجع،،!!
كل دراما عظيمة، تبدأ من نصٍّ مؤسس. النص الذي يُدرّس، ويُستعاد، وتُبنى عليه سرديات الأمة. كان المصريون يعودون إلى الريحاني وتوفيق الحكيم. والسوريون احتفوا بابو خليل القباني بوسعد الله ونوس. واللبنانيون اعتبروا أنطوان ملتقى ومنير أبو دبس ركيزة. أما في العراق، فلم يولد “نص المرجع”. لم نر نصًا يمكن القول إنه مؤسس للدراما العراقية.الكتّاب الذين كتبوا في الستينيات والسبعينيات كانوا مبهورين بالتيارات المسرحية العالمية، فجاءت نصوصهم كولاجات من بيرانديللو، وأرتو، وبيكيت ومولير وهنريك ابسن،
بل وتجرأ البعض ونقل الدراما،’الشكسبيرية رغم صعوبتها، مخلوطة بعبارات سياسية مباشرة. لم يسألوا الذات العراقية عن مكابدتها، عن أسئلتها الوجودية، عن طينها وخوفها ولغتها المقهورة. وحتى المحاولات القليلة الجريئة مثل نصوص يوسف العاني ظلت محكومة بالهم الواقعي البسيط، دون الغوص في المأساة الداخلية الجمعية.
*لا نصٌّ يؤسس… لا ذاكرة مكتوبة… لا معيار نقدي يُقاس عليه.
(المخرج المؤسس.. الممثل الأداة)!!
في تجارب الدراما العالمية، يظهر دومًا مخرج – أو أكثر – يُنظّر ويؤسس ويقود حركة مسرحية أو تلفزيونية أو سينمائية. في العراق، حتى “المخرج المؤسس” ظل أسير اللحظة السياسية والذوق العام المقيّد. لم تك لدينا تجارب مثل مايرهولد أو غروتوفسكي أو بيتر شتاين، بل تجارب فردية، سرعان ما تذوب في ظل السلطة، أو تُكسر تحت مطرقة الرقيب، أو تتحول إلى موظفٍ في دائرة الإنتاج الإعلامي.أما الممثل، فهو ضحية الفوضى. حيث تم التعامل معه كأداة لتوصيل النص، لا مجسد مشارك. لم يُدرّب ليكون باحثًا عن الجسد، أو أداة للتمثيل الحي، بل مُنح النص جاهزًا وقيل له: قل كذا، وامشِ كذا. وحتى في التلفزيون، ظل الممثل رهين النمط: إمّا الرجل الريفي الساذج، أو الموظف المتملق، أو المرأة الباكية. نمطية قتلت الموهبة.ما الذي كان يجب أن يحدث؟
كان يفترض منذ البداية أن تُكتب وثيقة تأسيس: من نحن، وماذا نريد من درامتنا؟
ينبغي أن تتشكل حركة نقدية حقيقية، تُقوّم وتحلل وتعيد التوجيه.و على الدولة، بدل الإنفاق على المسلسلات الموجهة، أن تبني المعهد على أسس علمية، وتُرسل الموهوبين للبعثات، وتُعيدهم ليؤسسوا.لكن، بدلاً من ذلك، ظلّ المسرح حبيس اللحظة الأيديولوجية، وظلّ التلفزيون تابعًا للقرار السياسي، وظلّ المبدع العراقي يتنقل من محاولة إلى أخرى كمن يصعد جبلًا من الزجاج.إن غياب المرجعية التأسيسية لم يك مجرد خطأ فني، انما هو أصل الخطايا كلها. حين لا تعرف من أين تبدأ، فلن تعرف أبدًا إلى أين تصل. وحين لا تملك نموذجًا يُحتذى، فإنك ستعيد اختراع العجلة في كل مرة، ولكنها ستكون دائمًا مربعة.الدراما العراقية حتى يومنا هذا، لا تزال تبحث عن مرآتها الأولى، عن صوتها الأول، عن خشبتها التي تشبهها.لن تُكتب لها ولادة حقيقية، ما لم تعترف بأنها بدأت من العدم، وتستحق أن تبدأ من جديد، ولكن هذه المرة… عن وعي.لم تتأسس الدراما العراقية من رحم رؤية واعية، بل جاءت متعثرة، تُسحب سحبًا من هوامش الحياة الثقافية نحو واجهات العرض الرسمية، كأنها سلعة لتزيين واجهة الدولة الحديثة، لا مرآة لعذابات الإنسان العراقي. وما إن خَطَت أولى خطواتها، حتى وضِعَت في قوالب جاهزة، تتكرر وتتكرر حتى صار حضورها في الوعي الجمعي مرتبطًا بالتهريج أو العظة، لا بالدهشة والانكشاف.
لم تك لدينا مدينة ثقافية تؤمن بالدراما بوصفها كشفًا وجوديًا. حتى بغداد، رغم زخمها وفرادتها، لم تُمنح الفرصة لتكون حاضنة مشروع مسرحي أو درامي حقيقي. الجامعات لم تفتح أبوابها للنقاش النقدي الجاد، والسلطة لم ترَ في المسرح أو التلفزيون إلا أدوات ضبط اجتماعي، أو أدوات دعاية أيديولوجية. وحين حاول البعض الخروج عن النص، كان القمع أسرع من الجرأة، و التهميش أقسى من النفي.

عن الکاتب / الکاتبة

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن
ناقد . روائي . مسرحي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

نهاية خالية من الوقت…! “نص مسرحي”

نهاية خالية من الوقت…! “نص مسرحي”

“كلما ازداد الزيف جمالًا، ازداد الواقع قبحًا” { جان جنيه} شخوص التجسيد:— 1. الحرية –…

صورة الكاتب شوقي كريم حسن
16 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الدراما العراقية بلا مرجعية تأسيسية!!

بقلم: شوقي كريم حسن | التاريخ: 17 فبراير 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

{الدراما العراقية بلا مرجعية تأسيسية}!!

/الدراما الحقيقية لا تولد من فراغ، بل من جرحٍ قديم وذاكرة لا تموت/.
(يوجين أونيل)

المقدمة:
حين نتتبع المسارات الكبرى لنشوء الدراما في مختلف المجتمعات، نكتشف أن ما يمنحها قوتها واستمرارها تلك المرجعية التأسيسية التي تنبع من عمق المجتمع ذاته، تقاليده الشفاهية، طقوسه اليومية، وشكواه الباطنية. ليست المرجعية التأسيسية وثيقةً تُعلق على الحائط، بل تراكم سردي وروحي، يحمل بين ثناياه رؤية الإنسان للعالم، وشكله الأصيل للتمثيل والمعنى. وهنا، تكمن المأساة الكبرى للدراما العراقية: إنها نشأت بلا جذور واضحة، ولا معايير تأسيسية معترف بها، ولا نصوص أولى تمثل حجر الزاوية في بناء مشروع درامي متكامل.
وُلدت الدراما العراقية مسرحًا وإذاعة وتلفزيونًا – في مناخ ثقافي وسياسي مرتبك، يخضع لضغوط الخارج أكثر مما ينبع من سؤال الداخل. لم تك ثمرة حاجة اجتماعية ملحة، إنما استجابة سريعة لمتطلبات الحداثة الشكلية التي فرضها الاستعمار البريطاني من جهة، ومشاريع الدول الناشئة من جهة أخرى، وهي مشاريع تجمّلت بالثقافة من دون أن تؤسس بنية حقيقية لها.فلم يك لدينا، كما في اليونان القديمة أو في المسرح الإليزابيثي أو حتى في التجارب العربية الرائدة في مصر وسوريا، مرجعية نصية أولى يمكن أن تُستعاد وتُبنى عليها رؤى متجددة. لم يظهر نص مسرحي عراقي أول يُشار إليه على أنه الانطلاقة المؤسسة، ولا ظهر كاتب درامي يمكن وضعه في خانة التأسيس الفكري والفني للدراما. وحتى المحاولات الأولى التي سُجلت بأسماء معروفة، كانت تعاني من الارتباك، والتبعية الشكلية للنموذج الغربي، من دون أي محاولة جادة لتطويعه داخل الخصوصية العراقية.لم تسأل الدراما العراقية: من نحن؟!!
بل سألت: كيف يمكن أن نكون مثلهم؟!
وهنا بدأت الخطيئة الأولى.
التأسيس يقوم على الاستعارة، لا على الاكتشاف. نصوص المسرح الأولى لم تنبع من طقوس المدينة العراقية أو أسئلة الريف أو هواجس الجنوب أو غضب الشمال، بل جاءت استنساخًا لما قرأه بعض المثقفين في ترجمات شكسبير وموليير، أو ما شاهدوه على يد البعثات القادمة من أوروبا. أما التلفزيون، فقد جاء تأسيسه أكثر اضطرابًا: فمع بداية البث في خمسينيات القرن العشرين، ظهر ما يشبه المحاكاة الفورية للدراما المصرية، من حيث البنية والنمط وحتى الأسلوب التمثيلي، دون أن نتوقف لحظة للسؤال عن الفوارق الجوهرية بين الشخصية العراقية وشقيقتها العربية.ولأن المرجعية التأسيسية مفقودة، فقد بقيت كل تجربة جديدة وكأنها تبدأ من الصفر. لا يوجد مشروع ممتد، ولا تراكم معرفي أو فني يمكن أن يُبنى عليه. كل كاتب يكتب كما لو أنه الأول. كل مخرج يؤسس كما لو لم يُخرج أحد قبله. كل ممثل يُعاد تشكيله حسب ذوق المرحلة. والنتيجة: دراما بذاكرة مثقوبة، لا تستند إلى مرجعية مكتوبة أو محفوظة أو مُعترف بها نقديًا وجماليًا..
أولى المحاولات: خجل البدايات وغياب الرؤية
المسرح أول حقل درامي يُطرق في العراق، لكن لا بوصفه امتدادًا لحكايات المقاهي الشعبية أو لطقوس التمثيل العفوي في المناسبات، بل فعل قادم من خارج الجسد الثقافي العراقي، يُدرَّس في معاهد الإرساليات، أو يُنقل عن مدارس أوروبية بعيون مترجمين هواة. لم تُكتب نصوص تؤسس لدراما عراقية بملامح عراقية، بل تم الاكتفاء بتعريب المسرحيات الأجنبية أو تمصيرها ثم “تعريقها” على نحو بائس.
ولم يك غريبًا أن تكون أولى التجارب المسرحية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي محكومة بطابع الوعظ أو المديح السياسي أو استعراض القوة البلاغية للغة العربية الفصحى، لا بصياغة الإنسان العراقي داخل مأزقه الواقعي. كانت العروض الأولى تقام في قاعات المدارس، بإشراف آباء أجانب أو معلمين عثماني الطابع، حيث تقمّص التلميذ العراقي دور يوليوس قيصر أو هاملت، بينما الجمهور مندهش من مجرد لبس التوجة أو الحديث بالفصحى.
أما في التلفزيون، فقد تأخر التأسيس إلى منتصف الخمسينيات، مع بدايات بسيطة انطلقت من برامج تعليمية أو تمثيليات مقتضبة، غالبًا ما كتبها صحفيون أو كتاب خواطر، لا كتاب دراما. وبدل أن يكون التلفزيون مختبرًا لتأسيس هوية درامية عراقية، أصبح نسخة فقيرة من الدراما المسرحية المصرية التي كانت آنذاك في قمة عنفوانها، فاستنسخنا البناء الميلودرامي، والبطل المنكسر، والأنثى الضحية، من دون أن ندرك أن شخصياتنا، نحن العراقيين، لا تشبه هذا النمط المستورد لا في نبرته ولا في روحه.لم تتأسس مدارس درامية، بل ظهرت أصوات متفرقة، مثل حقي الشبلي ويحي ق والياس علي الناصر في المسرح، ولم تقدم الإذاعة مهما لفترة طويلة، لقد غابت الرؤية الجامعة. لم تُكتب بيانات تأسيس كما كتب السورياليون أو المسرحيون الطليعيون في أوروبا. ولم تُؤسس تيارات فكرية داخل الفن كما فعل المسرح الألماني أو حتى المغربي لاحقًا.
الدراما العراقية ظلت حقلًا تجريبيًا متروكًا للظروف والمصادفات.
غياب النص المرجع،،!!
كل دراما عظيمة، تبدأ من نصٍّ مؤسس. النص الذي يُدرّس، ويُستعاد، وتُبنى عليه سرديات الأمة. كان المصريون يعودون إلى الريحاني وتوفيق الحكيم. والسوريون احتفوا بابو خليل القباني بوسعد الله ونوس. واللبنانيون اعتبروا أنطوان ملتقى ومنير أبو دبس ركيزة. أما في العراق، فلم يولد “نص المرجع”. لم نر نصًا يمكن القول إنه مؤسس للدراما العراقية.الكتّاب الذين كتبوا في الستينيات والسبعينيات كانوا مبهورين بالتيارات المسرحية العالمية، فجاءت نصوصهم كولاجات من بيرانديللو، وأرتو، وبيكيت ومولير وهنريك ابسن،
بل وتجرأ البعض ونقل الدراما،’الشكسبيرية رغم صعوبتها، مخلوطة بعبارات سياسية مباشرة. لم يسألوا الذات العراقية عن مكابدتها، عن أسئلتها الوجودية، عن طينها وخوفها ولغتها المقهورة. وحتى المحاولات القليلة الجريئة مثل نصوص يوسف العاني ظلت محكومة بالهم الواقعي البسيط، دون الغوص في المأساة الداخلية الجمعية.
*لا نصٌّ يؤسس… لا ذاكرة مكتوبة… لا معيار نقدي يُقاس عليه.
(المخرج المؤسس.. الممثل الأداة)!!
في تجارب الدراما العالمية، يظهر دومًا مخرج – أو أكثر – يُنظّر ويؤسس ويقود حركة مسرحية أو تلفزيونية أو سينمائية. في العراق، حتى “المخرج المؤسس” ظل أسير اللحظة السياسية والذوق العام المقيّد. لم تك لدينا تجارب مثل مايرهولد أو غروتوفسكي أو بيتر شتاين، بل تجارب فردية، سرعان ما تذوب في ظل السلطة، أو تُكسر تحت مطرقة الرقيب، أو تتحول إلى موظفٍ في دائرة الإنتاج الإعلامي.أما الممثل، فهو ضحية الفوضى. حيث تم التعامل معه كأداة لتوصيل النص، لا مجسد مشارك. لم يُدرّب ليكون باحثًا عن الجسد، أو أداة للتمثيل الحي، بل مُنح النص جاهزًا وقيل له: قل كذا، وامشِ كذا. وحتى في التلفزيون، ظل الممثل رهين النمط: إمّا الرجل الريفي الساذج، أو الموظف المتملق، أو المرأة الباكية. نمطية قتلت الموهبة.ما الذي كان يجب أن يحدث؟
كان يفترض منذ البداية أن تُكتب وثيقة تأسيس: من نحن، وماذا نريد من درامتنا؟
ينبغي أن تتشكل حركة نقدية حقيقية، تُقوّم وتحلل وتعيد التوجيه.و على الدولة، بدل الإنفاق على المسلسلات الموجهة، أن تبني المعهد على أسس علمية، وتُرسل الموهوبين للبعثات، وتُعيدهم ليؤسسوا.لكن، بدلاً من ذلك، ظلّ المسرح حبيس اللحظة الأيديولوجية، وظلّ التلفزيون تابعًا للقرار السياسي، وظلّ المبدع العراقي يتنقل من محاولة إلى أخرى كمن يصعد جبلًا من الزجاج.إن غياب المرجعية التأسيسية لم يك مجرد خطأ فني، انما هو أصل الخطايا كلها. حين لا تعرف من أين تبدأ، فلن تعرف أبدًا إلى أين تصل. وحين لا تملك نموذجًا يُحتذى، فإنك ستعيد اختراع العجلة في كل مرة، ولكنها ستكون دائمًا مربعة.الدراما العراقية حتى يومنا هذا، لا تزال تبحث عن مرآتها الأولى، عن صوتها الأول، عن خشبتها التي تشبهها.لن تُكتب لها ولادة حقيقية، ما لم تعترف بأنها بدأت من العدم، وتستحق أن تبدأ من جديد، ولكن هذه المرة… عن وعي.لم تتأسس الدراما العراقية من رحم رؤية واعية، بل جاءت متعثرة، تُسحب سحبًا من هوامش الحياة الثقافية نحو واجهات العرض الرسمية، كأنها سلعة لتزيين واجهة الدولة الحديثة، لا مرآة لعذابات الإنسان العراقي. وما إن خَطَت أولى خطواتها، حتى وضِعَت في قوالب جاهزة، تتكرر وتتكرر حتى صار حضورها في الوعي الجمعي مرتبطًا بالتهريج أو العظة، لا بالدهشة والانكشاف.
لم تك لدينا مدينة ثقافية تؤمن بالدراما بوصفها كشفًا وجوديًا. حتى بغداد، رغم زخمها وفرادتها، لم تُمنح الفرصة لتكون حاضنة مشروع مسرحي أو درامي حقيقي. الجامعات لم تفتح أبوابها للنقاش النقدي الجاد، والسلطة لم ترَ في المسرح أو التلفزيون إلا أدوات ضبط اجتماعي، أو أدوات دعاية أيديولوجية. وحين حاول البعض الخروج عن النص، كان القمع أسرع من الجرأة، و التهميش أقسى من النفي.