تقديم
لم يعد البحث العلمي في العصر الرقمي نشاطا معرفيا محايدا أو منعزلا عن السياقات الاجتماعية والثقافية بل غدا مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والتكنولوجيا. وفي هذا الاطار، يبرز حضور المرأة العالمية في البحث العلمي بوصفه ظاهرة دالة على تحوّل بنيوي في أنماط إنتاج المعرفة وتداولها. فبعد قرون من التهميش الرمزي والمؤسسي، أتاح التحول الرقمي للمرأة إمكانات جديدة للمشاركة والقيادة العلمية بما يستدعي مقاربة تحليلية تتجاوز منطق الإحصاء والتمثيل العددي نحو فهم أعمق لدلالات هذا الحضور وأبعاده الفلسفية.
وإذا رتبطت المعرفة العلمية، تاريخيا، بنموذج ذكوري يرى في العقل صفة محايدة بينما يمارس في الواقع إقصاء ممنهجا للمرأة فإن التطورات الرقمية كسرت، إلى حدّ بعيد، هذه البنية المغلقة. فالرقمنة لم تغيّر فقط أدوات البحث بل غيرت شروط إنتاج المعرفة ذاتها، وفتحت المجال أمام أنماط جديدة من المشاركة، أتاحت للمرأة تجاوز العوائق الجغرافية والمؤسسية والثقافية التي كانت تحول دون اندماجها الكامل في الفعل العلمي.
في هذا السياق، لم تعد المرأة في البحث العلمي مجرد مستهلكة للمعرفة أو مشاركة هامشية فيها بل أصبحت منتجة للمعنى، وقائدة لمشاريع بحثية عابرة للتخصصات والحدود. فالعالِمة اليوم تنخرط في مختبرات افتراضية وتقود فرقا بحثية دولية، وتُسهم في تطوير: الذكاء الاصطناعي، الطب الرقمي، علوم البيانات، والتكنولوجيا الحيوية، وهذه المجالات تُعد من أكثر الحقول تأثيرا في مستقبل الإنسانية. ولا يقتصر هذا الدور على الإنجاز التقني بل يتجاوزه إلى مساءلة الأبعاد الأخلاقية والمعرفية للعلم ذاته، وهو ما يمنح الحضور النسائي قيمة فلسفية مضاعفة.
وإذن، في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشكل فيه المعرفة عبر الشاشات، الاجراءات الحسابة، الخطوات والطرائق المنهجية ، أين تقف المرأة الباحثة؟ هل وجدت في التحول الرقمي مساحة تعبّر فيها عن ذاتها العلمية وتحقق حضورا يعكس كفاءتها وطموحها أم ما تزال تصطدم بحواجز غير مرئية تُقيّد صوتها وتحدّ من أثرها؟ وبين الإلهام الذي تصنعه تجارب نسائية رائدة، والأسئلة التي تفرضها التجربة اليومية للمرأة في البحث العلمي، كيف يمكن فهم رحلتها اليوم: كرحلة تمكين حقيقي أم كصراع مستمر من أجل الاعتراف والوجود؟
المرأة والمعرفة العلمية بين الإقصاء التاريخي والتحول الرقمي
ارتبط تاريخ العلم الحديث، في جانب كبير منه، بنموذج معرفي ذكوري رسّخ صورة العالم بوصفه فاعلا محايدا بينما مارس في الواقع إقصاءا منهجيا للمرأة. وقد انعكس هذا الإقصاء في ضعف تمثيلها داخل المؤسسات البحثية، وفي محدودية الاعتراف بإسهاماتها العلمية. غير أن التحولات الرقمية أسهمت في زعزعة هذه البنية، عبر إعادة تشكيل فضاءات البحث، وتحرير المعرفة من القيود الجغرافية والمؤسسية، بما أتاح للمرأة إمكان الاندماج في شبكات علمية عابرة للحدود.
هنا يطرح تساؤل مهم:كيف أسهم التحول الرقمي في إعادة تمكين المرأة علميا وتجاوز أشكال الإقصاء التاريخي في مجال المعرفة العلمية؟
لفهم العلاقة المركبة بين المرأة والمعرفة العلمية، لا يكفي الاكتفاء بسرد مظاهر الإقصاء التاريخي أو المطالبة بالمساواة الشكلية في فرص التعليم والبحث أننا يتطلب الأمر تفكيك البنى العميقة التي تشكّل إنتاج المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست نشاطا عقليا خالصا يعمل في فراغ اجتماعي بل هي ممارسة تاريخية مشروطة بسياقات ثقافية، وسياسية، ومؤسسية. من هنا تكتسب المقاربات الفلسفية التي كشفت الطابع غير المحايد للمعرفة أهمية مركزية في تحليل موقع المرأة داخل الحقل العلمي.
تتقاطع المعرفة والسلطة في علاقة جدلية لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر، كما في فلسفة ميشال فوكو، المعرفة لا تُنتج فقط لوصف العالم بل تُسهم في تنظيمه وضبطه عبر ما يسميه فوكو بـ:”انظمة الحقيقة”. وهي أنظمة تحدد ما يُعتبر معرفة مشروعة، ومن يُعترف به كمنتِج لها، وما هي الخطابات التي تُقصى أو تهمَّش. ووفق هذا المنظور، لا يمكن فهم الإقصاء التاريخي للمرأة من العلوم بوصفه مجرد نتيجة لتحيزات فردية أو عوائق اجتماعية عرضية بقدر ماهو أثرا لبنية معرفية-سلطوية أعلت من شأن نموذج معين للعقلانية ارتبط تاريخيا بالذكورة، وربط الموضوعية بالمسافة العاطفية، والتجريد، والسيطرة على الطبيعة1. في مقابل ذلك، وقع تمثيل المرأة-رمزيا- بوصفها أقرب إلى الجسد والعاطفة والخصوصية، وهي صفات جرى اعتبارها نقيضا للمعرفة العلمية الصارمة.
غير أن الفلسفات النسوية المعاصرة، وخصوصا الإبستمولوجيا النسوية، لم تكتف بالكشف عن هذا الإقصاء بل ذهبت إلى مساءلة الأسس التي قام عليها الادعاء الحداثي بالحياد والكونية2. تؤكد مفكرات مثل ساندرا هاردينغ أن ما يُقدَّم باعتباره معرفة موضوعية هو في كثير من الأحيان تعبير عن موقع اجتماعي مهيمن، وأن تجاهل شروط إنتاج المعرفة يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات السلطة داخل العلم نفسه. ومن هنا تطرح هاردينغ مفهوم: الموضوعية القوية، التي لا تقوم على إنكار الموقع الذاتي للباحث بل على الوعي به ونقده، والانفتاح على وجهات نظر متعددة، خاصة تلك التي جرى تهميشها تاريخيا. أما دونا هاراواي، فتذهب في اتجاه أكثر راديكالية من خلال مفهومها عن المعارف المتموضعة حيث ترفض فكرة الرؤية الكلية من “لا مكان”، وتؤكد أن كل معرفة هي معرفة جزئية متجذرة في موقع جسدي وتاريخي محدد 3. لا يعني ذلك السقوط في نسبوية مفرطة بل الاعتراف بأن تعدد المنظورات يتيح فهما أكثر تعقيدا وثراءا للعالم. من هذا المنظور، تصبح مشاركة المرأة في البحث العلمي ليست مجرد تصحيح لاختلال عددي أو استجابة لمطلب أخلاقي بل شرطا معرفيا لإنتاج علم أكثر دقة لأنه يستوعب تجارب وأسئلة ومشكلات لم تكن مرئية داخل النموذج المعرفي السائد.
وفي سياق التحول الرقمي، تكتسب هذه النقاشات أبعادا جديدة. فاستحضار تصور يورغن هابرماس للمجال العمومي يسمح بفهم الفضاءات الرقمية بوصفها إمكانا لإعادة توزيع سلطة الكلام والمعرفة. فالمنصات الرقمية، من حيث المبدأ، تتيح تجاوز بعض القيود المؤسسية التقليدية التي طالما حدّت من وصول النساء إلى دوائر النشر والتأثير العلمي.4 غير أن هذا المجال العمومي الرقمي ليس محايدا بدوره. إذ يخضع لمنطق الخوارزميات، واقتصاد الانتباه، وهيمنة الشركات التقنية الكبرى، ما قد يعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء والعنف الرمزي، مثل التقليل من المصداقية، أو التنمّر، أو تسليع المعرفة.
لذلك، فإن حضور النساء في الفضاء العلمي الرقمي يتطلب وعيا نقديا مزدوجا: وعيا بإمكانات التحرر التي يتيحها هذا الفضاء، ووعيا بالمخاطر التي ينطوي عليها. فالمرأة الباحثة لا تواجه فقط تحديات تقنية تتعلق بالوصول إلى الأدوات الرقمية أو المهارات بل تخوض أيضا صراعا رمزيا حول تعريف ما يُعتبر معرفة قيّمة، ومن يملك سلطة التقييم والاعتراف، وما هي المعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم البحث العلمي في عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
إن الجمع بين مقاربات فوكو النقدية، والإبستمولوجيا النسوية، ونظرية المجال العمومي، يسمح بفهم التحول الرقمي لا بوصفه قطيعة تامة مع الماضي بل كمرحلة إعادة ترتيب معقدة للعلاقة بين المعرفة والسلطة. ففي هذا السياق، لا يكون الرهان الحقيقي محصورا في زيادة عدد النساء في المختبرات، أو في قوائم المؤلفين، أو على المنصات البحثية الرقمية انما في إحداث تحول نوعي في الثقافة العلمية ذاتها: تحول يعيد تعريف العقلانية بوصفها ممارسة نقدية منفتحة، ويعيد النظر في معايير التفوق العلمي، ويؤسس لأخلاقيات بحث تعترف بالتعدد، المسؤولية الاجتماعية والعدالة المعرفية.
وبهذا المعنى، فإن حضور المرأة في العلم-خاصة في زمن التحول الرقمي-لا يمثل مجرد إضافة عددية إلى بنية قائمة بل إمكانية لإعادة تخيّل العلم نفسه: علم أقل ادعاءا بالحياد المطلق، وأكثر وعيا بشروطه وحدوده، وأكثر قدرة على الاستجابة لتعقيد العالم المعاصر.
أسهم التحول الرقمي كذلك، بشكل ملحوظ ، في تمكين المرأة العربية من الوصول إلى المعرفة العلمية، وساهم في الحد من بعض مظاهر الإقصاء التاريخي التي عانت منها في هذا المجال. فقد أتاح الفضاء الرقمي فرصا غير مسبوقة للتعلّم الذاتي، والتعليم عن بعد، والوصول إلى مصادر علمية مفتوحة مثل: المنصات التعليمية، الدوريات الإلكترونية، والدورات العالمية دون الارتباط بقيود المكان أو بعض العوائق الاجتماعية التقليدية.
دور المرأة في كتابة البحوث الأكاديمية والمقالات تحت تأثير الذكاء الاصطناعي
لم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الحقل الأكاديمي بوصفه حدثا تقنيا محضا بل كتحول عميق في طريقة التفكير والبحث والكتابة. وفي قلب هذا التحوّل، وجدت المرأة الباحثة نفسها أمام سؤال فلسفي قبل أن يكون مهنيا: كيف يمكن الاستفادة من الآلة دون أن تفقد الكتابة روحها، ومنهجها، ومسؤوليتها الأخلاقية؟ هذا السؤال لم يكن عائقا بل أصبح نقطة انطلاق لوعي جديد بدور المرأة في إنتاج المعرفة.
تاريخيا، واجهت النساء في البحث العلمي تحديات تتعلق بالوقت، والتمويل، والاعتراف الأكاديمي. ومع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، انفتح هامش جديد من الإمكانات. لم تعد الباحثة مضطرة لاستهلاك جهدها الكامل في الأعمال التقنية المتكررة مثل: تنظيم المراجع أو معالجة كميات ضخمة من البيانات بل صار بإمكانها توجيه طاقتها نحو جوهر البحث: صياغة السؤال، وبناء الفرضية، والتفكير النقدي. هنا، لم يكن الذكاء الاصطناعي بديلا عن العقل بل مساحة صمت تسمح له أن يعمل بعمق.
في هذا السياق، برزت نماذج نسائية عالمية تعاملت مع الذكاء الاصطناعي بوعي فلسفي لا انبهار أعمى. على سبيل المثال: في مجال الطب الحيوي، استخدمت باحثات مثل جوي بولامويني أدوات الذكاء الاصطناعي لا لتحسين الأداء البحثي فحسب بل لكشف تحيزاته خصوصا ضد النساء وذوي البشرة الملونة. مساهمتها لم تكن تقنية فقط بل أخلاقية ومعرفية، إذ أعادت طرح سؤال: لمن تُكتب الخوارزميات؟ ومن يُستثنى من نتائجها؟
وفي العلوم الاجتماعية، نجد باحثات استخدمن تقنيات تحليل النصوص المدعومة بالذكاء الاصطناعي لدراسة الخطاب السياسي أو الإعلامي چلكن مع إضافة حس نقدي إنساني. فبدل الاكتفاء بالنتائج الإحصائية، عملت هؤلاء الباحثات على تأويل المعاني والسياقات، مبرزات أن الأرقام وحدها لا تفهم الألم الإنساني ولا التجربة الاجتماعية المعقّدة. هنا يتجلى دور المرأة في حماية البحث من التحوّل إلى ممارسة آلية باردة
وقد استفادت آلاف النساء العربيات من منصات التعليم المفتوح مثل رواق وإدراك، حيث تمكنّ من دراسة مجالات علمية كعلوم الحاسوب، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الصحية دون الحاجة إلى الالتحاق بمؤسسات تقليدية قد تكون مقيدة اجتماعي. مثال: اتاحت المجلات العلمية الإلكترونية وقواعد البيانات المفتوحة للباحثات العربيات نشر أبحاثهن والمشاركة في مؤتمرات افتراضية دولية، وهو ما خفّف من عوائق السفر والتكاليف.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في إبراز عالِمات ومهندسات عربيات يشاركن تجاربهن العلمية، مما شجّع فتيات كثيرات على دخول مجالات ستام. مثال: طبيبات وباحثات عربيات يقدمن محتوى علميًا مبسّطا على يوتيوب وإنستغرام وتيك توك.
استخدمت نساء عربيات التكنولوجيا لإطلاق مشاريع علمية وتكنولوجية ناشئة خاصة في مجالات الصحة الرقمية والتعليم الإلكتروني.مثال: رائدات أعمال في الإمارات وتونس أسسن منصات تعليمية رقمية أو تطبيقات صحية مبنية على البحث العلمي. وخلال جائحة كورونا، مكّن التعليم والعمل عن بُعد الكثير من النساء العربيات من الاستمرار في الدراسة والبحث العلمي رغم الأعباء الأسرية، وهو ما كان صعبا قبل التحول الرقمي.
كل هذه الأمثلة تبيّن أن التحول الرقمي لم يُلغِ الإقصاء التاريخي كليًا لكنه فتح مسارات جديدة للمرأة العربية للوصول إلى المعرفة العلمية، والمشاركة فيها، وإعادة بناء موقعها داخل المجال العلمي. كما مكّن التحول الرقمي المرأة العربية من المشاركة في الإنتاج المعرفي من خلال البحث العلمي، والنشر الإلكتروني وبناء شبكات تواصل علمية عابرة للحدود، ما عزّز حضورها في مجالات كانت تُعدّ حكرا على الرجال. وأسهمت وسائل التواصل الرقمي في إبراز نماذج نسائية عربية ناجحة في العلوم والتكنولوجيا، وهو ما ساعد في تغيير الصور النمطية وتعزيز الطموح العلمي لدى الفتيات.
ومع ذلك، لا يزال هذا التمكين يواجه تحديات حقيقية، من أبرزها الفجوة الرقمية، وضعف البنية التحتية في بعض الدول العربية، إضافة إلى العوائق الثقافية والاجتماعية التي تحدّ من استفادة المرأة الكاملة من الفرص الرقمية. كما أن محدودية السياسات الداعمة للبحث العلمي النسوي، وضعف تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار العلمي، ما تزال تشكّل عائقا أمام تحقيق المساواة المعرفية الكاملة.
وعليه، يمكن القول إن التحول الرقمي شكّل أداة فعّالة لإعادة إدماج المرأة العربية في مجال المعرفة العلمية لكنه يظل غير كاف ما لم يُدعَم بإصلاحات تعليمية، وتشريعات منصفة، وتغيير ثقافي يرسّخ حق المرأة في العلم والمعرفة بوصفه حقًا إنسانيًا وتنمويا أساسيا. اما في مجال المقالات الأكاديمية والإنسانية، فقد أعادت المرأة تعريف فعل الكتابة نفسه. فالكثير من الأكاديميات يستخدمن الذكاء الاصطناعي كمسودة أولى أو أداة مساعدة في التنظيم، ثم يقمن بتفكيك النص وإعادة بنائه بلغة شخصية مسؤولة. هذا الفعل يشبه، من حيث الجوهر، الحوار مع نصّ صامت: الآلة تقترح، والباحثة تقرّر. وهنا يظهر الفرق بين استخدام واع للتقنية واستخدام يفقد الكاتب صوته.
ومن النماذج الملهمة أيضا نساء يعملن في تقاطع الذكاء الاصطناعي والفلسفة، مثل لوسي سوشمان.. اللواتي شددن على أن المعرفة ليست محايدة، وأن كل أداة تقنية تحمل ضمنيًا رؤية للعالم. هذا الوعي جعل كثيرًا من الباحثات أكثر حذرا في اعتماد الذكاء الاصطناعي وأكثر التزاما بالشفافية والمنهجية، وهو ما انعكس على جودة البحوث ومصداقيتها.
ان المرأة العالمية في البحث العلمي اليوم لا تكتب فقط باستخدام أدوات جديدة بل تكتب من موقع مساءلة. فهي تسأل: كيف نضمن أن يبقى البحث فعلا إنسانيا؟ كيف نحافظ على النزاهة العلمية في زمن السرعة؟ وكيف نُدرّب الأجيال القادمة على التفكير لا على النسخ؟ هذه الأسئلة ليست تقنية بل فلسفية بامتياز، وتكشف عن دور المرأة بوصفها حارسة للمعنى داخل المعرفة.
يمكن القول إن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يُذِب صوت المرأة في البحث العلمي انما منحه شكلا اكثر وعيل ونضجا. النماذج النسائية الملهمة اليوم لا تنافس الآلة، ولا تخشاها بل تستخدمها دون أن تتنازل عن جوهر الكتابة الأكاديمية: الصدق، المسؤولية، والقدرة على رؤية الإنسان خلف البيانات. وهذا في جوهره هو البحث العلمي حين يكون فعلا أخلاقيا قبل أن يكون إنجازا معرفيا.
3-تحديات الحضور النسائي في الفضاء الرقمي
في ظل الرقمنة، لم تعد المرأة فاعلا ثانويا في الحقل العلمي بل أصبحت قائدة لمشاريع بحثية دولية، ومساهمة في مجالات معرفية متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، الطب الحيوي، علوم البيانات، والتكنولوجيا الرقمية. ويتميز هذا الحضور الريادي بقدرته على الجمع بين الكفاءة التقنية والرؤية النقدية، حيث لا يقتصر إسهام المرأة على إنتاج المعرفة بل يمتد إلى مساءلة آثارها الأخلاقية والاجتماعية خاصة في ما يتعلق بعلاقة العلم بالإنسان والعدالة والبيئة.
لم تعد مشاركة المرأة في البحث العلمي مجرد قضية عدالة أو تصحيح تاريخي بل أصبحت عاملا جوهريا في إعادة تشكيل مفهوم المعرفة ذاتها. فبينما كانت العلوم الحديثة، منذ نشأتها، محكومة بتصورات عن الموضوعية والعقلانية استندت غالبا إلى معايير ذكورية وغربية، تأتي اليوم مساهمات الباحثات لتعيد طرح أسئلة أساسية: ما معنى المعرفة؟ من يملك حق الحديث باسم الحقيقة؟ وكيف تتشكل المعايير العلمية؟
المرأة في الحقل العلمي المعاصر لا تقتصر على كونها مشاركة سلبية ضمن منظومة قائمة بل تتبوأ أدوارا ريادية تغير قواعد اللعبة. فهي تقود فرقا بحثية تؤسس مختبرات جديدة، وتفتح مجالات علمية لم تكن مأهولة سابقا، من علوم البيانات والذكاء الاصطناعي إلى علوم المناخ والهندسة الحيوية. وما يميز هذه الريادة ليس فقط حجم الإنجاز أو عدد الأوراق المنشورة بل القدرة على إدخال رؤى جديدة ومنهجيات مبتكرة، تعكس تجارب وملاحظات كانت غائبة عن النظرية التقليدية أو تم إهمالها تحت مظلة “الموضوعية المطلقة”.
من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذه الظاهرة عبر عدسة فوكو، الذي يبين أن إنتاج المعرفة هو فعل متشابك مع السلطة. حين تدخل المرأة مجالات كانت تاريخيًا محجوزة للذكور، فهي لا تتحدى الأرقام والإحصاءات فقط، بل تعيد توزيع السلطة الرمزية والعلمية. إن كل مختبر جديد تديره باحثة، وكل فرضية تضعها، وكل مشروع ابتكاري تطلقه يشكل إعادة تعريف للعقلانية، وإشارة إلى أن المعايير العلمية ليست موضوعية بطبيعتها، بل نتاج سياقات اجتماعية وثقافية محددة يمكن نقدها وتطويرها.
الإبستمولوجيا النسوية تضيف بعدا مهما لهذا النقاش. فهي تشير إلى أن دمج المرأة في البحث العلمي لا يُثري العدد فحسب بل يثري المعرفة نفسها. إذ أن تعدد المواقع المعرفية يتيح استكشاف المشكلات من زوايا مختلفة، وطرح أسئلة كانت غير مطروحة في السابق. على سبيل المثال: أبحاث المرأة في الطب غالبا ما كشفت عن تحيزات في التجارب السريرية، إذ كانت العينات والتجارب التاريخية تركز على الذكور، ما أدى إلى فجوات معرفية كبيرة أثّرت على تشخيص وعلاج النساء. هنا، لا تكون المساواة مجرد حق اجتماعي بل شرط أساسي لإنتاج علم موثوق وشامل.
إذا أردنا أن نرى هذه الريادة تجسيدا عمليا، نجد أمثلة عديدة: جينيفر دودنا وإيمانيول شاربانتييه، اللتان ساهمتا في تطوير تقنية CRISPR-Cas9
(كريسبر-كاس9….ويُقصد بها تقنية متقدمة في تحرير الجينات.) تعديل الجينات، ما فتح آفاقا غير مسبوقة في الطب والزراعة، وأعاد تعريف حدود الإمكانات العلمية مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية لاستخدام هذه التكنولوجيا.
كاثرين جونسون، العالمة في وكالة ناسا، التي لعبت دورا محوريا في الحسابات الرياضية لرحلات الفضاء الأمريكية، وأثبتت أن التفكير الرياضي الدقيق لا يرتبط بالهوية الجنسية بل بالمهارة والرؤية التحليلية.
جيمسيا شيلدز في علوم المناخ، التي قادت أبحاثا حول تأثير الاحتباس الحراري على البيئات الساحلية، وأظهرت أن إدماج وجهات نظر محلية ومجتمعية في النماذج العلمية يزيد من دقتها وفعاليتها.
في الذكاء الاصطناعي، تعمل فيفيان جوهارا وفريقها على تطوير خوارزميات أخلاقية تقلل التحيز، وتضع في الاعتبار التنوع الاجتماعي والثقافي وهو مثال حي على كيف يمكن للنساء إعادة تصميم أدوات العلم نفسها.
هنا تتجلى العلاقة بين النظرية والتطبيق بشكل واضح: ما كشفت عنه فوكو من أن المعرفة هي ممارسة سلطة يتجسد في معايير النشر، الاعتراف الأكاديمي وإدارة الموارد البحثية، يتجسد عمليا في محاولات النساء لإعادة رسم هذه المعايير وإعادة توزيع سلطة المعرفة. والإبستمولوجيا النسوية تجد تأكيدا حيا في هذه الأمثلة، إذ أن إدماج المرأة لا يعزز فقط العدالة بل يوسع نطاق المعرفة نفسها، ويمنحها أبعادا لم تكن ممكنة ضمن النموذج العلمي التقليدي.
التحولات الرقمية تزيد من قوة هذا التأثير، إذ تتيح للباحثات من مواقع جغرافية مختلفة المشاركة في الحوار العلمي العالمي، مع القدرة على تحدي التحيزات المؤسسية التاريخية لكنها أيضا تتطلب وعيا نقديا مستمرا، إذ يظل المجال الرقمي معرضا للهيمنة الاقتصادية والتقنية التي يمكن أن تعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء، ما يجعل حضور المرأة الريادي مسؤولية مزدوجة: الابتكار والمعرفة من جهة، المراقبة النقدية والتحكيم الأخلاقي من جهة أخرى.
ويمكن النظر إلى الريادة النسائية في البحث العلمي المعاصر باعتبارها أكثر من إنجازات فردية: إنها إعادة كتابة لتاريخ المعرفة، وممارسة مستمرة لإعادة تعريف العقلانية والموضوعية، وإشارة واضحة إلى أن العلم ليس مجرد تراكم حقائق، بل ممارسة إنسانية تتشكل من تفاعل متعدد الأبعاد بين الفكر، التجربة، والقيم الأخلاقية. المرأة، بهذا المعنى، ليست مجرد مشاركة في العلوم بل محرك للتحول المعرفي والثقافي، وبوابة نحو علم أكثر شمولية وإنسانية.
اذن تكشف النماذج النسائية الملهمة في البحث العلمي العالمي عن تحول عميق في تصور القيادة العلمية. فقيادة المرأة لا تقوم فقط على الكفاءة التقنية بل على القدرة على التفكير الشبكي، والعمل التشاركي، وإدماج البعد الإنساني في الممارسة العلمية. وهذه السمات، التي كثيرا ما استُبعدت سابقا بوصفها ” غير علمية” أصبحت اليوم من شروط البحث الرصين في عصر التعقيد والبيانات الضخمة. وهنا يمكن القول إن المرأة لم تلتحق بالبحث العلمي فحسب بل أسهمت في إعادة تعريف معاييره وقيمه. غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء التحديات. فما زالت المرأة الباحثة تواجه أشكالا جديدة من التمييز، أكثر خفاءا وأشد تعقيدا، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث تتجلى الفجوة في الوصول إلى الموارد، والتمثيل في مراكز القرار العلمي، والاعتراف الرمزي بالإنتاج المعرفي. إلا أن وعي المرأة بهذه الإشكالات، وقدرتها على توظيف الأدوات الرقمية لصالحها، جعلا من هذه التحديات محفزا لإنتاج خطاب علمي نقدي، يربط البحث العلمي بأسئلة العدالة، والتمكين، والمسؤولية الأخلاقية
إن حضور المرأة العالمية في البحث العلمي، في ظل التطورات الرقمية، لا يمثل مجرد تطور كمي في نسب المشاركة بل يعكس تحولا معرفيا وأخلاقيا في بنية العلم ذاته. ولا يمكن فهمه بوصفه مجرد إنجاز فردي أو استثناء ناجح بل باعتباره مؤشرا على تحوّل معرفي أعمق، يعيد التفكير في العلاقة بين العلم والإنسان. فحين تنخرط المرأة في إنتاج المعرفة. لا تسهم فقط في تطوير البحث العلمي بل تشارك في إعادة تعريف غاياته وقيمه، بما يجعل من العلم ممارسة إنسانية مسؤولة، لا مجرد أداة تقنية.
ولا تُضيف فقط صوتا جديدا بل تُدخل حساسية مختلفة تجاه العالم تُوازن بين العقل والتجربة، بين التقنية والمعنى، وبين التقدم والمسؤولية. ومن ثمّ، فإن دعم هذا الحضور النسائي وتعزيزه يُعد شرطا أساسيا لبناء معرفة علمية أكثر عدالة وشمولًا في العصر الرقمي.
وخلاصة القول، إن المرأة العالمية في البحث العلمي تمثل اليوم نموذجا رياديا لا لأنّها كسرت حواجز الماضي فحسب بل لأنها تشارك بفاعلية في رسم ملامح علم المستقبل. علم لا يُقاس فقط بقدرته على السيطرة والتفسير بل بقدرته على الفهم، والاحتواء، وخدمة الإنسان في عالم رقمي سريع التحوّل.
مصادر ومراجع:
ميشال فوكو، هم الحقيقة، ترجمة مصطفى المسناوي، منشورات الإختلاف، طبعة 2006، ص 105
ندخل إلى البحث النسوي ممارسة وتطبيقا، تليف: شارلين ناجي هيسي – بايير- وباتريشا لينا ليفي وآخرون، مراجعة: طلال مصطفى، ترجمة: هالة كمال، الناصر: المركز القومي للترجمةالقاهرة- مصر، 2015.
3.دونا هاراواي كاتبة وأكاديمية نسوية معنيّة بالدراسات التكنولوجية و النسوية البيئية ودراسات الحيوانات، وتعد من أبرز المنظّرات اللاتي درسن علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى والآلة؛ فعملت على تفكيك مفهوم مركزية الإنسان وإعادة النظر في الخطوط الفاصلة بين الكائنات والآلة.
راجع :كتاب Staying with the Trouble : Making Kin in the Chthulucene (2016) للفيلسوفة وعالمة الأحياء النسوية دونا هاراواي نصّاً مفصلياً في النقاشات الراهنة حول البيئة، وما بعد الإنسان، والعيش المشترك في عالم مهدّد بالأزمات البيئية والأنثروبوسين.
4.ايمان حسنى، تعليقات المستخدمين فى الصحف الإلكترونية وصلاحيتها لتكوين الرأى العام المصرى فى المداولات العامة، المجلة المصرية لبحوث الرأى العام،كلية الإعلام، جامعة القاهرة، المجلد 11، العدد 3، يوليه – سبتمبر 2013، ص 394.
المعارف المتموضعة: مصطلح فلسفي نسوي يشير إلى أن المعرفة ليست محايدة، بل تتأثر بموقع وخبرات وتجارب الشخص (جنسه، عرقه، طبقته، جسده، إل modo)، مما ينتج عنه أنواع معرفية مختلفة وتحدي لفكرة الحقيقة المطلقة، ويستخدم في النسوية ما بعد الحداثة للتحرر وتأكيد أصوات المهمشين، كما تختلف عن المعارف في النحو العربي التي تتعلق بتعريف الأسماء في اللغة.
في السياق النسوي والفلسفي: هي المعرفة التي تنشأ من تجربة حياة فرد معين أو جماعة، وتعتبر “الحقائق الجسدية” أو تجارب الشعوب الأصلية والمهمشين مصادر أساسية للمعرفة السياسية والتحررية.
المنظرون: نسويات مثل بيل هوكس (bell hooks) ودونا هاراواي (Donna Haraway) دعمن هذا المفهوم، حيث ترى هوكس أن التنظير يمكن أن يحدث في أي مكان وليس فقط في الأوساط الأكاديمية، ويحدث بالتزامن مع الممارسة.
الهدف: تحدي المعرفة الأكاديمية “الموضوعية” التي غالباً ما تتجاهل تجارب النساء والأقليات، وتأكيد أن كل معرفة لها موضعها الخاص (متموضعة).
جوي بولامويني باحثة وناشطة في الحقوق الرقمية في مختبر MIT Media Lab، حيث تحدد التحيز في الخوارزميات وتطور ممارسات المسائلة خلال تصميمها في المختبر، وهي عضوة في مجموعة مركز إيثان زوكرمان للإعلام المدني. خلال بحثها، عرضت بولامويني 1000 وجه على أنظمة التعرف على الوجه وطلبت منهم تحديد ما إذا كانت الوجوه من الذكور أو الإناث، ووجدت أنه من الصعب على البرنامج تحديد النساء من ذوي البشرة الداكنة.
كارين باراد ، الفيزيائية والفيلسوفة النسوية التي تدرس تقاطع ميكانيكا الكم والنظرية الاجتماعية ، تقدم اقتراحا كان سيبدو منافيا للعقل للأجيال السابقة من العلماء: الوعي لا يراقب الواقع ببساطة – إنه يشارك بنشاط في خلقه.
جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه هما عالِمتا كيمياء أمريكية وفرنسية فازتا معًا بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 لتطويرهما تقنية تحرير الجينوم الثورية المعروفة باسم “كريسبر-كاس9” (CRISPR/Cas9)، وهي “مقص جيني” يسمح للباحثين بتعديل الحمض النووي بدقة عالية، مما أحدث ثورة في علوم الحياة ويفتح آفاقًا لعلاج الأمراض الوراثية والسرطان. لقد تعاونتا في تبسيط نظام المناعة البكتيري إلى أداة برمجية يمكنها تعديل جينومات الكائنات الحية، وهو اكتشاف له تأثير عميق على الطب والزراعة.
إنجازهما الرئيسي: اكتشاف الآلية: اكتشفت شاربنتييه جزيء tracrRNA، الذي يمثل جزءًا من نظام المناعة البكتيري CRISPR.
التعاون: تعاونت مع دودنا لإعادة إنشاء هذا النشاط الشبيه بالمقص في المختبر، وتبسيط النظام واستخدامه كأداة قابلة للبرمجة لتعديل الجينات.
الأداة الثورية: أصبحت تقنية CRISPR/Cas9 الآن أداة أساسية في المختبرات، تمكن العلماء من تغيير الحمض النووي بدقة فائقة، مما يسهل فهم وظائف الجينات وتطوير علاجات جديدة.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
المرأة العالمية والبحث العلمي: أدوار ريادية ونماذج ملهمة في ظل التحولات الرقمية
تقديم
لم يعد البحث العلمي في العصر الرقمي نشاطا معرفيا محايدا أو منعزلا عن السياقات الاجتماعية والثقافية بل غدا مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والتكنولوجيا. وفي هذا الاطار، يبرز حضور المرأة العالمية في البحث العلمي بوصفه ظاهرة دالة على تحوّل بنيوي في أنماط إنتاج المعرفة وتداولها. فبعد قرون من التهميش الرمزي والمؤسسي، أتاح التحول الرقمي للمرأة إمكانات جديدة للمشاركة والقيادة العلمية بما يستدعي مقاربة تحليلية تتجاوز منطق الإحصاء والتمثيل العددي نحو فهم أعمق لدلالات هذا الحضور وأبعاده الفلسفية.
وإذا رتبطت المعرفة العلمية، تاريخيا، بنموذج ذكوري يرى في العقل صفة محايدة بينما يمارس في الواقع إقصاء ممنهجا للمرأة فإن التطورات الرقمية كسرت، إلى حدّ بعيد، هذه البنية المغلقة. فالرقمنة لم تغيّر فقط أدوات البحث بل غيرت شروط إنتاج المعرفة ذاتها، وفتحت المجال أمام أنماط جديدة من المشاركة، أتاحت للمرأة تجاوز العوائق الجغرافية والمؤسسية والثقافية التي كانت تحول دون اندماجها الكامل في الفعل العلمي.
في هذا السياق، لم تعد المرأة في البحث العلمي مجرد مستهلكة للمعرفة أو مشاركة هامشية فيها بل أصبحت منتجة للمعنى، وقائدة لمشاريع بحثية عابرة للتخصصات والحدود. فالعالِمة اليوم تنخرط في مختبرات افتراضية وتقود فرقا بحثية دولية، وتُسهم في تطوير: الذكاء الاصطناعي، الطب الرقمي، علوم البيانات، والتكنولوجيا الحيوية، وهذه المجالات تُعد من أكثر الحقول تأثيرا في مستقبل الإنسانية. ولا يقتصر هذا الدور على الإنجاز التقني بل يتجاوزه إلى مساءلة الأبعاد الأخلاقية والمعرفية للعلم ذاته، وهو ما يمنح الحضور النسائي قيمة فلسفية مضاعفة.
وإذن، في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشكل فيه المعرفة عبر الشاشات، الاجراءات الحسابة، الخطوات والطرائق المنهجية ، أين تقف المرأة الباحثة؟ هل وجدت في التحول الرقمي مساحة تعبّر فيها عن ذاتها العلمية وتحقق حضورا يعكس كفاءتها وطموحها أم ما تزال تصطدم بحواجز غير مرئية تُقيّد صوتها وتحدّ من أثرها؟ وبين الإلهام الذي تصنعه تجارب نسائية رائدة، والأسئلة التي تفرضها التجربة اليومية للمرأة في البحث العلمي، كيف يمكن فهم رحلتها اليوم: كرحلة تمكين حقيقي أم كصراع مستمر من أجل الاعتراف والوجود؟
المرأة والمعرفة العلمية بين الإقصاء التاريخي والتحول الرقمي
ارتبط تاريخ العلم الحديث، في جانب كبير منه، بنموذج معرفي ذكوري رسّخ صورة العالم بوصفه فاعلا محايدا بينما مارس في الواقع إقصاءا منهجيا للمرأة. وقد انعكس هذا الإقصاء في ضعف تمثيلها داخل المؤسسات البحثية، وفي محدودية الاعتراف بإسهاماتها العلمية. غير أن التحولات الرقمية أسهمت في زعزعة هذه البنية، عبر إعادة تشكيل فضاءات البحث، وتحرير المعرفة من القيود الجغرافية والمؤسسية، بما أتاح للمرأة إمكان الاندماج في شبكات علمية عابرة للحدود.
هنا يطرح تساؤل مهم:كيف أسهم التحول الرقمي في إعادة تمكين المرأة علميا وتجاوز أشكال الإقصاء التاريخي في مجال المعرفة العلمية؟
لفهم العلاقة المركبة بين المرأة والمعرفة العلمية، لا يكفي الاكتفاء بسرد مظاهر الإقصاء التاريخي أو المطالبة بالمساواة الشكلية في فرص التعليم والبحث أننا يتطلب الأمر تفكيك البنى العميقة التي تشكّل إنتاج المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست نشاطا عقليا خالصا يعمل في فراغ اجتماعي بل هي ممارسة تاريخية مشروطة بسياقات ثقافية، وسياسية، ومؤسسية. من هنا تكتسب المقاربات الفلسفية التي كشفت الطابع غير المحايد للمعرفة أهمية مركزية في تحليل موقع المرأة داخل الحقل العلمي.
تتقاطع المعرفة والسلطة في علاقة جدلية لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر، كما في فلسفة ميشال فوكو، المعرفة لا تُنتج فقط لوصف العالم بل تُسهم في تنظيمه وضبطه عبر ما يسميه فوكو بـ:”انظمة الحقيقة”. وهي أنظمة تحدد ما يُعتبر معرفة مشروعة، ومن يُعترف به كمنتِج لها، وما هي الخطابات التي تُقصى أو تهمَّش. ووفق هذا المنظور، لا يمكن فهم الإقصاء التاريخي للمرأة من العلوم بوصفه مجرد نتيجة لتحيزات فردية أو عوائق اجتماعية عرضية بقدر ماهو أثرا لبنية معرفية-سلطوية أعلت من شأن نموذج معين للعقلانية ارتبط تاريخيا بالذكورة، وربط الموضوعية بالمسافة العاطفية، والتجريد، والسيطرة على الطبيعة1. في مقابل ذلك، وقع تمثيل المرأة-رمزيا- بوصفها أقرب إلى الجسد والعاطفة والخصوصية، وهي صفات جرى اعتبارها نقيضا للمعرفة العلمية الصارمة.
غير أن الفلسفات النسوية المعاصرة، وخصوصا الإبستمولوجيا النسوية، لم تكتف بالكشف عن هذا الإقصاء بل ذهبت إلى مساءلة الأسس التي قام عليها الادعاء الحداثي بالحياد والكونية2. تؤكد مفكرات مثل ساندرا هاردينغ أن ما يُقدَّم باعتباره معرفة موضوعية هو في كثير من الأحيان تعبير عن موقع اجتماعي مهيمن، وأن تجاهل شروط إنتاج المعرفة يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات السلطة داخل العلم نفسه. ومن هنا تطرح هاردينغ مفهوم: الموضوعية القوية، التي لا تقوم على إنكار الموقع الذاتي للباحث بل على الوعي به ونقده، والانفتاح على وجهات نظر متعددة، خاصة تلك التي جرى تهميشها تاريخيا. أما دونا هاراواي، فتذهب في اتجاه أكثر راديكالية من خلال مفهومها عن المعارف المتموضعة حيث ترفض فكرة الرؤية الكلية من “لا مكان”، وتؤكد أن كل معرفة هي معرفة جزئية متجذرة في موقع جسدي وتاريخي محدد 3. لا يعني ذلك السقوط في نسبوية مفرطة بل الاعتراف بأن تعدد المنظورات يتيح فهما أكثر تعقيدا وثراءا للعالم. من هذا المنظور، تصبح مشاركة المرأة في البحث العلمي ليست مجرد تصحيح لاختلال عددي أو استجابة لمطلب أخلاقي بل شرطا معرفيا لإنتاج علم أكثر دقة لأنه يستوعب تجارب وأسئلة ومشكلات لم تكن مرئية داخل النموذج المعرفي السائد.
وفي سياق التحول الرقمي، تكتسب هذه النقاشات أبعادا جديدة. فاستحضار تصور يورغن هابرماس للمجال العمومي يسمح بفهم الفضاءات الرقمية بوصفها إمكانا لإعادة توزيع سلطة الكلام والمعرفة. فالمنصات الرقمية، من حيث المبدأ، تتيح تجاوز بعض القيود المؤسسية التقليدية التي طالما حدّت من وصول النساء إلى دوائر النشر والتأثير العلمي.4 غير أن هذا المجال العمومي الرقمي ليس محايدا بدوره. إذ يخضع لمنطق الخوارزميات، واقتصاد الانتباه، وهيمنة الشركات التقنية الكبرى، ما قد يعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء والعنف الرمزي، مثل التقليل من المصداقية، أو التنمّر، أو تسليع المعرفة.
لذلك، فإن حضور النساء في الفضاء العلمي الرقمي يتطلب وعيا نقديا مزدوجا: وعيا بإمكانات التحرر التي يتيحها هذا الفضاء، ووعيا بالمخاطر التي ينطوي عليها. فالمرأة الباحثة لا تواجه فقط تحديات تقنية تتعلق بالوصول إلى الأدوات الرقمية أو المهارات بل تخوض أيضا صراعا رمزيا حول تعريف ما يُعتبر معرفة قيّمة، ومن يملك سلطة التقييم والاعتراف، وما هي المعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم البحث العلمي في عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
إن الجمع بين مقاربات فوكو النقدية، والإبستمولوجيا النسوية، ونظرية المجال العمومي، يسمح بفهم التحول الرقمي لا بوصفه قطيعة تامة مع الماضي بل كمرحلة إعادة ترتيب معقدة للعلاقة بين المعرفة والسلطة. ففي هذا السياق، لا يكون الرهان الحقيقي محصورا في زيادة عدد النساء في المختبرات، أو في قوائم المؤلفين، أو على المنصات البحثية الرقمية انما في إحداث تحول نوعي في الثقافة العلمية ذاتها: تحول يعيد تعريف العقلانية بوصفها ممارسة نقدية منفتحة، ويعيد النظر في معايير التفوق العلمي، ويؤسس لأخلاقيات بحث تعترف بالتعدد، المسؤولية الاجتماعية والعدالة المعرفية.
وبهذا المعنى، فإن حضور المرأة في العلم-خاصة في زمن التحول الرقمي-لا يمثل مجرد إضافة عددية إلى بنية قائمة بل إمكانية لإعادة تخيّل العلم نفسه: علم أقل ادعاءا بالحياد المطلق، وأكثر وعيا بشروطه وحدوده، وأكثر قدرة على الاستجابة لتعقيد العالم المعاصر.
أسهم التحول الرقمي كذلك، بشكل ملحوظ ، في تمكين المرأة العربية من الوصول إلى المعرفة العلمية، وساهم في الحد من بعض مظاهر الإقصاء التاريخي التي عانت منها في هذا المجال. فقد أتاح الفضاء الرقمي فرصا غير مسبوقة للتعلّم الذاتي، والتعليم عن بعد، والوصول إلى مصادر علمية مفتوحة مثل: المنصات التعليمية، الدوريات الإلكترونية، والدورات العالمية دون الارتباط بقيود المكان أو بعض العوائق الاجتماعية التقليدية.
دور المرأة في كتابة البحوث الأكاديمية والمقالات تحت تأثير الذكاء الاصطناعي
لم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الحقل الأكاديمي بوصفه حدثا تقنيا محضا بل كتحول عميق في طريقة التفكير والبحث والكتابة. وفي قلب هذا التحوّل، وجدت المرأة الباحثة نفسها أمام سؤال فلسفي قبل أن يكون مهنيا: كيف يمكن الاستفادة من الآلة دون أن تفقد الكتابة روحها، ومنهجها، ومسؤوليتها الأخلاقية؟ هذا السؤال لم يكن عائقا بل أصبح نقطة انطلاق لوعي جديد بدور المرأة في إنتاج المعرفة.
تاريخيا، واجهت النساء في البحث العلمي تحديات تتعلق بالوقت، والتمويل، والاعتراف الأكاديمي. ومع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، انفتح هامش جديد من الإمكانات. لم تعد الباحثة مضطرة لاستهلاك جهدها الكامل في الأعمال التقنية المتكررة مثل: تنظيم المراجع أو معالجة كميات ضخمة من البيانات بل صار بإمكانها توجيه طاقتها نحو جوهر البحث: صياغة السؤال، وبناء الفرضية، والتفكير النقدي. هنا، لم يكن الذكاء الاصطناعي بديلا عن العقل بل مساحة صمت تسمح له أن يعمل بعمق.
في هذا السياق، برزت نماذج نسائية عالمية تعاملت مع الذكاء الاصطناعي بوعي فلسفي لا انبهار أعمى. على سبيل المثال: في مجال الطب الحيوي، استخدمت باحثات مثل جوي بولامويني أدوات الذكاء الاصطناعي لا لتحسين الأداء البحثي فحسب بل لكشف تحيزاته خصوصا ضد النساء وذوي البشرة الملونة. مساهمتها لم تكن تقنية فقط بل أخلاقية ومعرفية، إذ أعادت طرح سؤال: لمن تُكتب الخوارزميات؟ ومن يُستثنى من نتائجها؟
وفي العلوم الاجتماعية، نجد باحثات استخدمن تقنيات تحليل النصوص المدعومة بالذكاء الاصطناعي لدراسة الخطاب السياسي أو الإعلامي چلكن مع إضافة حس نقدي إنساني. فبدل الاكتفاء بالنتائج الإحصائية، عملت هؤلاء الباحثات على تأويل المعاني والسياقات، مبرزات أن الأرقام وحدها لا تفهم الألم الإنساني ولا التجربة الاجتماعية المعقّدة. هنا يتجلى دور المرأة في حماية البحث من التحوّل إلى ممارسة آلية باردة
وقد استفادت آلاف النساء العربيات من منصات التعليم المفتوح مثل رواق وإدراك، حيث تمكنّ من دراسة مجالات علمية كعلوم الحاسوب، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الصحية دون الحاجة إلى الالتحاق بمؤسسات تقليدية قد تكون مقيدة اجتماعي. مثال: اتاحت المجلات العلمية الإلكترونية وقواعد البيانات المفتوحة للباحثات العربيات نشر أبحاثهن والمشاركة في مؤتمرات افتراضية دولية، وهو ما خفّف من عوائق السفر والتكاليف.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في إبراز عالِمات ومهندسات عربيات يشاركن تجاربهن العلمية، مما شجّع فتيات كثيرات على دخول مجالات ستام. مثال: طبيبات وباحثات عربيات يقدمن محتوى علميًا مبسّطا على يوتيوب وإنستغرام وتيك توك.
استخدمت نساء عربيات التكنولوجيا لإطلاق مشاريع علمية وتكنولوجية ناشئة خاصة في مجالات الصحة الرقمية والتعليم الإلكتروني.مثال: رائدات أعمال في الإمارات وتونس أسسن منصات تعليمية رقمية أو تطبيقات صحية مبنية على البحث العلمي. وخلال جائحة كورونا، مكّن التعليم والعمل عن بُعد الكثير من النساء العربيات من الاستمرار في الدراسة والبحث العلمي رغم الأعباء الأسرية، وهو ما كان صعبا قبل التحول الرقمي.
كل هذه الأمثلة تبيّن أن التحول الرقمي لم يُلغِ الإقصاء التاريخي كليًا لكنه فتح مسارات جديدة للمرأة العربية للوصول إلى المعرفة العلمية، والمشاركة فيها، وإعادة بناء موقعها داخل المجال العلمي. كما مكّن التحول الرقمي المرأة العربية من المشاركة في الإنتاج المعرفي من خلال البحث العلمي، والنشر الإلكتروني وبناء شبكات تواصل علمية عابرة للحدود، ما عزّز حضورها في مجالات كانت تُعدّ حكرا على الرجال. وأسهمت وسائل التواصل الرقمي في إبراز نماذج نسائية عربية ناجحة في العلوم والتكنولوجيا، وهو ما ساعد في تغيير الصور النمطية وتعزيز الطموح العلمي لدى الفتيات.
ومع ذلك، لا يزال هذا التمكين يواجه تحديات حقيقية، من أبرزها الفجوة الرقمية، وضعف البنية التحتية في بعض الدول العربية، إضافة إلى العوائق الثقافية والاجتماعية التي تحدّ من استفادة المرأة الكاملة من الفرص الرقمية. كما أن محدودية السياسات الداعمة للبحث العلمي النسوي، وضعف تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار العلمي، ما تزال تشكّل عائقا أمام تحقيق المساواة المعرفية الكاملة.
وعليه، يمكن القول إن التحول الرقمي شكّل أداة فعّالة لإعادة إدماج المرأة العربية في مجال المعرفة العلمية لكنه يظل غير كاف ما لم يُدعَم بإصلاحات تعليمية، وتشريعات منصفة، وتغيير ثقافي يرسّخ حق المرأة في العلم والمعرفة بوصفه حقًا إنسانيًا وتنمويا أساسيا. اما في مجال المقالات الأكاديمية والإنسانية، فقد أعادت المرأة تعريف فعل الكتابة نفسه. فالكثير من الأكاديميات يستخدمن الذكاء الاصطناعي كمسودة أولى أو أداة مساعدة في التنظيم، ثم يقمن بتفكيك النص وإعادة بنائه بلغة شخصية مسؤولة. هذا الفعل يشبه، من حيث الجوهر، الحوار مع نصّ صامت: الآلة تقترح، والباحثة تقرّر. وهنا يظهر الفرق بين استخدام واع للتقنية واستخدام يفقد الكاتب صوته.
ومن النماذج الملهمة أيضا نساء يعملن في تقاطع الذكاء الاصطناعي والفلسفة، مثل لوسي سوشمان.. اللواتي شددن على أن المعرفة ليست محايدة، وأن كل أداة تقنية تحمل ضمنيًا رؤية للعالم. هذا الوعي جعل كثيرًا من الباحثات أكثر حذرا في اعتماد الذكاء الاصطناعي وأكثر التزاما بالشفافية والمنهجية، وهو ما انعكس على جودة البحوث ومصداقيتها.
ان المرأة العالمية في البحث العلمي اليوم لا تكتب فقط باستخدام أدوات جديدة بل تكتب من موقع مساءلة. فهي تسأل: كيف نضمن أن يبقى البحث فعلا إنسانيا؟ كيف نحافظ على النزاهة العلمية في زمن السرعة؟ وكيف نُدرّب الأجيال القادمة على التفكير لا على النسخ؟ هذه الأسئلة ليست تقنية بل فلسفية بامتياز، وتكشف عن دور المرأة بوصفها حارسة للمعنى داخل المعرفة.
يمكن القول إن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يُذِب صوت المرأة في البحث العلمي انما منحه شكلا اكثر وعيل ونضجا. النماذج النسائية الملهمة اليوم لا تنافس الآلة، ولا تخشاها بل تستخدمها دون أن تتنازل عن جوهر الكتابة الأكاديمية: الصدق، المسؤولية، والقدرة على رؤية الإنسان خلف البيانات. وهذا في جوهره هو البحث العلمي حين يكون فعلا أخلاقيا قبل أن يكون إنجازا معرفيا.
3-تحديات الحضور النسائي في الفضاء الرقمي
في ظل الرقمنة، لم تعد المرأة فاعلا ثانويا في الحقل العلمي بل أصبحت قائدة لمشاريع بحثية دولية، ومساهمة في مجالات معرفية متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، الطب الحيوي، علوم البيانات، والتكنولوجيا الرقمية. ويتميز هذا الحضور الريادي بقدرته على الجمع بين الكفاءة التقنية والرؤية النقدية، حيث لا يقتصر إسهام المرأة على إنتاج المعرفة بل يمتد إلى مساءلة آثارها الأخلاقية والاجتماعية خاصة في ما يتعلق بعلاقة العلم بالإنسان والعدالة والبيئة.
لم تعد مشاركة المرأة في البحث العلمي مجرد قضية عدالة أو تصحيح تاريخي بل أصبحت عاملا جوهريا في إعادة تشكيل مفهوم المعرفة ذاتها. فبينما كانت العلوم الحديثة، منذ نشأتها، محكومة بتصورات عن الموضوعية والعقلانية استندت غالبا إلى معايير ذكورية وغربية، تأتي اليوم مساهمات الباحثات لتعيد طرح أسئلة أساسية: ما معنى المعرفة؟ من يملك حق الحديث باسم الحقيقة؟ وكيف تتشكل المعايير العلمية؟
المرأة في الحقل العلمي المعاصر لا تقتصر على كونها مشاركة سلبية ضمن منظومة قائمة بل تتبوأ أدوارا ريادية تغير قواعد اللعبة. فهي تقود فرقا بحثية تؤسس مختبرات جديدة، وتفتح مجالات علمية لم تكن مأهولة سابقا، من علوم البيانات والذكاء الاصطناعي إلى علوم المناخ والهندسة الحيوية. وما يميز هذه الريادة ليس فقط حجم الإنجاز أو عدد الأوراق المنشورة بل القدرة على إدخال رؤى جديدة ومنهجيات مبتكرة، تعكس تجارب وملاحظات كانت غائبة عن النظرية التقليدية أو تم إهمالها تحت مظلة “الموضوعية المطلقة”.
من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذه الظاهرة عبر عدسة فوكو، الذي يبين أن إنتاج المعرفة هو فعل متشابك مع السلطة. حين تدخل المرأة مجالات كانت تاريخيًا محجوزة للذكور، فهي لا تتحدى الأرقام والإحصاءات فقط، بل تعيد توزيع السلطة الرمزية والعلمية. إن كل مختبر جديد تديره باحثة، وكل فرضية تضعها، وكل مشروع ابتكاري تطلقه يشكل إعادة تعريف للعقلانية، وإشارة إلى أن المعايير العلمية ليست موضوعية بطبيعتها، بل نتاج سياقات اجتماعية وثقافية محددة يمكن نقدها وتطويرها.
الإبستمولوجيا النسوية تضيف بعدا مهما لهذا النقاش. فهي تشير إلى أن دمج المرأة في البحث العلمي لا يُثري العدد فحسب بل يثري المعرفة نفسها. إذ أن تعدد المواقع المعرفية يتيح استكشاف المشكلات من زوايا مختلفة، وطرح أسئلة كانت غير مطروحة في السابق. على سبيل المثال: أبحاث المرأة في الطب غالبا ما كشفت عن تحيزات في التجارب السريرية، إذ كانت العينات والتجارب التاريخية تركز على الذكور، ما أدى إلى فجوات معرفية كبيرة أثّرت على تشخيص وعلاج النساء. هنا، لا تكون المساواة مجرد حق اجتماعي بل شرط أساسي لإنتاج علم موثوق وشامل.
إذا أردنا أن نرى هذه الريادة تجسيدا عمليا، نجد أمثلة عديدة: جينيفر دودنا وإيمانيول شاربانتييه، اللتان ساهمتا في تطوير تقنية CRISPR-Cas9
(كريسبر-كاس9….ويُقصد بها تقنية متقدمة في تحرير الجينات.) تعديل الجينات، ما فتح آفاقا غير مسبوقة في الطب والزراعة، وأعاد تعريف حدود الإمكانات العلمية مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية لاستخدام هذه التكنولوجيا.
كاثرين جونسون، العالمة في وكالة ناسا، التي لعبت دورا محوريا في الحسابات الرياضية لرحلات الفضاء الأمريكية، وأثبتت أن التفكير الرياضي الدقيق لا يرتبط بالهوية الجنسية بل بالمهارة والرؤية التحليلية.
جيمسيا شيلدز في علوم المناخ، التي قادت أبحاثا حول تأثير الاحتباس الحراري على البيئات الساحلية، وأظهرت أن إدماج وجهات نظر محلية ومجتمعية في النماذج العلمية يزيد من دقتها وفعاليتها.
في الذكاء الاصطناعي، تعمل فيفيان جوهارا وفريقها على تطوير خوارزميات أخلاقية تقلل التحيز، وتضع في الاعتبار التنوع الاجتماعي والثقافي وهو مثال حي على كيف يمكن للنساء إعادة تصميم أدوات العلم نفسها.
هنا تتجلى العلاقة بين النظرية والتطبيق بشكل واضح: ما كشفت عنه فوكو من أن المعرفة هي ممارسة سلطة يتجسد في معايير النشر، الاعتراف الأكاديمي وإدارة الموارد البحثية، يتجسد عمليا في محاولات النساء لإعادة رسم هذه المعايير وإعادة توزيع سلطة المعرفة. والإبستمولوجيا النسوية تجد تأكيدا حيا في هذه الأمثلة، إذ أن إدماج المرأة لا يعزز فقط العدالة بل يوسع نطاق المعرفة نفسها، ويمنحها أبعادا لم تكن ممكنة ضمن النموذج العلمي التقليدي.
التحولات الرقمية تزيد من قوة هذا التأثير، إذ تتيح للباحثات من مواقع جغرافية مختلفة المشاركة في الحوار العلمي العالمي، مع القدرة على تحدي التحيزات المؤسسية التاريخية لكنها أيضا تتطلب وعيا نقديا مستمرا، إذ يظل المجال الرقمي معرضا للهيمنة الاقتصادية والتقنية التي يمكن أن تعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء، ما يجعل حضور المرأة الريادي مسؤولية مزدوجة: الابتكار والمعرفة من جهة، المراقبة النقدية والتحكيم الأخلاقي من جهة أخرى.
ويمكن النظر إلى الريادة النسائية في البحث العلمي المعاصر باعتبارها أكثر من إنجازات فردية: إنها إعادة كتابة لتاريخ المعرفة، وممارسة مستمرة لإعادة تعريف العقلانية والموضوعية، وإشارة واضحة إلى أن العلم ليس مجرد تراكم حقائق، بل ممارسة إنسانية تتشكل من تفاعل متعدد الأبعاد بين الفكر، التجربة، والقيم الأخلاقية. المرأة، بهذا المعنى، ليست مجرد مشاركة في العلوم بل محرك للتحول المعرفي والثقافي، وبوابة نحو علم أكثر شمولية وإنسانية.
اذن تكشف النماذج النسائية الملهمة في البحث العلمي العالمي عن تحول عميق في تصور القيادة العلمية. فقيادة المرأة لا تقوم فقط على الكفاءة التقنية بل على القدرة على التفكير الشبكي، والعمل التشاركي، وإدماج البعد الإنساني في الممارسة العلمية. وهذه السمات، التي كثيرا ما استُبعدت سابقا بوصفها ” غير علمية” أصبحت اليوم من شروط البحث الرصين في عصر التعقيد والبيانات الضخمة. وهنا يمكن القول إن المرأة لم تلتحق بالبحث العلمي فحسب بل أسهمت في إعادة تعريف معاييره وقيمه. غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء التحديات. فما زالت المرأة الباحثة تواجه أشكالا جديدة من التمييز، أكثر خفاءا وأشد تعقيدا، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث تتجلى الفجوة في الوصول إلى الموارد، والتمثيل في مراكز القرار العلمي، والاعتراف الرمزي بالإنتاج المعرفي. إلا أن وعي المرأة بهذه الإشكالات، وقدرتها على توظيف الأدوات الرقمية لصالحها، جعلا من هذه التحديات محفزا لإنتاج خطاب علمي نقدي، يربط البحث العلمي بأسئلة العدالة، والتمكين، والمسؤولية الأخلاقية
إن حضور المرأة العالمية في البحث العلمي، في ظل التطورات الرقمية، لا يمثل مجرد تطور كمي في نسب المشاركة بل يعكس تحولا معرفيا وأخلاقيا في بنية العلم ذاته. ولا يمكن فهمه بوصفه مجرد إنجاز فردي أو استثناء ناجح بل باعتباره مؤشرا على تحوّل معرفي أعمق، يعيد التفكير في العلاقة بين العلم والإنسان. فحين تنخرط المرأة في إنتاج المعرفة. لا تسهم فقط في تطوير البحث العلمي بل تشارك في إعادة تعريف غاياته وقيمه، بما يجعل من العلم ممارسة إنسانية مسؤولة، لا مجرد أداة تقنية.
ولا تُضيف فقط صوتا جديدا بل تُدخل حساسية مختلفة تجاه العالم تُوازن بين العقل والتجربة، بين التقنية والمعنى، وبين التقدم والمسؤولية. ومن ثمّ، فإن دعم هذا الحضور النسائي وتعزيزه يُعد شرطا أساسيا لبناء معرفة علمية أكثر عدالة وشمولًا في العصر الرقمي.
وخلاصة القول، إن المرأة العالمية في البحث العلمي تمثل اليوم نموذجا رياديا لا لأنّها كسرت حواجز الماضي فحسب بل لأنها تشارك بفاعلية في رسم ملامح علم المستقبل. علم لا يُقاس فقط بقدرته على السيطرة والتفسير بل بقدرته على الفهم، والاحتواء، وخدمة الإنسان في عالم رقمي سريع التحوّل.
مصادر ومراجع:
ميشال فوكو، هم الحقيقة، ترجمة مصطفى المسناوي، منشورات الإختلاف، طبعة 2006، ص 105
ندخل إلى البحث النسوي ممارسة وتطبيقا، تليف: شارلين ناجي هيسي – بايير- وباتريشا لينا ليفي وآخرون، مراجعة: طلال مصطفى، ترجمة: هالة كمال، الناصر: المركز القومي للترجمةالقاهرة- مصر، 2015.
3.دونا هاراواي كاتبة وأكاديمية نسوية معنيّة بالدراسات التكنولوجية و النسوية البيئية ودراسات الحيوانات، وتعد من أبرز المنظّرات اللاتي درسن علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى والآلة؛ فعملت على تفكيك مفهوم مركزية الإنسان وإعادة النظر في الخطوط الفاصلة بين الكائنات والآلة.
راجع :كتاب Staying with the Trouble : Making Kin in the Chthulucene (2016) للفيلسوفة وعالمة الأحياء النسوية دونا هاراواي نصّاً مفصلياً في النقاشات الراهنة حول البيئة، وما بعد الإنسان، والعيش المشترك في عالم مهدّد بالأزمات البيئية والأنثروبوسين.
4.ايمان حسنى، تعليقات المستخدمين فى الصحف الإلكترونية وصلاحيتها لتكوين الرأى العام المصرى فى المداولات العامة، المجلة المصرية لبحوث الرأى العام،كلية الإعلام، جامعة القاهرة، المجلد 11، العدد 3، يوليه – سبتمبر 2013، ص 394.
المعارف المتموضعة: مصطلح فلسفي نسوي يشير إلى أن المعرفة ليست محايدة، بل تتأثر بموقع وخبرات وتجارب الشخص (جنسه، عرقه، طبقته، جسده، إل modo)، مما ينتج عنه أنواع معرفية مختلفة وتحدي لفكرة الحقيقة المطلقة، ويستخدم في النسوية ما بعد الحداثة للتحرر وتأكيد أصوات المهمشين، كما تختلف عن المعارف في النحو العربي التي تتعلق بتعريف الأسماء في اللغة.
في السياق النسوي والفلسفي: هي المعرفة التي تنشأ من تجربة حياة فرد معين أو جماعة، وتعتبر “الحقائق الجسدية” أو تجارب الشعوب الأصلية والمهمشين مصادر أساسية للمعرفة السياسية والتحررية.
المنظرون: نسويات مثل بيل هوكس (bell hooks) ودونا هاراواي (Donna Haraway) دعمن هذا المفهوم، حيث ترى هوكس أن التنظير يمكن أن يحدث في أي مكان وليس فقط في الأوساط الأكاديمية، ويحدث بالتزامن مع الممارسة.
الهدف: تحدي المعرفة الأكاديمية “الموضوعية” التي غالباً ما تتجاهل تجارب النساء والأقليات، وتأكيد أن كل معرفة لها موضعها الخاص (متموضعة).
جوي بولامويني باحثة وناشطة في الحقوق الرقمية في مختبر MIT Media Lab، حيث تحدد التحيز في الخوارزميات وتطور ممارسات المسائلة خلال تصميمها في المختبر، وهي عضوة في مجموعة مركز إيثان زوكرمان للإعلام المدني. خلال بحثها، عرضت بولامويني 1000 وجه على أنظمة التعرف على الوجه وطلبت منهم تحديد ما إذا كانت الوجوه من الذكور أو الإناث، ووجدت أنه من الصعب على البرنامج تحديد النساء من ذوي البشرة الداكنة.
كارين باراد ، الفيزيائية والفيلسوفة النسوية التي تدرس تقاطع ميكانيكا الكم والنظرية الاجتماعية ، تقدم اقتراحا كان سيبدو منافيا للعقل للأجيال السابقة من العلماء: الوعي لا يراقب الواقع ببساطة – إنه يشارك بنشاط في خلقه.
جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه هما عالِمتا كيمياء أمريكية وفرنسية فازتا معًا بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 لتطويرهما تقنية تحرير الجينوم الثورية المعروفة باسم “كريسبر-كاس9” (CRISPR/Cas9)، وهي “مقص جيني” يسمح للباحثين بتعديل الحمض النووي بدقة عالية، مما أحدث ثورة في علوم الحياة ويفتح آفاقًا لعلاج الأمراض الوراثية والسرطان. لقد تعاونتا في تبسيط نظام المناعة البكتيري إلى أداة برمجية يمكنها تعديل جينومات الكائنات الحية، وهو اكتشاف له تأثير عميق على الطب والزراعة.
إنجازهما الرئيسي: اكتشاف الآلية: اكتشفت شاربنتييه جزيء tracrRNA، الذي يمثل جزءًا من نظام المناعة البكتيري CRISPR.
التعاون: تعاونت مع دودنا لإعادة إنشاء هذا النشاط الشبيه بالمقص في المختبر، وتبسيط النظام واستخدامه كأداة قابلة للبرمجة لتعديل الجينات.
الأداة الثورية: أصبحت تقنية CRISPR/Cas9 الآن أداة أساسية في المختبرات، تمكن العلماء من تغيير الحمض النووي بدقة فائقة، مما يسهل فهم وظائف الجينات وتطوير علاجات جديدة.
التعليقات