“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي
حوار: فرح تركي العامري
“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي حوار: فرح تركي العامري أديب من مدينة كربلاء، يكتب الرواية والقصة والنقد والبحوث والسيناريو، ترك بصمة مميزة في ادب القصة القصيرة، كتاباته تأخذ طابع فلسفي، والمتانة اللغوية وتوظيف الرمز في كتاباته ناصجة ومهمة، الكاتب محمد الميالي الذي أوجز فادهشنا، والذي حفر في أديم الارض فوجد لنا نبوءته، رسم خطوط حقيقية لنسير عليها لكيلا نقع في مكائد رحم الشيطان، تجربة ادبية نستخلصة من انسان حكيم، رفيع الذوق، متعلم ويعلم، هو مدرسة في السرد وله امكانياته وارائه الخاصة التي تعرفنا على جزء منها من خلال هذا الحوار…
•الأديب محمد الميالي بين القصة والسيناريو، هوية يعالجها ابداعك ويرسمها قلمك، من انت بينهما؟
_القصة والسيناريو بينهما تعالق لا يمكن فصله، وكأنهما من أديم واحد، وكلاهما يسبحان في فضاء ابداعي يرتكز تارة على الواقية وتارة أخرى على الخيال الذي مهما ابتعد لا يمكن له الانفصال عن الواقعية كونه منها وإليها، ولهذا التعالق دور في تحسين البناءات الفنية إن كانت خاصة في بنية القصة أو في بنية السيناريو، وجميل جدا أن يكون للكاتب قدرة على امتلاك أدواتهما معا رغم ندرة هذا الأمر عند أغلب الكتاب، وقد ينحصر في ثلة قليلة، مما يمنح الكاتب فسحة أوسع لخلق تفاعل فني وابداعي مثير، وأرى أني وفقت في كل منهما، وحققت في القصة والسيناريو جوائز دولية مختلفة، وأدخلت القصة الى المسرح والسينما والتلفزيون.
•في روايتك «نبوءة الاديم» وظفت الحيوان ليكون رسالة إلى الأنسان، في كشف الكثير من المؤامرات التي تحاك ضده، هل نحن في خطر كما الرواية، هل تنبه احدنا وأنتشر الوعي بسببها؟
_مهم جدا للكاتب أن يكون رساليا، وأن يوظف قلمه لخدمة الانسان أولا، رواية نبوءة الأديم رسالة إنسانية تتحدث عن حقبة امتدت من ثمانينيات القرن الماضي والى العشرة الأولى من القرن الحالي وما دار فيها من عبث القوى الدولية في مقدرات الانسان، واستخدمت الحيوانات كشخصيات مزدوجة الأدوار، فكان كل منهما يمثل نفسه كحيوان تعرض الى ظلم بني آدم، وفي نفس الوقت يمثل ظلم الانسان لنفسه ولغيره من المخلوقات، ودعاة الشر لم يسلم منهم أي مخلوق، وعلى الانسان أن يعرف دوره في هذا الحياة وأن لا يكون وسيلة للعبث، على اعتبار أن الله منحه الخلافة في الأرض، ولا أدري هل وصلت رسالتي أم لا وسط هذا الضجيج.
• ما هي مقاييس الجمال التي يتم الحكم عليها وبها في هذه الدنيا والسؤال الأهم لماذا يهتم الناس، كل الناس او بعضهم في الجمال وهل هذا مطلب مشروع؟
_الجمال ظاهرة فيزيائية متغيرة خاضعة لعوامل تكوينية مختلفة واقعة تحت تأثير عوامل عدة، وبينت ذلك في بحث لي خاص عن الجمال بعنوان ( غبش الصورة: تمثلات الجميل في السؤال الفلسفي) ومقاييس الجمال متغيرة أيضا ولا يوجد ما يدل على ثباتها، فضلا عن أن أصل مفهوم الجمال في العالم الترابي هو تمثل أو تشبيه لا في الأصل، ويستصحب الأمر على كل شيء خلق من تراب، وكل شيء أصله تراب لا يمثل نسبة جمالية ولو بمقدار بسيط، الجمال المطلق لله وحده سبحانه وتعالى، وما دونه جمال عيني بنسبة ضئيلة هي في انعكاس النور، وما يخلق من نور وليس من تراب، وكل ذلك في العالم العلوي، والحديث والأدلته طويلة في هذا المقام.
• القصة والوجيز، وهذا الفن الادبي الذي اظهرت اراء مختلفة عن التي سبق وانتشرت، السؤال هو كيف تصاغ الدهشة منها، هلا حدثتنا؟
_بصراحة أنا أقف مذهولا أمام ما أسمع في المؤتمرات والندوات الخاصة في القصة القصيرة جدا، وكذلك ما ينشر على المنصات من آراء متناقضة جدا، وكأن الأمر مجرد كتابة أو مشاركة دون دراسة حقيقية لهذا الجنس، ومن أغرب ما لاحظته هو اعتماد الأغلبية في اطروحاتهم كأدلة على قصة أرنست هومنغواي ( للبيع حذاء طفل لم يلبس بعد) والتي تتكون من ستة كلمات فقط، ونصوص نتالي ساروت التي أسمتها انفعالات والتي يتكون كل نص منها على اكثر من خمسمئة كلمة، والسؤال هو كيف لي أن أتخذهما أدلة على البنية الفنية للقصة القصيرة جدا والفارق ما بينهما كبير وعنصر التكثيف من أبرز العناصر التي تميز هذا الجنس، فضلا عن أن قصة همنغواي ليس فيها عناصر القصة القصيرة جدا، ونصوص نتالي ساروت انفعالات كما أسمتها هي وليست قصص قصيرة جدا كما ادعى مترجمها المصري، وهي أقرب الى الخاطرة، لذلك أنا قدمت دراستي وبينت أن القصة القصيرة تعتمد على ثلاثة أركان وهي ( الحبكة ـ التكثيف ـ المفارقة) وفي هذا تفصيل في كتابي دهشة الوجيز.
• لماذا يكتب محمد الميالي، وهل الكتابة هدف أم انتشار الافكار التي تنشر الوعي هي من تجعل للكتابة قيمة وسبب؟
_الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل وترويح نفسي، والكتابة رسالة متعددة المهام، مهام وجدانية وتربوية واجتماعية وثقافية مختلفة، كما أنها من أهم مهام الانسان في هذه الحياة، والكتابة وسيلة تعبير لها مساحة أوسع من الكلام الشفاهي، وهي باقية لأزمنة متعددة، كما وصلنا من قرون عديدة، من كتب الفلاسفة والعلماء في كل أنواع العلوم في الطب والفيزياء والكيمياء والأدب وغيره. لذلك أشعر أني أبعث برسالة الى الأزمنة، بغض النظر عن احتمالية وصولها من عدمه، من يدري قد تعجب كتاباتي أناس ليس ممن أجايلهم الآن، علينا أن نكتب ولكن بشرط أن يبنى على قناعة تامة بما نكتب وترك لغيرنا التقييم.
• أين أنت من الاضواء، لماذا لا تبحث عنها، أو لماذا هي لا تجدك؟
_الظهور في الأضواء يحتاج الى خسائر معينة، ولا يمكن أن أقدمها مهما قدمت الشهرة لي، وهي ليست خسائر مادية بل معنوية وقيمية، وأغلب المشاهير هم وعاظ السلاطين، وخدمتهم ماكنة السلاطين الإعلامية، ومن المشاهير من تنازل عن شرف الكتابة واستخدم المغريات التي يبحث عنها من يريد افساد المجتمع العربي الإسلامي، والقلة القليلة التي نال الشهرة بوجدان سليم وقلم شريف، لا يورقني كثيرا البحث عن الشهرة في دهاليز الكتابة رغم أهميتها. كما أن عقيدتي الدينية المعلنة وقفت عارضا أمام ظهوري الإعلامي، ولم يحزنني هذا أبدا، بل سعدت بنفسي وأنا محتفظ بكل القيم التي أؤمن بها.
• هل النقد الادبي عجلة تسير بحيادية ام أن هناك مجاملات في الخفاء، ما هي التقاطاتك الحية عن ذلك؟
_من أسوء ما شهدته أثناء مسيرتي الأدبية والفنية ما يحدث في الساحة النقدية وما تفرزه من شوائب وشبهات معيبة ولا تليق بالأدب وقيمه السامية، فقد طافت على السطح قراءات اعتمدت المحاباة والمجاملات والبيع بثمن بخس، وقد يأتينا زمان نصل الى مرحلة نسمي الساحة النقدية بسوق النخاسة، كما يعتمد البعض على الانتماء الأيديولوجي، وهناك فكر أيديولوجي معين في العراق مهيمن تماما على الساحة النقدية الأدبية ويمجد كل ما ينتج من وسطهم الأدبي ولو كان تفاها، على حساب ما ينتجه الأدباء الآخرون، النقد في منزلق خطير جدا، علما أن معظم كتاباتي تناولتها أقلام نقدية محترمة من العراق وخارجه، لكن الحقيقة يجب أن تقال.
• ما هي الرسالة الرمزية التي بعثتها من خلال روايتك رحم الشيطان؟
_في هذا الرواية رسائل متعددة، أهمها الكيفية التي يستخدم بها أشخاص عراقيين ذو كفاءات من قبل جهات خارجية، خاصة طلاب العلوم في الجامعات العالمية، وكيفية استغلال علمهم وكفاءاتهم لصالح تلك الدول، وفيها رسالة مهمة تتعلق بالتدوير السياسي الذي تعتمده الدول العظمى للتحكم بمقدرات الشعوب في الشرق الأوسط، من تشكيل أحزاب، وتحضير شخصيات للقيادات في مطابخ المؤسسات المخابراتية، فضلا عن الدور الكبير الذي يقدمه الشاب المثالي المتسمك بقيمه وتقاليده وأعرافه ومتبنياته الأخلاقية والتربوية، كذلك ما تعرض له الشعب العراقي بكل الأعمار والأطياف من استهداف وحشي من خلال المفخخات.
• لماذا انت مقصر مع القصص القصيرة جداً، وهو تؤيد وجود مجلات متخصصة بهذا الفن الادبي كما هناك مسابقات خاصة به؟
_ما بعد عام 2010 الى عام 2016 تقريبا كانت هذه المدة الزمنية الذهبية للقصة القصيرة جدا، وقدم فيها عشاق هذا الجنس أروع القصص، إلا أن المتسلقون الذين يتواجدون في كل مكان عاثوا في أوساط الرابطات وأثاروا الفتن وطرحوا تكهنات بائسة أسموها ابتكارات جديدة، كما لعبت المسابقات والقائمين عليها دور كبير في خلخلة البنية الفنية لهذا الجنس وخاصة لجان التحكيم التي لا تملك مؤهلات التحكيم، لذلك انسحبت الكفاءات ومن يمثل رصانة كتابة هذا الجنس من الساحة، وتركتها لمن هب ودب وأصبح كل ما يكتب من تفاهات يطلق عليه قصة قصيرة جدا، مع احترامي لبعض الكتاب وبعض المهتمين الذين مازالوا يتابعون المشهد.
• أين تضع أسمك في لوح الاجتهاد وهل انت راض عن نفسك، في الادب او في الحياة؟
_أنا مجتهد منذ طفولتي، وكنت أمارس كثير من النشاطات المدرسية الرياضية والفنية، ولعبت كرة السلة في فريق المدرسة وكرة القدم وهي معشوقتي، ونشاطات أخرى كثيرة، أما في الجانب الأدبي فقد دخلت فيه متأخرا بسبب ظروف قاهرة مرت بي في فترة شبابي، وما قدمته في الفترة الأخيرة يعد مثاليا، في الرواية والقصة والبرامج التلفزيوينة، والسيناريوهات السينمائية والدرامية بشكل عام، لذلك أرى أني راض عن نفسي، وهناك مشاريع أدبية سنعلن عنها قريبا إن شاء الله تعالى.
• أسم أنسان قريب الى نفسك، من عائلتك أو الاصدقاء، لا ترى زينة الحياة الا من عينيه؟
_ولدي الوحيد حسين وأخواته الست وأمهم، كل ما أملك في هذه الحياة، أما في الصداقة فليس لي نصيب مطلقا للأسف، وفي أول أيام شبابي صدمت بصديق، وغابت عني الصداقة بمفهومها الأصيل، وبقيت قشورها والتي تعتبر علاقات عامة لا أكثر.
• هل الفوز بمسابقة أدبية هو الباعث الاول للأنتشار عربيا أو عالميا؟
_أكيد الفوز بجائزة عالمية مثل البوكر على سبيل المثال وكل مسابقة حسب حجمها، له أثر على الانتشار والشهرة، والغريب أن من يشتهر ولو بسرقة يصبح كل ما يكتبه محط اعجاب ولو كان بلا قيمة أدبية او فنية، كون الانسان يعتمد في أغلب الأحيان في قراراته على تقييم مسبق يحتفظ به يكون عامل مؤثر في قراره الجديد.
• صف لي الحياة من وجهة نظرك في كربلاء وكم استلهمت منها في كتاباتك ومشاهدك التي ترصدها؟
_(كربلاء عالم تختصره كلمة، وأمة يترجمها حرف، عرش الله في الأرض، وماء وضوء الفرض، فلسفتها خضاب، وترابها رُضاب) هذا ما قلته عن كربلاء ومعظم كتاباتي هي من وحي كربلاء، كربلاء فتح آت، وسفر يمنح الحياة حياة، وروايتي القادمة هي عن كربلاء، فكلي كربلاء.
• نقول للأديب الانسان المهذب «محمد الميالي» قل لنا كلمة تبقى حاضرة في ذاكرة القارئ من عميق قراءئتك في الحياة؟
(اقرأ حتى تعلم أنك لا تعلم إلا قليلا) و(اجلس في الظل لترى ما في الضوء) باقات من الشكر والامتنان لهذا الحديث الرائع ونتمى لك التوفيق.
“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي “
“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي
حوار: فرح تركي العامري
“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي حوار: فرح تركي العامري أديب من مدينة كربلاء، يكتب الرواية والقصة والنقد والبحوث والسيناريو، ترك بصمة مميزة في ادب القصة القصيرة، كتاباته تأخذ طابع فلسفي، والمتانة اللغوية وتوظيف الرمز في كتاباته ناصجة ومهمة، الكاتب محمد الميالي الذي أوجز فادهشنا، والذي حفر في أديم الارض فوجد لنا نبوءته، رسم خطوط حقيقية لنسير عليها لكيلا نقع في مكائد رحم الشيطان، تجربة ادبية نستخلصة من انسان حكيم، رفيع الذوق، متعلم ويعلم، هو مدرسة في السرد وله امكانياته وارائه الخاصة التي تعرفنا على جزء منها من خلال هذا الحوار…
•الأديب محمد الميالي بين القصة والسيناريو، هوية يعالجها ابداعك ويرسمها قلمك، من انت بينهما؟
_القصة والسيناريو بينهما تعالق لا يمكن فصله، وكأنهما من أديم واحد، وكلاهما يسبحان في فضاء ابداعي يرتكز تارة على الواقية وتارة أخرى على الخيال الذي مهما ابتعد لا يمكن له الانفصال عن الواقعية كونه منها وإليها، ولهذا التعالق دور في تحسين البناءات الفنية إن كانت خاصة في بنية القصة أو في بنية السيناريو، وجميل جدا أن يكون للكاتب قدرة على امتلاك أدواتهما معا رغم ندرة هذا الأمر عند أغلب الكتاب، وقد ينحصر في ثلة قليلة، مما يمنح الكاتب فسحة أوسع لخلق تفاعل فني وابداعي مثير، وأرى أني وفقت في كل منهما، وحققت في القصة والسيناريو جوائز دولية مختلفة، وأدخلت القصة الى المسرح والسينما والتلفزيون.
•في روايتك «نبوءة الاديم» وظفت الحيوان ليكون رسالة إلى الأنسان، في كشف الكثير من المؤامرات التي تحاك ضده، هل نحن في خطر كما الرواية، هل تنبه احدنا وأنتشر الوعي بسببها؟
_مهم جدا للكاتب أن يكون رساليا، وأن يوظف قلمه لخدمة الانسان أولا، رواية نبوءة الأديم رسالة إنسانية تتحدث عن حقبة امتدت من ثمانينيات القرن الماضي والى العشرة الأولى من القرن الحالي وما دار فيها من عبث القوى الدولية في مقدرات الانسان، واستخدمت الحيوانات كشخصيات مزدوجة الأدوار، فكان كل منهما يمثل نفسه كحيوان تعرض الى ظلم بني آدم، وفي نفس الوقت يمثل ظلم الانسان لنفسه ولغيره من المخلوقات، ودعاة الشر لم يسلم منهم أي مخلوق، وعلى الانسان أن يعرف دوره في هذا الحياة وأن لا يكون وسيلة للعبث، على اعتبار أن الله منحه الخلافة في الأرض، ولا أدري هل وصلت رسالتي أم لا وسط هذا الضجيج.
• ما هي مقاييس الجمال التي يتم الحكم عليها وبها في هذه الدنيا والسؤال الأهم لماذا يهتم الناس، كل الناس او بعضهم في الجمال وهل هذا مطلب مشروع؟
_الجمال ظاهرة فيزيائية متغيرة خاضعة لعوامل تكوينية مختلفة واقعة تحت تأثير عوامل عدة، وبينت ذلك في بحث لي خاص عن الجمال بعنوان ( غبش الصورة: تمثلات الجميل في السؤال الفلسفي) ومقاييس الجمال متغيرة أيضا ولا يوجد ما يدل على ثباتها، فضلا عن أن أصل مفهوم الجمال في العالم الترابي هو تمثل أو تشبيه لا في الأصل، ويستصحب الأمر على كل شيء خلق من تراب، وكل شيء أصله تراب لا يمثل نسبة جمالية ولو بمقدار بسيط، الجمال المطلق لله وحده سبحانه وتعالى، وما دونه جمال عيني بنسبة ضئيلة هي في انعكاس النور، وما يخلق من نور وليس من تراب، وكل ذلك في العالم العلوي، والحديث والأدلته طويلة في هذا المقام.
• القصة والوجيز، وهذا الفن الادبي الذي اظهرت اراء مختلفة عن التي سبق وانتشرت، السؤال هو كيف تصاغ الدهشة منها، هلا حدثتنا؟
_بصراحة أنا أقف مذهولا أمام ما أسمع في المؤتمرات والندوات الخاصة في القصة القصيرة جدا، وكذلك ما ينشر على المنصات من آراء متناقضة جدا، وكأن الأمر مجرد كتابة أو مشاركة دون دراسة حقيقية لهذا الجنس، ومن أغرب ما لاحظته هو اعتماد الأغلبية في اطروحاتهم كأدلة على قصة أرنست هومنغواي ( للبيع حذاء طفل لم يلبس بعد) والتي تتكون من ستة كلمات فقط، ونصوص نتالي ساروت التي أسمتها انفعالات والتي يتكون كل نص منها على اكثر من خمسمئة كلمة، والسؤال هو كيف لي أن أتخذهما أدلة على البنية الفنية للقصة القصيرة جدا والفارق ما بينهما كبير وعنصر التكثيف من أبرز العناصر التي تميز هذا الجنس، فضلا عن أن قصة همنغواي ليس فيها عناصر القصة القصيرة جدا، ونصوص نتالي ساروت انفعالات كما أسمتها هي وليست قصص قصيرة جدا كما ادعى مترجمها المصري، وهي أقرب الى الخاطرة، لذلك أنا قدمت دراستي وبينت أن القصة القصيرة تعتمد على ثلاثة أركان وهي ( الحبكة ـ التكثيف ـ المفارقة) وفي هذا تفصيل في كتابي دهشة الوجيز.
• لماذا يكتب محمد الميالي، وهل الكتابة هدف أم انتشار الافكار التي تنشر الوعي هي من تجعل للكتابة قيمة وسبب؟
_الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل وترويح نفسي، والكتابة رسالة متعددة المهام، مهام وجدانية وتربوية واجتماعية وثقافية مختلفة، كما أنها من أهم مهام الانسان في هذه الحياة، والكتابة وسيلة تعبير لها مساحة أوسع من الكلام الشفاهي، وهي باقية لأزمنة متعددة، كما وصلنا من قرون عديدة، من كتب الفلاسفة والعلماء في كل أنواع العلوم في الطب والفيزياء والكيمياء والأدب وغيره. لذلك أشعر أني أبعث برسالة الى الأزمنة، بغض النظر عن احتمالية وصولها من عدمه، من يدري قد تعجب كتاباتي أناس ليس ممن أجايلهم الآن، علينا أن نكتب ولكن بشرط أن يبنى على قناعة تامة بما نكتب وترك لغيرنا التقييم.
• أين أنت من الاضواء، لماذا لا تبحث عنها، أو لماذا هي لا تجدك؟
_الظهور في الأضواء يحتاج الى خسائر معينة، ولا يمكن أن أقدمها مهما قدمت الشهرة لي، وهي ليست خسائر مادية بل معنوية وقيمية، وأغلب المشاهير هم وعاظ السلاطين، وخدمتهم ماكنة السلاطين الإعلامية، ومن المشاهير من تنازل عن شرف الكتابة واستخدم المغريات التي يبحث عنها من يريد افساد المجتمع العربي الإسلامي، والقلة القليلة التي نال الشهرة بوجدان سليم وقلم شريف، لا يورقني كثيرا البحث عن الشهرة في دهاليز الكتابة رغم أهميتها. كما أن عقيدتي الدينية المعلنة وقفت عارضا أمام ظهوري الإعلامي، ولم يحزنني هذا أبدا، بل سعدت بنفسي وأنا محتفظ بكل القيم التي أؤمن بها.
• هل النقد الادبي عجلة تسير بحيادية ام أن هناك مجاملات في الخفاء، ما هي التقاطاتك الحية عن ذلك؟
_من أسوء ما شهدته أثناء مسيرتي الأدبية والفنية ما يحدث في الساحة النقدية وما تفرزه من شوائب وشبهات معيبة ولا تليق بالأدب وقيمه السامية، فقد طافت على السطح قراءات اعتمدت المحاباة والمجاملات والبيع بثمن بخس، وقد يأتينا زمان نصل الى مرحلة نسمي الساحة النقدية بسوق النخاسة، كما يعتمد البعض على الانتماء الأيديولوجي، وهناك فكر أيديولوجي معين في العراق مهيمن تماما على الساحة النقدية الأدبية ويمجد كل ما ينتج من وسطهم الأدبي ولو كان تفاها، على حساب ما ينتجه الأدباء الآخرون، النقد في منزلق خطير جدا، علما أن معظم كتاباتي تناولتها أقلام نقدية محترمة من العراق وخارجه، لكن الحقيقة يجب أن تقال.
• ما هي الرسالة الرمزية التي بعثتها من خلال روايتك رحم الشيطان؟
_في هذا الرواية رسائل متعددة، أهمها الكيفية التي يستخدم بها أشخاص عراقيين ذو كفاءات من قبل جهات خارجية، خاصة طلاب العلوم في الجامعات العالمية، وكيفية استغلال علمهم وكفاءاتهم لصالح تلك الدول، وفيها رسالة مهمة تتعلق بالتدوير السياسي الذي تعتمده الدول العظمى للتحكم بمقدرات الشعوب في الشرق الأوسط، من تشكيل أحزاب، وتحضير شخصيات للقيادات في مطابخ المؤسسات المخابراتية، فضلا عن الدور الكبير الذي يقدمه الشاب المثالي المتسمك بقيمه وتقاليده وأعرافه ومتبنياته الأخلاقية والتربوية، كذلك ما تعرض له الشعب العراقي بكل الأعمار والأطياف من استهداف وحشي من خلال المفخخات.
• لماذا انت مقصر مع القصص القصيرة جداً، وهو تؤيد وجود مجلات متخصصة بهذا الفن الادبي كما هناك مسابقات خاصة به؟
_ما بعد عام 2010 الى عام 2016 تقريبا كانت هذه المدة الزمنية الذهبية للقصة القصيرة جدا، وقدم فيها عشاق هذا الجنس أروع القصص، إلا أن المتسلقون الذين يتواجدون في كل مكان عاثوا في أوساط الرابطات وأثاروا الفتن وطرحوا تكهنات بائسة أسموها ابتكارات جديدة، كما لعبت المسابقات والقائمين عليها دور كبير في خلخلة البنية الفنية لهذا الجنس وخاصة لجان التحكيم التي لا تملك مؤهلات التحكيم، لذلك انسحبت الكفاءات ومن يمثل رصانة كتابة هذا الجنس من الساحة، وتركتها لمن هب ودب وأصبح كل ما يكتب من تفاهات يطلق عليه قصة قصيرة جدا، مع احترامي لبعض الكتاب وبعض المهتمين الذين مازالوا يتابعون المشهد.
• أين تضع أسمك في لوح الاجتهاد وهل انت راض عن نفسك، في الادب او في الحياة؟
_أنا مجتهد منذ طفولتي، وكنت أمارس كثير من النشاطات المدرسية الرياضية والفنية، ولعبت كرة السلة في فريق المدرسة وكرة القدم وهي معشوقتي، ونشاطات أخرى كثيرة، أما في الجانب الأدبي فقد دخلت فيه متأخرا بسبب ظروف قاهرة مرت بي في فترة شبابي، وما قدمته في الفترة الأخيرة يعد مثاليا، في الرواية والقصة والبرامج التلفزيوينة، والسيناريوهات السينمائية والدرامية بشكل عام، لذلك أرى أني راض عن نفسي، وهناك مشاريع أدبية سنعلن عنها قريبا إن شاء الله تعالى.
• أسم أنسان قريب الى نفسك، من عائلتك أو الاصدقاء، لا ترى زينة الحياة الا من عينيه؟
_ولدي الوحيد حسين وأخواته الست وأمهم، كل ما أملك في هذه الحياة، أما في الصداقة فليس لي نصيب مطلقا للأسف، وفي أول أيام شبابي صدمت بصديق، وغابت عني الصداقة بمفهومها الأصيل، وبقيت قشورها والتي تعتبر علاقات عامة لا أكثر.
• هل الفوز بمسابقة أدبية هو الباعث الاول للأنتشار عربيا أو عالميا؟
_أكيد الفوز بجائزة عالمية مثل البوكر على سبيل المثال وكل مسابقة حسب حجمها، له أثر على الانتشار والشهرة، والغريب أن من يشتهر ولو بسرقة يصبح كل ما يكتبه محط اعجاب ولو كان بلا قيمة أدبية او فنية، كون الانسان يعتمد في أغلب الأحيان في قراراته على تقييم مسبق يحتفظ به يكون عامل مؤثر في قراره الجديد.
• صف لي الحياة من وجهة نظرك في كربلاء وكم استلهمت منها في كتاباتك ومشاهدك التي ترصدها؟
_(كربلاء عالم تختصره كلمة، وأمة يترجمها حرف، عرش الله في الأرض، وماء وضوء الفرض، فلسفتها خضاب، وترابها رُضاب) هذا ما قلته عن كربلاء ومعظم كتاباتي هي من وحي كربلاء، كربلاء فتح آت، وسفر يمنح الحياة حياة، وروايتي القادمة هي عن كربلاء، فكلي كربلاء.
• نقول للأديب الانسان المهذب «محمد الميالي» قل لنا كلمة تبقى حاضرة في ذاكرة القارئ من عميق قراءئتك في الحياة؟
(اقرأ حتى تعلم أنك لا تعلم إلا قليلا) و(اجلس في الظل لترى ما في الضوء) باقات من الشكر والامتنان لهذا الحديث الرائع ونتمى لك التوفيق.
التعليقات