الرؤوس والفلوس في حركة التاريخ

صورة الكاتب
بقلم: عدنان الصائغ
التاريخ: 30 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 1800
الرؤوس والفلوس في حركة التاريخ

“إن الظالمين بعضهم أولياء بعض”.

القرآن

 

إن لي علاقات بصدام حسين الذي فرض الآن على قيادة البعث أن تحفظ بعض صور القرآن الكريم.

د. حسن الترابي

 

صدام حسين: جففنا الأهوار لأن الرائحة كانت كريهة والمرأة عندما تعبر مجرى النهر ترفع ثوبها فينكشف جسدها أمام الجميع.

جان برنارد ريموند: ايضاحاتكم عقلانية، لقد عجبتُ قبل مقابلاتكم من تعليقات الصحف الغربية التي تنتقد عمليات التجفيف.

من محضر لقاء وفد لجنة العلاقات الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية مع صدام حسين يوم السبت 20 كانون الثاني 1996-

 

إذا أردت الجنة فهي موجودة هناك بين دجلة والفرات.

كافن يونك

  • من كتابه “العودة الى الأهوار” –

 

سقطت وزارتنا وشكل غيرها   لا خير في الأولى ولا في الثانية

في رأسهن الباججي وكلهم         يتنازعون على كراع الماشية

الشيخ محمد جواد السهلاني

 

ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطات لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليَّ.

                                        عثمان بن عفان

 

.. فقد استطاع الحجاج مثلاً إقامة حكمه القوي أكثر من عشرين عاماً رغم السخط الجماهيري الواسع في حين خذلت الجماهير علياً بن أبي طالب رغم ولائها له..

                                     عزيز السيد جاسم

 

 

 

يذكر ابن الاثير في كتابه الكامل في التاريخ: “إن الرجل اذا أخلَّ بواجبه الذي يُكتب إليه أو جبن في الحرب أو ترك الثغر – زمن الخلفاء الراشدين – نُزعتْ عمامته ويقام للناس ويُشهر أمره. فلما ولي مصعب قال ما هذا بشيء وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى. فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يُرفع الرجل عن الأرض ويُسمّر في يديه مسماران في حائط فربما مات وربما خرق المسمارُ كفه فسلم. فلما كان الحجاج قال: هذا لعبٌ، اضرب عنقه من يَخْلِ مكانه من الثغر”.. والخ، والخ…

واتركْ رواية ابن الاثير في مسلسل العقاب وتطور الإرهاب وتعال إلى القاضي الديار بكري المالكي وهو يصور لنا مسلسلاً أكثر رعباً، في واحدة من أغرب فصول التاريخ العربي مفارقة ودموية ووحشية، فيقول: “في سنة 71 هـ جلس  عبد الملك بن مروان في قصر الإمارة في الكوفة ووضع رأس مصعب بين يديه فقال له عبد الملك بن عُمير: يا أمير المؤمنين، جلستُ أنا وعبيد الله بن زياد في هذا المجلس، ورأس الحسين بن علي بين يديه. ثم جلستُ أنا والمختار بن أبي عبيدة، فإذا رأس عبد الله بن زياد بين يديه. ثم جلستُ أنا ومصعب هذا، فاذا رأس المختار بين يديه. ثم جلستُ مع أمير المؤمنين، فإذا رأس مصعب بين يديه, وأنا أعيذ أمير المؤمنين من شر هذا المجلس. فأرتعد عبد الملك بن مروان وقام من فوره وأمر بهدم القصر”..([1]).

واتركْ القاضي المالكي في مسلسل تبادل قطع الرؤوس الذي جرّ التأريخ العربي إلى المسلخ من أجل كرسي الحكم، وتعال إلى رشيد بن الزبير في كتابه “الذخائر والتحف” وهو يروي: “إن محمد بن سليمان أحد عمال الرشيد ترك 50 الف مولى. ولما ولي البصرة أهدى إلى الخيزران مئة وصيف بيد كل وصيف جام ذهب مملوء مسكاً، فقبلت ذلك منه”.

واتركْ ابن الزبير في مسلسل الفلوس والعبيد والهدايا وتعال إلى الجاحظ في بخلائه وهو يتحدث عن حال بعض الناس في زمانه الذين كانوا يسمعون “بالشبع سماعاً من أفواه الناس”.

واخرجْ من كل هذا، إلى حركة الفكر العربي الذي لم يكن بمعزل عن هذا المشهد بأي حال من الأحوال، من مسلسل الرؤوس، إلى مسلسل الفلوس، وما بينهما، وأستقريء معي تاريخ الفكر هذا، وما تعرض المفكرون والفلاسفة والعلماء والفقهاء والشعراء والكتاب، من اغتراب واستلاب وارهاب، أدى إلى تلك النهايات المفجعة، لعدد من المتمردين والمختلفين والزهاد، الذين رفضوا الوقوف على أبواب السلاطين.

لكنك في المقابل تجد مئات الدواوين وآلاف القصائد ضاجةً بمدح هذا السلطان أو ذاك بل لا يكاد يخلو خرج شاعر عربي قديم ـ إلا القلة النادرة منهم ـ من قصيدة مدبجة لممدوح. وينطبق هذا الأمر على عدد كبير من كتب التاريخ والفكر والفلسفة والطب والحكمة والترجمة والقصص والخ… حتى أن الجاحظ الذي وُصف بأنه “عين ساهرة لا تغفو إلاّ على كتاب ولا تفيق إلاّ على كتاب”. حينما سُئل عن حاله وصنيعته في البصرة، قال: “إني أعيش مع جارية وخادمة وخادم وحمار. أهديتُ كتاب الحيوان إلى الزيات ـ الوزير فأهداني خمسة آلاف دينار، وأهديتُ كتاب البيان والتبيين إلى الوزير ابن أبي داوود فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والنحل إلى إبراهيم بن العباس فأعطاني خمسة آلاف دينار، فأنصرفتُ إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد وتسميد”.

وترك البصرةَ نفسَها، النضرُ بن شميل سيد أهل زمانه في الفصاحة والأدب، حين لم يعد يجد ما يأكله. قائلاً للآلاف من مودعيه المتباكين: “يعزُّ علي والله فراقكم، ولو وجدتُ عندكم كل يوم كيلة من الباقلاء ما فارقتكم”.

وعاش أبو حيان التوحيدي في بغداد معدماً بائساً وأضطر إلى إحتراف نسخ الكتب، وفي آخر أيامه أحرق كتبه ضنّاً بها على الناس.

ورغم ضيق الهامش الذي أتاحه السلطان للمثقف العربي وربطه بعجلته واخضاعه لرقابته الصارمة إلاّ أن هذا الهامش كثيراً ما يطغي على المتن نتيجة قوة اشعاعاته الفكرية وتأثيره على حركة التأريخ ومسيرة المجتمع الذي يُراد تسييره وفق منهج الرؤوس والفلوس.

ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدها المفكرون والمثقفون الحقيقيون في تلك المناخات، ورغم التزوير الذي قام به البعض تحت سياسة الترغيب والترهيب والخداع، إلاّ أن الثورات الفكرية التي كانت دائماً تؤكد انحيازها للعامة، تركت لنا تراثاً فريداً، يمكننا البحث فيه – وفي النصوص الإبداعية الباهرة منه – لإستقراء تاريخ الناس وأفكارهم وهمومهم، وكذلك تلمس الحياة العامة والصراعات الفكرية والسياسية وعلاقات الحب والتقاليد الثقافية والاجتماعية والفلكلورية.

هذا الهامش هو ما تغافله مؤرخو الملوك، الذين انشغلوا بسرد سِيَر البلاط وكواليسه واصطراعات الساسة التي كانت تجري في الغالب بعيداً عن مصالح الجماهير المستلبة رغم إتكائها الكامل على سيفها ودمها ومالها وصوتها وهتافها، استغلالاً قاسياً وبشعاً ومريراً على مر العصور والملوك والزعماء والرؤساء والأحزاب والجوامع والكنائس والأديرة والتكايا والدكاكين..

فعاشت الجموع، منقادة لا قائدة.

لا يلتفت لها ساستنا أو أحزابنا، إلا وقت الحاجة والخطب!

ولا تدري هي إلى أين تتجه أو يُتجه بها

في كل انقلاب

أو مظاهرة..

وعلى هذا المنوال، منوال الرؤوس والفلوس وما بينهما، يمكنك تفحص ما مرَّ بنا.. ويمرُّ.

 

[1] – وانظر: تأريخ الطبري، و”حياة الحيوان” للدميري، و”تذكرة الخواص” لسبط الجوزي، وغيرها.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ
شاعر وکاتب/ العراق. لندن

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الرؤوس والفلوس في حركة التاريخ

بقلم: عدنان الصائغ | التاريخ: 30 نوفمبر 2025

التصنيف: الأدب

“إن الظالمين بعضهم أولياء بعض”.

القرآن

 

إن لي علاقات بصدام حسين الذي فرض الآن على قيادة البعث أن تحفظ بعض صور القرآن الكريم.

د. حسن الترابي

 

صدام حسين: جففنا الأهوار لأن الرائحة كانت كريهة والمرأة عندما تعبر مجرى النهر ترفع ثوبها فينكشف جسدها أمام الجميع.

جان برنارد ريموند: ايضاحاتكم عقلانية، لقد عجبتُ قبل مقابلاتكم من تعليقات الصحف الغربية التي تنتقد عمليات التجفيف.

من محضر لقاء وفد لجنة العلاقات الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية مع صدام حسين يوم السبت 20 كانون الثاني 1996-

 

إذا أردت الجنة فهي موجودة هناك بين دجلة والفرات.

كافن يونك

  • من كتابه “العودة الى الأهوار” –

 

سقطت وزارتنا وشكل غيرها   لا خير في الأولى ولا في الثانية

في رأسهن الباججي وكلهم         يتنازعون على كراع الماشية

الشيخ محمد جواد السهلاني

 

ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطات لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليَّ.

                                        عثمان بن عفان

 

.. فقد استطاع الحجاج مثلاً إقامة حكمه القوي أكثر من عشرين عاماً رغم السخط الجماهيري الواسع في حين خذلت الجماهير علياً بن أبي طالب رغم ولائها له..

                                     عزيز السيد جاسم

 

 

 

يذكر ابن الاثير في كتابه الكامل في التاريخ: “إن الرجل اذا أخلَّ بواجبه الذي يُكتب إليه أو جبن في الحرب أو ترك الثغر – زمن الخلفاء الراشدين – نُزعتْ عمامته ويقام للناس ويُشهر أمره. فلما ولي مصعب قال ما هذا بشيء وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى. فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يُرفع الرجل عن الأرض ويُسمّر في يديه مسماران في حائط فربما مات وربما خرق المسمارُ كفه فسلم. فلما كان الحجاج قال: هذا لعبٌ، اضرب عنقه من يَخْلِ مكانه من الثغر”.. والخ، والخ…

واتركْ رواية ابن الاثير في مسلسل العقاب وتطور الإرهاب وتعال إلى القاضي الديار بكري المالكي وهو يصور لنا مسلسلاً أكثر رعباً، في واحدة من أغرب فصول التاريخ العربي مفارقة ودموية ووحشية، فيقول: “في سنة 71 هـ جلس  عبد الملك بن مروان في قصر الإمارة في الكوفة ووضع رأس مصعب بين يديه فقال له عبد الملك بن عُمير: يا أمير المؤمنين، جلستُ أنا وعبيد الله بن زياد في هذا المجلس، ورأس الحسين بن علي بين يديه. ثم جلستُ أنا والمختار بن أبي عبيدة، فإذا رأس عبد الله بن زياد بين يديه. ثم جلستُ أنا ومصعب هذا، فاذا رأس المختار بين يديه. ثم جلستُ مع أمير المؤمنين، فإذا رأس مصعب بين يديه, وأنا أعيذ أمير المؤمنين من شر هذا المجلس. فأرتعد عبد الملك بن مروان وقام من فوره وأمر بهدم القصر”..([1]).

واتركْ القاضي المالكي في مسلسل تبادل قطع الرؤوس الذي جرّ التأريخ العربي إلى المسلخ من أجل كرسي الحكم، وتعال إلى رشيد بن الزبير في كتابه “الذخائر والتحف” وهو يروي: “إن محمد بن سليمان أحد عمال الرشيد ترك 50 الف مولى. ولما ولي البصرة أهدى إلى الخيزران مئة وصيف بيد كل وصيف جام ذهب مملوء مسكاً، فقبلت ذلك منه”.

واتركْ ابن الزبير في مسلسل الفلوس والعبيد والهدايا وتعال إلى الجاحظ في بخلائه وهو يتحدث عن حال بعض الناس في زمانه الذين كانوا يسمعون “بالشبع سماعاً من أفواه الناس”.

واخرجْ من كل هذا، إلى حركة الفكر العربي الذي لم يكن بمعزل عن هذا المشهد بأي حال من الأحوال، من مسلسل الرؤوس، إلى مسلسل الفلوس، وما بينهما، وأستقريء معي تاريخ الفكر هذا، وما تعرض المفكرون والفلاسفة والعلماء والفقهاء والشعراء والكتاب، من اغتراب واستلاب وارهاب، أدى إلى تلك النهايات المفجعة، لعدد من المتمردين والمختلفين والزهاد، الذين رفضوا الوقوف على أبواب السلاطين.

لكنك في المقابل تجد مئات الدواوين وآلاف القصائد ضاجةً بمدح هذا السلطان أو ذاك بل لا يكاد يخلو خرج شاعر عربي قديم ـ إلا القلة النادرة منهم ـ من قصيدة مدبجة لممدوح. وينطبق هذا الأمر على عدد كبير من كتب التاريخ والفكر والفلسفة والطب والحكمة والترجمة والقصص والخ… حتى أن الجاحظ الذي وُصف بأنه “عين ساهرة لا تغفو إلاّ على كتاب ولا تفيق إلاّ على كتاب”. حينما سُئل عن حاله وصنيعته في البصرة، قال: “إني أعيش مع جارية وخادمة وخادم وحمار. أهديتُ كتاب الحيوان إلى الزيات ـ الوزير فأهداني خمسة آلاف دينار، وأهديتُ كتاب البيان والتبيين إلى الوزير ابن أبي داوود فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والنحل إلى إبراهيم بن العباس فأعطاني خمسة آلاف دينار، فأنصرفتُ إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد وتسميد”.

وترك البصرةَ نفسَها، النضرُ بن شميل سيد أهل زمانه في الفصاحة والأدب، حين لم يعد يجد ما يأكله. قائلاً للآلاف من مودعيه المتباكين: “يعزُّ علي والله فراقكم، ولو وجدتُ عندكم كل يوم كيلة من الباقلاء ما فارقتكم”.

وعاش أبو حيان التوحيدي في بغداد معدماً بائساً وأضطر إلى إحتراف نسخ الكتب، وفي آخر أيامه أحرق كتبه ضنّاً بها على الناس.

ورغم ضيق الهامش الذي أتاحه السلطان للمثقف العربي وربطه بعجلته واخضاعه لرقابته الصارمة إلاّ أن هذا الهامش كثيراً ما يطغي على المتن نتيجة قوة اشعاعاته الفكرية وتأثيره على حركة التأريخ ومسيرة المجتمع الذي يُراد تسييره وفق منهج الرؤوس والفلوس.

ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدها المفكرون والمثقفون الحقيقيون في تلك المناخات، ورغم التزوير الذي قام به البعض تحت سياسة الترغيب والترهيب والخداع، إلاّ أن الثورات الفكرية التي كانت دائماً تؤكد انحيازها للعامة، تركت لنا تراثاً فريداً، يمكننا البحث فيه – وفي النصوص الإبداعية الباهرة منه – لإستقراء تاريخ الناس وأفكارهم وهمومهم، وكذلك تلمس الحياة العامة والصراعات الفكرية والسياسية وعلاقات الحب والتقاليد الثقافية والاجتماعية والفلكلورية.

هذا الهامش هو ما تغافله مؤرخو الملوك، الذين انشغلوا بسرد سِيَر البلاط وكواليسه واصطراعات الساسة التي كانت تجري في الغالب بعيداً عن مصالح الجماهير المستلبة رغم إتكائها الكامل على سيفها ودمها ومالها وصوتها وهتافها، استغلالاً قاسياً وبشعاً ومريراً على مر العصور والملوك والزعماء والرؤساء والأحزاب والجوامع والكنائس والأديرة والتكايا والدكاكين..

فعاشت الجموع، منقادة لا قائدة.

لا يلتفت لها ساستنا أو أحزابنا، إلا وقت الحاجة والخطب!

ولا تدري هي إلى أين تتجه أو يُتجه بها

في كل انقلاب

أو مظاهرة..

وعلى هذا المنوال، منوال الرؤوس والفلوس وما بينهما، يمكنك تفحص ما مرَّ بنا.. ويمرُّ.

 

[1] – وانظر: تأريخ الطبري، و”حياة الحيوان” للدميري، و”تذكرة الخواص” لسبط الجوزي، وغيرها.