جلنار بنت ذي السمت تعدد الأقنعة وبلاغة التقمص في مقامات سالم بن سلام للكاتب الموسوعي جواد كاظم محمد

صورة الكاتب
بقلم: أحمد الكناني
التاريخ: 11 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 8
جلنار بنت ذي السمت تعدد الأقنعة وبلاغة التقمص في مقامات سالم بن سلام للكاتب الموسوعي جواد كاظم محمد

يعد فن المقامة أحد أبرز أشكال السرد العربي التقليدي الذي مزج بين الحكاية والحيلة والبلاغة والشعر. ومنذ مقامات بديع الزمان الهمذاني الذي يعد أول كتاباً في هذا الفن وتلاه بعد ذلك الحريري البصري ، ظل هذا الفن مرآة ساخرة ومرنة للمجتمع العربي وتحولاته. في هذا الإطار . تأتي مقامات سالم بن سلام الصادرة عن دار محررو الكتب العراقية كإحياء عصري لهذا الشكل ولكن عبر قالب مبتكر تتجسد فيه شخصية محورية غير مألوفة في المقامات التقليدية (جلنار بنت ذي السمت) تلك المرأة البغدادية التي تتعدد وجوهها من مقام لآخر ، فتارة هي شاعرة ، وأخرى نائحة ، وثالثة محايلة ، مما يجعلها نموذجاً أدبياً يستحق الدراسة. فمن ناحية البنية الشكلية للمقامة الحديثة ، تحافظ هذه المقامات على الهيكل التقليدي للمقامة من حيث البناء الثلاثي راوي (سالم بن سلام). حدث مفاجئ في مكان مخصوص (موكب – سوق – مجلس حلقة ذكر). حوار أو موقف تنتهي بخاتمة تكشف هوية جلنار أو تقلب ميزان المشهد. غير ان التجديد يكمن في : طول الشعر واستقلاليته بوظيفة بنائية ، والتداخل بين النثر الأدبي العالي واللغة المحكية (أحيانا) ، وتسكين المرأة في مركز الفعل المقامي لا في هامشه. أما شخصية (جلنار بنت ذي السمت) ورمزيتها ، ليست مجرد بطلة مقامية ، بل كائن متحول ، تتقمص أدواراً مختلفة دون أن تفقد هويتها الجمالية أو مكانتها الحكيمة. حيث تتنوع أدوارها كما (البغدادية رائية متأملة وشاعرة حزينة ، وفي الشعرية متمردة ونِدية ولاذعة ، والمقامة الحرامية ساخرة وفيلسوفة شارع ، وفي النبوية تجدها منشدة صوفية ، أما الطفّية فهي نائحة راثية حسينية … الخ) هذا التنوع يمتاز بـبلاغة التقمص ، حيث لا تتكرر الشخصية بل تتجدد باستمرار وفق الموضوع والمقام. أما الشعر داخل المقامة لا يأتي كزينة بل يتحول إلى أداة لفضح السلطة الذكورية (في المقامة الشعرية) ووسيلة للرثاء والبوح الوجداني (في البغدادية والطفّية) ولغة خطابية ساخرة (في الحرامية) ونغمة روحية وتأملية (في النبوية) . ويغدو الشعر أحياناً هو قلب المقامة ومتنها ، لا مجرد ملحق بها وحبذت أن لا أكتب الابيات هنا بل ساتركها للقارئ حين يقتني هذه المقامات لما فيها من صورة سعرية كبيرة . الراوي سالم بن سلام رغم أنه يقدم نفسه كمجرد ناقل ، إلا أن أسلوبه يشي بانفعال وتورط وجداني مع جلنار. إنه لا يصف فقط ، بل يصغي ويندهش ويعترف. ويمكن تشبيهه بعيسى بن هشام أو الحارث بن همام لكنه أقرب للقارئ الحديث لأنه يشبهنا في تردده وتعجبه ، وقابليته للدهشة. في المقامة الطفية تجد ذروة التجربة الشعورية إذ تمثل ذروة المشروع من حيث التأثير الوجداني والديني. ففيها تتحول جلنار إلى راثية بكائية تمثل ذاكرة الطف لا بصفتها واعظة ، بل بصفتها صوتاً حيا من قافلة كربلاء. والشعر هنا لا يوصف المأساة فحسب ، بل يعيشها وكما قال : رأس رسول الله قبّله هوى لله من رأس به الالاء هذا الحسين وأي ذبح دمه عطاء حين جفّ عطاء ومن ثم تختتم بعد ان زاد القوم النحيب بـــــ (شرف رثاء الحسين لجلنار ابنة ذي السمت) فيكون هذا تتويجا لا للقصيدة فحسب ، بل للشخصية ذاتها. في الختام إن هذه المقامات ليست محاكاة للماضي ، بل بناء جديد فوق أسسه. وجلنار بنت ذي السمت ، بصوتها المتعدد تعيد تعريف دور المرأة في الأدب المقامي ، لا كفتنة ولا كشاهد بل كصانعة للحظة الأدبية وكقناع رمزي يلائم كل موضوع ومحنة. هذا المشروع جدير بأن يدرس ضمن إحياء السرد المقامي ويدخل ضمن مسارات الدراسات الأدبية النسوية والحداثوية في آنٍ معاً.

عن الکاتب / الکاتبة

أحمد الكناني
أحمد الكناني
الكاتب و والشاعر والحقوقي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

مقامة عكاظ الميسانية

مقامة عكاظ الميسانية

حُدثتُ (ولا أزعم أن الراوي مبالغ) أن اتحاد أدباء ميسان عقد جلسة شعرية أولى بعد…

صورة الكاتب أحمد الكناني
30 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جلنار بنت ذي السمت تعدد الأقنعة وبلاغة التقمص في مقامات سالم بن سلام للكاتب الموسوعي جواد كاظم محمد

بقلم: أحمد الكناني | التاريخ: 11 نوفمبر 2025

التصنيف: الأدب, قصة قصيرة

يعد فن المقامة أحد أبرز أشكال السرد العربي التقليدي الذي مزج بين الحكاية والحيلة والبلاغة والشعر. ومنذ مقامات بديع الزمان الهمذاني الذي يعد أول كتاباً في هذا الفن وتلاه بعد ذلك الحريري البصري ، ظل هذا الفن مرآة ساخرة ومرنة للمجتمع العربي وتحولاته. في هذا الإطار . تأتي مقامات سالم بن سلام الصادرة عن دار محررو الكتب العراقية كإحياء عصري لهذا الشكل ولكن عبر قالب مبتكر تتجسد فيه شخصية محورية غير مألوفة في المقامات التقليدية (جلنار بنت ذي السمت) تلك المرأة البغدادية التي تتعدد وجوهها من مقام لآخر ، فتارة هي شاعرة ، وأخرى نائحة ، وثالثة محايلة ، مما يجعلها نموذجاً أدبياً يستحق الدراسة. فمن ناحية البنية الشكلية للمقامة الحديثة ، تحافظ هذه المقامات على الهيكل التقليدي للمقامة من حيث البناء الثلاثي راوي (سالم بن سلام). حدث مفاجئ في مكان مخصوص (موكب – سوق – مجلس حلقة ذكر). حوار أو موقف تنتهي بخاتمة تكشف هوية جلنار أو تقلب ميزان المشهد. غير ان التجديد يكمن في : طول الشعر واستقلاليته بوظيفة بنائية ، والتداخل بين النثر الأدبي العالي واللغة المحكية (أحيانا) ، وتسكين المرأة في مركز الفعل المقامي لا في هامشه. أما شخصية (جلنار بنت ذي السمت) ورمزيتها ، ليست مجرد بطلة مقامية ، بل كائن متحول ، تتقمص أدواراً مختلفة دون أن تفقد هويتها الجمالية أو مكانتها الحكيمة. حيث تتنوع أدوارها كما (البغدادية رائية متأملة وشاعرة حزينة ، وفي الشعرية متمردة ونِدية ولاذعة ، والمقامة الحرامية ساخرة وفيلسوفة شارع ، وفي النبوية تجدها منشدة صوفية ، أما الطفّية فهي نائحة راثية حسينية … الخ) هذا التنوع يمتاز بـبلاغة التقمص ، حيث لا تتكرر الشخصية بل تتجدد باستمرار وفق الموضوع والمقام. أما الشعر داخل المقامة لا يأتي كزينة بل يتحول إلى أداة لفضح السلطة الذكورية (في المقامة الشعرية) ووسيلة للرثاء والبوح الوجداني (في البغدادية والطفّية) ولغة خطابية ساخرة (في الحرامية) ونغمة روحية وتأملية (في النبوية) . ويغدو الشعر أحياناً هو قلب المقامة ومتنها ، لا مجرد ملحق بها وحبذت أن لا أكتب الابيات هنا بل ساتركها للقارئ حين يقتني هذه المقامات لما فيها من صورة سعرية كبيرة . الراوي سالم بن سلام رغم أنه يقدم نفسه كمجرد ناقل ، إلا أن أسلوبه يشي بانفعال وتورط وجداني مع جلنار. إنه لا يصف فقط ، بل يصغي ويندهش ويعترف. ويمكن تشبيهه بعيسى بن هشام أو الحارث بن همام لكنه أقرب للقارئ الحديث لأنه يشبهنا في تردده وتعجبه ، وقابليته للدهشة. في المقامة الطفية تجد ذروة التجربة الشعورية إذ تمثل ذروة المشروع من حيث التأثير الوجداني والديني. ففيها تتحول جلنار إلى راثية بكائية تمثل ذاكرة الطف لا بصفتها واعظة ، بل بصفتها صوتاً حيا من قافلة كربلاء. والشعر هنا لا يوصف المأساة فحسب ، بل يعيشها وكما قال : رأس رسول الله قبّله هوى لله من رأس به الالاء هذا الحسين وأي ذبح دمه عطاء حين جفّ عطاء ومن ثم تختتم بعد ان زاد القوم النحيب بـــــ (شرف رثاء الحسين لجلنار ابنة ذي السمت) فيكون هذا تتويجا لا للقصيدة فحسب ، بل للشخصية ذاتها. في الختام إن هذه المقامات ليست محاكاة للماضي ، بل بناء جديد فوق أسسه. وجلنار بنت ذي السمت ، بصوتها المتعدد تعيد تعريف دور المرأة في الأدب المقامي ، لا كفتنة ولا كشاهد بل كصانعة للحظة الأدبية وكقناع رمزي يلائم كل موضوع ومحنة. هذا المشروع جدير بأن يدرس ضمن إحياء السرد المقامي ويدخل ضمن مسارات الدراسات الأدبية النسوية والحداثوية في آنٍ معاً.