حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة
المقدمة:
ليست الحروب مجرد صراع على الأرض، بل هي – في أكثر صورها وحشية – اعتداء على الذاكرة الإنسانية ومحاولة لاقتلاع الجذور الحضارية من عمق التاريخ. وما يجري اليوم من استهداف للمواقع الأثرية في إيران يكشف أن النار لم تعد تميز بين إنسان وحجر، بل تسعى لطمس المعنى ذاته.
*إصابة قلب التاريخ
في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، لم تكن الصواريخ تبحث عن أهداف عسكرية فقط، بل امتدت بوحشيتها لتصيب قلب التاريخ. فقد تضرر نحو ثلاثين موقعًا أثريا في طهران، فيما طالت النيران مدينة أصفهان، حيث أصيبت ساحة “نقش جهان” – إحدى أعظم الشواهد المعمارية في العالم – في مشهد يكشف استخفافا صارخا بإرث الإنسانية.
هذا الصمت الدولي المريب لا يقل فداحة عن القصف نفسه، فحين تدمر الحضارات أمام أعين العالم، ولا يسمع سوى بيانات باهتة، فإن الجريمة تتحول إلى فعل شبه مشروع.
أصفهان التي عرفتها ليست مدينة عابرة في الجغرافيا، بل زمن متراكم من الجمال. مدينة صاغتها دول وتعاقبت عليها حضارات، حتى بلغت ذروتها في العهد الصفوي، حين أراد الشاه عباس أن يجعل منها عاصمة تليق بالإمبراطورية، فحولها إلى تحفة مفتوحة.
في ميدان “نقش جهان” – أو “ميدان الإمام” – تتجسد عبقرية المكان؛ مساجد شاهقة، قصور تنطق بالفخامة، وأسواق تضج بالحياة. هناك، لا ترى حجارة صامتة، بل تاريخا يتنفس. قصر “عالي قابو” يقف شاهدا على سلطة كانت تدار من شرفاته، وجامع الإمام يختزن في قبابه وزخارفه ذروة الفن الإسلامي، فيما يتلألأ مسجد الشيخ لطف الله كجوهرة معمارية نادرة.
لكن كل هذا الجمال يبدو اليوم مهددا، وكأن الحروب الحديثة لم تكتفِ بقتل الحاضر، بل قررت الانتقام من الماضي أيضًا.
لقد أثبتت تجربة تدخل منظمة اليونسكو في مراحل سابقة أن حماية التراث ممكنة حين تتوفر الإرادة، إذ اعتبرت آثار أصفهان ملكا للإنسانية جمعاء. غير أن ما يحدث اليوم يعيدنا إلى نقطة الصفر، حيث تترك المدن العريقة لمصيرها تحت القصف.
وإذا كانت إيران قد نجحت يوما في تحصين جزء من ذاكرتها، فإن العراق يقدم المثال الأكثر مرارة، حين تركت آثاره نهبا للسرقة والتدمير بعد الاحتلال، وسط تواطؤ وصمت دولي فج، كأن تاريخ وادي الرافدين لا يستحق الحماية.
*الخاتمة:
حين تقصف أصفهان، لا تسقط جدران فحسب، بل يسقط معها جزء من ذاكرة العالم. وحين يلوذ العالم بالصمت، فإنه لا يخذل مدينة واحدة، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي. فالتاريخ الذي لا نحميه اليوم، سنبحث عنه غدا في كتب تروي كيف كنا شهودا على جريمة… ولم نفعل شيئًا.
عبدالكريم المصطفاوي
د. حميدة القحطاني
د. نادرة معمر قاسمي
التعليقات