“الشعرُ حياةٌ، والقصيدةُ كائنٌ يتنفّس، والنقدُ خَلقٌ مُتَوالٍ ”
المقدمة
تُظهر الدراسات الأدبية الحديثة حاجةً ملحّة إلى تجاوز المقاربات التقليدية التي حصرت الشعر في حدود البلاغة أو الوصف اللغوي. تقدّم هذه الورقة تصورًا بديلًا يرى القصيدة ككائنٍ حيّ — لا كبناءٍ لغويّ جامد — يتفاعل مع قارئه، وينمو عبر الزمن، ويتحوّل مع كل قراءة جديدة. الهدف منها هو طرح إطار نقديّ مفتوح، يُعيد الاعتبار للبعد الوجوديّ والجماليّ للنص الشعري، باعتباره مجالًا حيويًّا تتجدّد فيه الحياة ذاتها.
وليس أدلّ على هذا الوعي من قول الشاعر عارف الساعدي في قصيدته «الليلة المنسية من ألف ليلة وليلة: «
“بغدادُ الصبيةُ وهي حُلمٌ / بمعصم كلّ فاتنةٍ سوارُ.”
فهنا تتحوّل المدينة إلى كائنٍ حيٍّ نابضٍ بالجمال والذاكرة، يجسّد في صورته الشعرية روح الحياة ذاتها — كما تتجسد القصيدة في وعي الشاعر ككائنٍ يتنفس الوجود ويعيد تشكيله.
ويعمّق الشاعر عمر السراي هذا التصوّر في قصيدته «بانوراما عاشق «، إذ يقول:
“تولدُ الغاباتُ بينَ أصابعي… في وجنتيكِ، ونستمرُّ إلى الأزل.”
فالحبّ هنا ليس تجربة لغوية فحسب، بل فعلُ خلقٍ جديد، تنبثق فيه الحياة من اللغة ذاتها؛ كأنّ القصيدة تمتدّ لتصبح استمرارًا للوجود، لا مجرّد وصفٍ له.
ليس الشعر صدىً للوجع ولا مرآةً للخراب، بل هو استمرارٌ للحياة في أشكالها المتحوّلة.
فبين “بغداد الصبية” التي تراها القصيدة حلماً، وبين “الغابات التي تولد في الوجنتين” كما يكتب عمر السراي، يمتدّ النبض الواحد الذي يرى في الكلمة كائناً حيّاً يتنفّس، ويُحبّ، ويواصل النموّ في القارئ كما في الشاعر.
إنّ هذه الورقة لا تبحث عن الشعر كزينةٍ لغوية، بل ككائنٍ حيٍّ يتكوّن من الضوء والموسيقى والدم، كأنّ القصيدة ليست نصّاً نقرؤه بل حياةً نعيشها.
من هنا، يتقاطع منهج الحياة مع الشعر الحديث، في كونهما معاً تجربةً وجودية لا تُدرَك إلا بالنبض، لا بالتحليل وحده. فالشعر حياة، والنقد حياة، وامتدادٌ للحياة.
أولًا: النص الشعري بوصفه كائنًا حيًّا
ينفتح النص الشعري على القارئ ككائنٍ حيّ يمتلك وظائفَ حيويةً: الذاكرة (من خلال الإحالات الثقافية)، والنمو (عبر التفسيرات المتراكمة)، والتفاعل (مع سياقات القراءة المختلفة)، وإعادة التشكّل (مع كل تجربة قرائية جديدة). إن القراءة المتجددة للنصوص الشعرية تشبه، في جوهرها، عمليات التحوّل البيولوجيّ: فكما تنقسم الخلية لتوليد حياة جديدة، يُولِد النصُّ مع كل قارئٍ معانيَ جديدة، وعلاقاتٍ وجوديةً لم تكن ممكنة في لحظة إنشائه الأولى.
ثانيًا: الحياة في اللغة: الذاكرة والاستمرار
اللغة في الشعر ليست أداةً للتعبير فحسب، بل بيئةٌ حيّة تتخلّلها طاقةٌ دلاليةٌ وحسّية. كما تكشف الشاعرة دلال جويد في قصيدتها “البيت حقيبة سفري” عن علاقة المرأة بالبيت ككائن حي يتفاعل معها:
“أنا امرأة طيبة مطيعة… لكني في مرات كثيرة أكسر صحناً أو صحنين لم يعجبني شكلهما.”
هذه العلاقة الحيوية مع عالم البيت تنطبق على علاقة الشاعر باللغة – فالكلمات كالأطباق يمكن كسر قيودها، والبيت الشعري كالمنزل يمكن تركه ثم العودة إليه. وتتعمق هذه الرؤية في تجارب شعرية معاصرة، فـ دارين زكريا تمنح الصمت حياةً عضوية في “عشرة أقمار”:
“عشرة أعمارٍ يعلّمونكَ أن الصّمتَ قصيدة أنّبَتْها ثرثرتها”
بينما تحوّل سونيا الفرجاني القصيدة إلى جسد أنثوي حي يتحضر للخروج:
“أغلقت القصيدة. لبست فستانا قصيرا. فتحت شعري على ظهري”
وتجسّد فليحة حسن هذه الحيوية فتصبح الكلمات كائنات متمردة في قصيدتها “حينما لا تحضر قصيدتي”:
“لكن الكلمات تمانع… تبني جدرانًا من نظريات نقدية… تضيق… تضيق… تضيق”
وهذه الحيوية تتجلى في قدرة القصيدة على أن تكون كائناً زمنياً، كما يقول الشاعر عارف الساعدي في قصيدته “الليلة المنسية من ألف ليلة وليلة”:
“كأن الليلةَ الألفَ استمرت / ودرنا والقطارُ هو القطارُ”
هنا تتحول القصيدة إلى كائن زمنيّ لا يعرف الانقطاع، فهي تُعيد الزمن لا لتكرّره، بل لتبعث فيه حياة جديدة. إنّها ذاكرة تمشي، وقطار لا يتوقف — وهذا هو جوهر القصيدة الحيّة التي يتحد فيها الماضي بالحاضر في حركة دائمة من التحوّل.
ثالثًا: النقد كشِعرٍ موازٍ
وفق هذا التصور، لا يقتصر النقد على الشرح أو التفكيك، بل يصبح كتابةً موازية تمنح النص حياةً إضافية. وظيفة الناقد، إذن، ليست استخراج “المعنى الأصلي”، بل خلق فضاءٍ تأويليّ تتجاوب فيه التجربة الشعرية مع وعي القارئ الجديد. وقد سبق أن أشرتُ إلى هذا المفهوم في مقالٍ نُشر في جريدة القدس العربي (العدد 11853، الأربعاء 8 أكتوبر 2025)، بعنوان: “النقد كقصيدة موازية: امتزاج الضوء بالموسيقى – تأملات في كتاب ‘القصيدة دون شعر كثير’ للدكتور حاتم الصكَر”، حيث اقترحتُ أن النقد الحقيقي لا “يشرح” القصيدة، بل يُنيرها من زاويةٍ أخرى، كأنه قصيدة ثانية تجاور الأصل دون أن تطغى عليه. فالنقد، في هذا السياق، ليس ظلًّا للشعر، بل صدىً حيًّا يُعيد إنتاجه في وعيٍ مختلف.
رابعًا: نحو مقاربة حيوية في النقد الشعري
المقاربة الحيوية التي نقترحها لا تسعى إلى تأسيس “منهجٍ” صارم، بل إلى فتح أفقٍ تأويليّ يُعيد الاعتبار للعلاقة الديناميكية بين النص والقارئ والزمان. وهي تنطلق من فرضيةٍ جوهرية: أن النصوص الشعرية لا تُختزل في لحظة إنتاجها، بل تكتسب حياتها الكاملة فقط عبر القراءات المتتالية، في سياقاتٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ متجددة. وهذا يذكرنا بصورة خالدة في الشعر العربي، بصوت بدر شاكر السياب:
“عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحرْ / أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرُ”
فالعينان-النخيلان لا تثبتان في لحظة واحدة، بل تتحولان وتغيبان في حركة الزمن (‘ساعة السحر’)، مما يخلق صورة حية متغيرة، تختلف في كل قراءة.
ويكمل غريب إسكندر هذه الرؤية في قصيدته ‘أخيرًا عرفتُ’ مؤكداً على ديناميكية النص:
‘أخيرًا عرفتُ: أنّ الزمنَ يسافرُ في القراءة ويتحررُ في الكتابةِ’
ثم يقدم صورة مدهشة عن حيوية النص الشعري:
‘أخيرًا عرفتُ: أنّ ارتعاشَ قلبِ القصيدة لا يعني أبدًا ضعفه’
فهذا ‘الارتعاش’ ليس ضعفاً، بل دليل حياة – نبضٌ حيويّ ينتقل من النص إلى القارئ في كل لقاء جديد.
الخاتمة
إن قراءة القصيدة بوصفها كائنًا حيًّا تمثّل تحولًا جوهريًّا في النظر إلى الشعر: من نصٍّ ساكنٍ يُفسَّر، إلى حياةٍ متحركةٍ تُعاش. هذا المنظور لا يُعيد الاعتبار للبعد الجمالي–الفلسفي للنص فحسب، بل يفتح الباب أمام نقدٍ لا يكتفي بالتفسير، بل يُشارك في خلق المعنى، ويُعيد إنتاج الحياة داخل اللغة. وهكذا، يغدو الشعر فضاءً للتجدد المستمر، ويغدو النقدُ ممارسةً إبداعيةً حيويةً — لا تقلّ نبضًا عن القصيدة نفسها، بل قد تُضفي عليها أنفاسًا جديدة لم تكن ممكنة من دونها. وفي بغداد، حيث ولد الشعر العربيّ ونضج عبر القرون، تكتسب هذه المقاربة الحيوية دلالةً خاصة: فالمدينة نفسها كائنٌ شعريّ لا ينضب، والنصّ الذي يُكتب فيها لا يموت، بل يسير في شوارعها كأنفاسٍ لا تنتهي
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
القصيدة بوصفها كائنًا حيًّا” مقاربة حيوية في النقد الشعري”
“الشعرُ حياةٌ، والقصيدةُ كائنٌ يتنفّس، والنقدُ خَلقٌ مُتَوالٍ ”
المقدمة
تُظهر الدراسات الأدبية الحديثة حاجةً ملحّة إلى تجاوز المقاربات التقليدية التي حصرت الشعر في حدود البلاغة أو الوصف اللغوي. تقدّم هذه الورقة تصورًا بديلًا يرى القصيدة ككائنٍ حيّ — لا كبناءٍ لغويّ جامد — يتفاعل مع قارئه، وينمو عبر الزمن، ويتحوّل مع كل قراءة جديدة. الهدف منها هو طرح إطار نقديّ مفتوح، يُعيد الاعتبار للبعد الوجوديّ والجماليّ للنص الشعري، باعتباره مجالًا حيويًّا تتجدّد فيه الحياة ذاتها.
وليس أدلّ على هذا الوعي من قول الشاعر عارف الساعدي في قصيدته «الليلة المنسية من ألف ليلة وليلة: «
“بغدادُ الصبيةُ وهي حُلمٌ / بمعصم كلّ فاتنةٍ سوارُ.”
فهنا تتحوّل المدينة إلى كائنٍ حيٍّ نابضٍ بالجمال والذاكرة، يجسّد في صورته الشعرية روح الحياة ذاتها — كما تتجسد القصيدة في وعي الشاعر ككائنٍ يتنفس الوجود ويعيد تشكيله.
ويعمّق الشاعر عمر السراي هذا التصوّر في قصيدته «بانوراما عاشق «، إذ يقول:
“تولدُ الغاباتُ بينَ أصابعي… في وجنتيكِ، ونستمرُّ إلى الأزل.”
فالحبّ هنا ليس تجربة لغوية فحسب، بل فعلُ خلقٍ جديد، تنبثق فيه الحياة من اللغة ذاتها؛ كأنّ القصيدة تمتدّ لتصبح استمرارًا للوجود، لا مجرّد وصفٍ له.
ليس الشعر صدىً للوجع ولا مرآةً للخراب، بل هو استمرارٌ للحياة في أشكالها المتحوّلة.
فبين “بغداد الصبية” التي تراها القصيدة حلماً، وبين “الغابات التي تولد في الوجنتين” كما يكتب عمر السراي، يمتدّ النبض الواحد الذي يرى في الكلمة كائناً حيّاً يتنفّس، ويُحبّ، ويواصل النموّ في القارئ كما في الشاعر.
إنّ هذه الورقة لا تبحث عن الشعر كزينةٍ لغوية، بل ككائنٍ حيٍّ يتكوّن من الضوء والموسيقى والدم، كأنّ القصيدة ليست نصّاً نقرؤه بل حياةً نعيشها.
من هنا، يتقاطع منهج الحياة مع الشعر الحديث، في كونهما معاً تجربةً وجودية لا تُدرَك إلا بالنبض، لا بالتحليل وحده. فالشعر حياة، والنقد حياة، وامتدادٌ للحياة.
أولًا: النص الشعري بوصفه كائنًا حيًّا
ينفتح النص الشعري على القارئ ككائنٍ حيّ يمتلك وظائفَ حيويةً: الذاكرة (من خلال الإحالات الثقافية)، والنمو (عبر التفسيرات المتراكمة)، والتفاعل (مع سياقات القراءة المختلفة)، وإعادة التشكّل (مع كل تجربة قرائية جديدة). إن القراءة المتجددة للنصوص الشعرية تشبه، في جوهرها، عمليات التحوّل البيولوجيّ: فكما تنقسم الخلية لتوليد حياة جديدة، يُولِد النصُّ مع كل قارئٍ معانيَ جديدة، وعلاقاتٍ وجوديةً لم تكن ممكنة في لحظة إنشائه الأولى.
ثانيًا: الحياة في اللغة: الذاكرة والاستمرار
اللغة في الشعر ليست أداةً للتعبير فحسب، بل بيئةٌ حيّة تتخلّلها طاقةٌ دلاليةٌ وحسّية. كما تكشف الشاعرة دلال جويد في قصيدتها “البيت حقيبة سفري” عن علاقة المرأة بالبيت ككائن حي يتفاعل معها:
“أنا امرأة طيبة مطيعة… لكني في مرات كثيرة أكسر صحناً أو صحنين لم يعجبني شكلهما.”
هذه العلاقة الحيوية مع عالم البيت تنطبق على علاقة الشاعر باللغة – فالكلمات كالأطباق يمكن كسر قيودها، والبيت الشعري كالمنزل يمكن تركه ثم العودة إليه. وتتعمق هذه الرؤية في تجارب شعرية معاصرة، فـ دارين زكريا تمنح الصمت حياةً عضوية في “عشرة أقمار”:
“عشرة أعمارٍ يعلّمونكَ أن الصّمتَ قصيدة أنّبَتْها ثرثرتها”
بينما تحوّل سونيا الفرجاني القصيدة إلى جسد أنثوي حي يتحضر للخروج:
“أغلقت القصيدة. لبست فستانا قصيرا. فتحت شعري على ظهري”
وتجسّد فليحة حسن هذه الحيوية فتصبح الكلمات كائنات متمردة في قصيدتها “حينما لا تحضر قصيدتي”:
“لكن الكلمات تمانع… تبني جدرانًا من نظريات نقدية… تضيق… تضيق… تضيق”
وهذه الحيوية تتجلى في قدرة القصيدة على أن تكون كائناً زمنياً، كما يقول الشاعر عارف الساعدي في قصيدته “الليلة المنسية من ألف ليلة وليلة”:
“كأن الليلةَ الألفَ استمرت / ودرنا والقطارُ هو القطارُ”
هنا تتحول القصيدة إلى كائن زمنيّ لا يعرف الانقطاع، فهي تُعيد الزمن لا لتكرّره، بل لتبعث فيه حياة جديدة. إنّها ذاكرة تمشي، وقطار لا يتوقف — وهذا هو جوهر القصيدة الحيّة التي يتحد فيها الماضي بالحاضر في حركة دائمة من التحوّل.
ثالثًا: النقد كشِعرٍ موازٍ
وفق هذا التصور، لا يقتصر النقد على الشرح أو التفكيك، بل يصبح كتابةً موازية تمنح النص حياةً إضافية. وظيفة الناقد، إذن، ليست استخراج “المعنى الأصلي”، بل خلق فضاءٍ تأويليّ تتجاوب فيه التجربة الشعرية مع وعي القارئ الجديد. وقد سبق أن أشرتُ إلى هذا المفهوم في مقالٍ نُشر في جريدة القدس العربي (العدد 11853، الأربعاء 8 أكتوبر 2025)، بعنوان: “النقد كقصيدة موازية: امتزاج الضوء بالموسيقى – تأملات في كتاب ‘القصيدة دون شعر كثير’ للدكتور حاتم الصكَر”، حيث اقترحتُ أن النقد الحقيقي لا “يشرح” القصيدة، بل يُنيرها من زاويةٍ أخرى، كأنه قصيدة ثانية تجاور الأصل دون أن تطغى عليه. فالنقد، في هذا السياق، ليس ظلًّا للشعر، بل صدىً حيًّا يُعيد إنتاجه في وعيٍ مختلف.
رابعًا: نحو مقاربة حيوية في النقد الشعري
المقاربة الحيوية التي نقترحها لا تسعى إلى تأسيس “منهجٍ” صارم، بل إلى فتح أفقٍ تأويليّ يُعيد الاعتبار للعلاقة الديناميكية بين النص والقارئ والزمان. وهي تنطلق من فرضيةٍ جوهرية: أن النصوص الشعرية لا تُختزل في لحظة إنتاجها، بل تكتسب حياتها الكاملة فقط عبر القراءات المتتالية، في سياقاتٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ متجددة. وهذا يذكرنا بصورة خالدة في الشعر العربي، بصوت بدر شاكر السياب:
“عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحرْ / أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرُ”
فالعينان-النخيلان لا تثبتان في لحظة واحدة، بل تتحولان وتغيبان في حركة الزمن (‘ساعة السحر’)، مما يخلق صورة حية متغيرة، تختلف في كل قراءة.
ويكمل غريب إسكندر هذه الرؤية في قصيدته ‘أخيرًا عرفتُ’ مؤكداً على ديناميكية النص:
‘أخيرًا عرفتُ: أنّ الزمنَ يسافرُ في القراءة ويتحررُ في الكتابةِ’
ثم يقدم صورة مدهشة عن حيوية النص الشعري:
‘أخيرًا عرفتُ: أنّ ارتعاشَ قلبِ القصيدة لا يعني أبدًا ضعفه’
فهذا ‘الارتعاش’ ليس ضعفاً، بل دليل حياة – نبضٌ حيويّ ينتقل من النص إلى القارئ في كل لقاء جديد.
الخاتمة
إن قراءة القصيدة بوصفها كائنًا حيًّا تمثّل تحولًا جوهريًّا في النظر إلى الشعر: من نصٍّ ساكنٍ يُفسَّر، إلى حياةٍ متحركةٍ تُعاش. هذا المنظور لا يُعيد الاعتبار للبعد الجمالي–الفلسفي للنص فحسب، بل يفتح الباب أمام نقدٍ لا يكتفي بالتفسير، بل يُشارك في خلق المعنى، ويُعيد إنتاج الحياة داخل اللغة. وهكذا، يغدو الشعر فضاءً للتجدد المستمر، ويغدو النقدُ ممارسةً إبداعيةً حيويةً — لا تقلّ نبضًا عن القصيدة نفسها، بل قد تُضفي عليها أنفاسًا جديدة لم تكن ممكنة من دونها. وفي بغداد، حيث ولد الشعر العربيّ ونضج عبر القرون، تكتسب هذه المقاربة الحيوية دلالةً خاصة: فالمدينة نفسها كائنٌ شعريّ لا ينضب، والنصّ الذي يُكتب فيها لا يموت، بل يسير في شوارعها كأنفاسٍ لا تنتهي
التعليقات