حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 1 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3230
حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

مقدمة
في الحروب لا تسقط الصواريخ على الجغرافيا وحدها بل تمتد شظاياها إلى الذاكرة الإنسانية، لتصيب ما راكمته الشعوب من تاريخ وفن وهوية. وما تعرض له قصر جولستان، أحد أبرز مواقع التراث العالمي، ليس حادث عرضي في سياق صراع عسكري فحسب، بل هو مساس مباشر بإرث حضاري يتجاوز حدود المكان والزمان، ويطرح أسئلة مؤلمة عن معنى استهداف التاريخ تحت ذرائع السياسة.
*هشاشة التراث الانساني
تعرض قصر جولستان، أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو في طهران، لأضرار جسيمة جراء غارات أمريكية وإسرائيلية. ففي الثاني من آذار/مارس، تضرر القصر، الذي يمتد تاريخه إلى نحو أربعة قرون، بفعل الحطام والصدمات الناتجة عن غارة جوية استهدفت ساحة أراغ في العاصمة الإيرانية. وعلى الرغم من عدم تسجيل أضرار هيكلية كبيرة حتى الآن، فإن مجرد المساس بهذا الصرح التاريخي يكشف هشاشة التراث الإنساني أمام آلة الحرب.
لقد استعدت، وأنا أتابع هذا الخبر، زيارتي لمجمع القصور القاجارية عام 2025، حيث كتبت حينها عن التداخل المعقد بين الجمال المعماري وسياقات الاستبداد السياسي. ففي كتب التاريخ، كما على جدران القصور تختلط الحقيقة بالبريق، ويتوارى القمع خلف الزخرفة. وعند الوقوف أمام شمس العمارة، أحد أبرز معالم المجمع، يأسرك جمال التصميم ودقة التفاصيل، لكن خلف هذا الإبهار تقف سيرة حاكم ترك أثراً ثقيلاً في ذاكرة شعبه.
إن زيارة هذا القصر تمنح انطباعاً أولياً بالرقي والذوق الرفيع، غير أن القراءة العميقة للتاريخ تفرض معياراً آخر للحكم, ليس جمال البناء، بل عدالة الحاكم وأثره في حياة الناس. فهذه القصور مهما بلغت روعتها، ليست ملكاً لملوكها، بل هي جزء من ذاكرة الشعوب التي مولتها بعرقها، ويجب الحفاظ عليها لا تمجيداً للسلطة، بل توثيقاً للتجربة الإنسانية بكل تناقضاتها.
ويبرز في هذا السياق اسم ناصر الدين شاه القاجاري، الذي حكم إيران قرابة نصف قرن، في مرحلة اتسمت بتركيز السلطة وتغليب القرار الفردي. ومن أبرز قراراته المثيرة للجدل منحه امتياز احتكار التبغ لشركة بريطانية عام 1890، في خطوة منحت النفوذ الأجنبي موطئ قدم واسع في الاقتصاد الإيراني. وقد قوبل هذا القرار برفض شعبي واسع، توج بفتوى المرجع محمد حسن الشيرازي التي حرمت استخدام التبغ، ما أجبر الشاه على التراجع وإلغاء الاتفاقية.
ولم تتوقف تداعيات تلك المرحلة عند هذا الحد، إذ تصاعدت المطالبات بالإصلاح السياسي، وتوحدت قوى المجتمع من علماء ومثقفين وتجار للدفع نحو نظام دستوري يحد من سلطات الحكم المطلق. وفي خضم هذه التحولات، لعب جمال الدين الأفغاني دوراً بارزاً في تحريك الوعي العام، إلى أن انتهى عهد ناصر الدين شاه باغتياله عام 1896، ليخلفه ابنه مظفر الدين شاه القاجاري الذي أبدى قدراً أكبر من الانفتاح عبر إقرار الدستور وإطلاق بعض الإصلاحات.
غير أن هذه الخلفيات التاريخية المعقدة غالباً ما تغيب عن السرد السياحي التقليدي، الذي يكتفي بإبراز الجوانب الجمالية للقصور. فيُقدم شمس العمارة بوصفه أول مبنى شاهق في مجمع جولستان، بني بإلهام من العمارة الأوروبية، ومزيج من الطرازين الإيراني والفرنجي، ومزين بالبلاط والزجاج والديكورات الباذخة. لكن هذا السرد رغم أهميته الفنية، يقصي الوجه الآخر للحقيقة، ويحوّل السياحة إلى أداة لتلميع الاستبداد، حيث يحتفى بالمنجز ويغض الطرف عن الثمن الإنساني.
وأنا أتجول بين تلك القاعات المزخرفة، شعرت بعظمة الإنجاز المعماري، لكن هذا الشعور لم يلغ إدراكي لثقل التاريخ الذي تحمله الجدران. فالجمال لا يمحو الألم، والذاكرة لا تختزل في الزخارف. لقد بقي ناصر الدين شاه، رغم كل ما شيد في عهده، مثالاً لحاكم ارتبط اسمه بالاستبداد، ونال في نهاية المطاف مصيراً يعكس ما زرعه.
خاتمة
إن ما أصاب قصر جولستان اليوم يعيد طرح سؤال جوهري: هل نحمي التراث لأنه جميل، أم لأنه شاهد على الحقيقة؟ فالتاريخ لا يقرأ من واجهات القصور وحدها، بل من مصائر الشعوب التي عاشت في ظلها. وبين بريق العمران وظلال الطغيان، تبقى هذه المعالم ضرورة إنسانية، لا لتخليد الحكام، بل لتذكير الأجيال بأن الجمال لا يبرئ السلطة، وأن الذاكرة، مهما تعرّضت للقصف، تظل أعمق من أن تمحى.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني

أصفهان… حيث يتعانق الفن مع الضمير الإنساني مقدمة: في قلب أصفهان، المدينة التي تلقب بنصف…

صورة الكاتب حمدي العطار
4 أبريل 2026
اقرأ المزيد
أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي بجماليات السرد الرحلي وتقاطعاته مع الاجناس الادبية

أدب الرحلة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب أدب الرحلات… بين الوثيقة والإبداع اتحاد الأدباء يحتفي…

صورة الكاتب حمدي العطار
31 مارس 2026
اقرأ المزيد
حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة

حين تقصف الحضارة: أصفهان تحت نيران الذاكرة المستهدفة المقدمة: ليست الحروب مجرد صراع على الأرض،…

صورة الكاتب حمدي العطار
29 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 1 أبريل 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

حين تقصف الذاكرة: قصر جولستان بين نار الحرب وازدواجية التاريخ

مقدمة
في الحروب لا تسقط الصواريخ على الجغرافيا وحدها بل تمتد شظاياها إلى الذاكرة الإنسانية، لتصيب ما راكمته الشعوب من تاريخ وفن وهوية. وما تعرض له قصر جولستان، أحد أبرز مواقع التراث العالمي، ليس حادث عرضي في سياق صراع عسكري فحسب، بل هو مساس مباشر بإرث حضاري يتجاوز حدود المكان والزمان، ويطرح أسئلة مؤلمة عن معنى استهداف التاريخ تحت ذرائع السياسة.
*هشاشة التراث الانساني
تعرض قصر جولستان، أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو في طهران، لأضرار جسيمة جراء غارات أمريكية وإسرائيلية. ففي الثاني من آذار/مارس، تضرر القصر، الذي يمتد تاريخه إلى نحو أربعة قرون، بفعل الحطام والصدمات الناتجة عن غارة جوية استهدفت ساحة أراغ في العاصمة الإيرانية. وعلى الرغم من عدم تسجيل أضرار هيكلية كبيرة حتى الآن، فإن مجرد المساس بهذا الصرح التاريخي يكشف هشاشة التراث الإنساني أمام آلة الحرب.
لقد استعدت، وأنا أتابع هذا الخبر، زيارتي لمجمع القصور القاجارية عام 2025، حيث كتبت حينها عن التداخل المعقد بين الجمال المعماري وسياقات الاستبداد السياسي. ففي كتب التاريخ، كما على جدران القصور تختلط الحقيقة بالبريق، ويتوارى القمع خلف الزخرفة. وعند الوقوف أمام شمس العمارة، أحد أبرز معالم المجمع، يأسرك جمال التصميم ودقة التفاصيل، لكن خلف هذا الإبهار تقف سيرة حاكم ترك أثراً ثقيلاً في ذاكرة شعبه.
إن زيارة هذا القصر تمنح انطباعاً أولياً بالرقي والذوق الرفيع، غير أن القراءة العميقة للتاريخ تفرض معياراً آخر للحكم, ليس جمال البناء، بل عدالة الحاكم وأثره في حياة الناس. فهذه القصور مهما بلغت روعتها، ليست ملكاً لملوكها، بل هي جزء من ذاكرة الشعوب التي مولتها بعرقها، ويجب الحفاظ عليها لا تمجيداً للسلطة، بل توثيقاً للتجربة الإنسانية بكل تناقضاتها.
ويبرز في هذا السياق اسم ناصر الدين شاه القاجاري، الذي حكم إيران قرابة نصف قرن، في مرحلة اتسمت بتركيز السلطة وتغليب القرار الفردي. ومن أبرز قراراته المثيرة للجدل منحه امتياز احتكار التبغ لشركة بريطانية عام 1890، في خطوة منحت النفوذ الأجنبي موطئ قدم واسع في الاقتصاد الإيراني. وقد قوبل هذا القرار برفض شعبي واسع، توج بفتوى المرجع محمد حسن الشيرازي التي حرمت استخدام التبغ، ما أجبر الشاه على التراجع وإلغاء الاتفاقية.
ولم تتوقف تداعيات تلك المرحلة عند هذا الحد، إذ تصاعدت المطالبات بالإصلاح السياسي، وتوحدت قوى المجتمع من علماء ومثقفين وتجار للدفع نحو نظام دستوري يحد من سلطات الحكم المطلق. وفي خضم هذه التحولات، لعب جمال الدين الأفغاني دوراً بارزاً في تحريك الوعي العام، إلى أن انتهى عهد ناصر الدين شاه باغتياله عام 1896، ليخلفه ابنه مظفر الدين شاه القاجاري الذي أبدى قدراً أكبر من الانفتاح عبر إقرار الدستور وإطلاق بعض الإصلاحات.
غير أن هذه الخلفيات التاريخية المعقدة غالباً ما تغيب عن السرد السياحي التقليدي، الذي يكتفي بإبراز الجوانب الجمالية للقصور. فيُقدم شمس العمارة بوصفه أول مبنى شاهق في مجمع جولستان، بني بإلهام من العمارة الأوروبية، ومزيج من الطرازين الإيراني والفرنجي، ومزين بالبلاط والزجاج والديكورات الباذخة. لكن هذا السرد رغم أهميته الفنية، يقصي الوجه الآخر للحقيقة، ويحوّل السياحة إلى أداة لتلميع الاستبداد، حيث يحتفى بالمنجز ويغض الطرف عن الثمن الإنساني.
وأنا أتجول بين تلك القاعات المزخرفة، شعرت بعظمة الإنجاز المعماري، لكن هذا الشعور لم يلغ إدراكي لثقل التاريخ الذي تحمله الجدران. فالجمال لا يمحو الألم، والذاكرة لا تختزل في الزخارف. لقد بقي ناصر الدين شاه، رغم كل ما شيد في عهده، مثالاً لحاكم ارتبط اسمه بالاستبداد، ونال في نهاية المطاف مصيراً يعكس ما زرعه.
خاتمة
إن ما أصاب قصر جولستان اليوم يعيد طرح سؤال جوهري: هل نحمي التراث لأنه جميل، أم لأنه شاهد على الحقيقة؟ فالتاريخ لا يقرأ من واجهات القصور وحدها، بل من مصائر الشعوب التي عاشت في ظلها. وبين بريق العمران وظلال الطغيان، تبقى هذه المعالم ضرورة إنسانية، لا لتخليد الحكام، بل لتذكير الأجيال بأن الجمال لا يبرئ السلطة، وأن الذاكرة، مهما تعرّضت للقصف، تظل أعمق من أن تمحى.