الميديا والذات الممزقة: كيف سرق العرض وجودنا الحقيقي؟

صورة الكاتب
بقلم: وسام الموسوي
التاريخ: 30 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 963
الميديا والذات الممزقة: كيف سرق العرض وجودنا الحقيقي؟

في زمن تتسارع فيه وتيرة التواصل وتنتشر فيه منصات الميديا كالنار في الهشيم، أصبح الانكشاف المفرط واقعًا لا مفر منه، بل وتحول إلى ظاهرة ثقافية تفرض نفسها على حياة الإنسان اليومية. لم يعد مجرد التقاط صورة أو مشاركة لحظة عابرة خيارًا شخصيًا، بل صار أشبه بواجب، وإلا شعر الفرد بأنه غير موجود، وكأن وجوده لا يكتمل إلا بعين تراقبه وتشارك في تفاصيل حياته. حتى أبسط اللحظات التي كانت تُعتبر قدسية، كقضاء الحاجة أو لحظات الصمت، لم تسلم من هذا الانكشاف الذي جعل الإنسان في مسرح دائم لا يغلق الستار فيه.

هذا الانكشاف المستمر هو في جوهره أزمة خصوصية ووجود في آن واحد. الإنسان المعاصر لم يعد يملك لحظة يتخلى فيها عن الدور الذي يلعبه أمام الجمهور الرقمي، فهو دائمًا تحت المراقبة، ويفرّط في حقه بالسكوت والغياب، وهما حقّان أساسيان للإنسان كي يعيد ترتيب ذاته ويفكك الضجيج المحيط به.

وفي هذا السياق، تتحول الخصوصية من حق إنساني إلى سلعة مفقودة، تتلاشى بين ضغط التوثيق والتفاعل السريع. الفضاء الرقمي يغري بنوع من التفاعل الزائف، حيث يُبدد الإنسان عمق وجوده في سيل من الصور والمقاطع القصيرة التي لا تحتمل التأمل ولا تُعرّف سوى على مستوى السطح.

تستهلك هذه المنصات الإنسان، في الوقت الذي يعتقد فيه أنه يسيطر على عرضه ووجوده. يصبح الإنسان نسخة قابلة للمشاهدة فقط، ليس أكثر من عرض مستمر للتفاعل، فلا يهدأ ولا يختفي، لأن الغياب في زمن الميديا صار مكلفًا وخطيرًا على “الشهرة” الرقمية والقبول الاجتماعي. الأمر الأكثر إيلامًا هو أن هذه الحالة من الانكشاف لا تقتصر على فضاءات عامة فقط، بل تنجرف إلى أكثر زوايا الخصوصية حميمية. فقد أصبح الإنسان يوثق لحظاته الخاصة، حتى أبسطها، بدون حاجة، وكأنه يخشى أن تختفي هذه اللحظات دون أن يشاهدها أحد، كأن وجوده لا يتأكد إلا بمرور لحظاته عبر شاشة أو مشاركة.

هذه الهوسية بالتوثيق تفقده حرية الوجود العفوي، وتحوله إلى شخص يعيش حياة تؤديها عدسات الموبايل لا نفسه. في قلب هذه الأزمة يكمن سؤال وجودي عميق: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته في زمن يتربص فيه العالم الرقمي بكل تحركاته؟ كيف يحمي لحظاته الحميمية من الاستهلاك والسطحية؟ وكيف يستعيد حق الغياب والصمت كمساحة للقاء مع الذات الحقيقية؟ هذه الأسئلة ليست فقط تأملات فلسفية، بل هي دعوة ملحّة للتوقف وإعادة التفكير في علاقتنا بالميديا وبأنفسنا. لعل الخطوة الأولى في مواجهة هذا الانكشاف المفرط هي إعادة الاعتبار للخصوصية كحق إنساني أساسي، لا كترف أو خيار.

الخصوصية ليست ترفًا، بل ضرورة نفسية ووجودية، ومن دونها تتفتت ذاتنا ويتلاشى عمق وجودنا. علينا أن نعيد النظر في طبيعة مشاركاتنا، ونميّز بين ما نريد أن يكون عرضًا وبين ما يجب أن يبقى حكرًا على ذاتنا. الغياب أحيانًا هو أصدق شكل للوجود، والصمت أحيانًا هو أعلى أشكال الكلام. في نهاية المطاف، لا يجب أن يتحول الإنسان إلى نجم في مسرح لا ينتهي من العروض الرقمية، بل عليه أن يظل إنسانًا قادرًا على الانغلاق أحيانًا، على الاختفاء بلا تفسير، على الوجود بلا شهود، لأن في ذلك حرية، وفي ذلك حماية للذات، وفي ذلك منجى من ضياعها في بحر الميديا اللامتناهي.

عن الکاتب / الکاتبة

وسام الموسوي
وسام الموسوي
شاعر . کاتب مسرحي .مترجم

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الميديا والذات الممزقة: كيف سرق العرض وجودنا الحقيقي؟

بقلم: وسام الموسوي | التاريخ: 30 نوفمبر 2025

التصنيف: الثقافة والفنون

في زمن تتسارع فيه وتيرة التواصل وتنتشر فيه منصات الميديا كالنار في الهشيم، أصبح الانكشاف المفرط واقعًا لا مفر منه، بل وتحول إلى ظاهرة ثقافية تفرض نفسها على حياة الإنسان اليومية. لم يعد مجرد التقاط صورة أو مشاركة لحظة عابرة خيارًا شخصيًا، بل صار أشبه بواجب، وإلا شعر الفرد بأنه غير موجود، وكأن وجوده لا يكتمل إلا بعين تراقبه وتشارك في تفاصيل حياته. حتى أبسط اللحظات التي كانت تُعتبر قدسية، كقضاء الحاجة أو لحظات الصمت، لم تسلم من هذا الانكشاف الذي جعل الإنسان في مسرح دائم لا يغلق الستار فيه.

هذا الانكشاف المستمر هو في جوهره أزمة خصوصية ووجود في آن واحد. الإنسان المعاصر لم يعد يملك لحظة يتخلى فيها عن الدور الذي يلعبه أمام الجمهور الرقمي، فهو دائمًا تحت المراقبة، ويفرّط في حقه بالسكوت والغياب، وهما حقّان أساسيان للإنسان كي يعيد ترتيب ذاته ويفكك الضجيج المحيط به.

وفي هذا السياق، تتحول الخصوصية من حق إنساني إلى سلعة مفقودة، تتلاشى بين ضغط التوثيق والتفاعل السريع. الفضاء الرقمي يغري بنوع من التفاعل الزائف، حيث يُبدد الإنسان عمق وجوده في سيل من الصور والمقاطع القصيرة التي لا تحتمل التأمل ولا تُعرّف سوى على مستوى السطح.

تستهلك هذه المنصات الإنسان، في الوقت الذي يعتقد فيه أنه يسيطر على عرضه ووجوده. يصبح الإنسان نسخة قابلة للمشاهدة فقط، ليس أكثر من عرض مستمر للتفاعل، فلا يهدأ ولا يختفي، لأن الغياب في زمن الميديا صار مكلفًا وخطيرًا على “الشهرة” الرقمية والقبول الاجتماعي. الأمر الأكثر إيلامًا هو أن هذه الحالة من الانكشاف لا تقتصر على فضاءات عامة فقط، بل تنجرف إلى أكثر زوايا الخصوصية حميمية. فقد أصبح الإنسان يوثق لحظاته الخاصة، حتى أبسطها، بدون حاجة، وكأنه يخشى أن تختفي هذه اللحظات دون أن يشاهدها أحد، كأن وجوده لا يتأكد إلا بمرور لحظاته عبر شاشة أو مشاركة.

هذه الهوسية بالتوثيق تفقده حرية الوجود العفوي، وتحوله إلى شخص يعيش حياة تؤديها عدسات الموبايل لا نفسه. في قلب هذه الأزمة يكمن سؤال وجودي عميق: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته في زمن يتربص فيه العالم الرقمي بكل تحركاته؟ كيف يحمي لحظاته الحميمية من الاستهلاك والسطحية؟ وكيف يستعيد حق الغياب والصمت كمساحة للقاء مع الذات الحقيقية؟ هذه الأسئلة ليست فقط تأملات فلسفية، بل هي دعوة ملحّة للتوقف وإعادة التفكير في علاقتنا بالميديا وبأنفسنا. لعل الخطوة الأولى في مواجهة هذا الانكشاف المفرط هي إعادة الاعتبار للخصوصية كحق إنساني أساسي، لا كترف أو خيار.

الخصوصية ليست ترفًا، بل ضرورة نفسية ووجودية، ومن دونها تتفتت ذاتنا ويتلاشى عمق وجودنا. علينا أن نعيد النظر في طبيعة مشاركاتنا، ونميّز بين ما نريد أن يكون عرضًا وبين ما يجب أن يبقى حكرًا على ذاتنا. الغياب أحيانًا هو أصدق شكل للوجود، والصمت أحيانًا هو أعلى أشكال الكلام. في نهاية المطاف، لا يجب أن يتحول الإنسان إلى نجم في مسرح لا ينتهي من العروض الرقمية، بل عليه أن يظل إنسانًا قادرًا على الانغلاق أحيانًا، على الاختفاء بلا تفسير، على الوجود بلا شهود، لأن في ذلك حرية، وفي ذلك حماية للذات، وفي ذلك منجى من ضياعها في بحر الميديا اللامتناهي.