في هذه اللحظة تحديداً، لا أستطيع النُظر إلى صورتك المخبأة في محفظتي والتي كانت تنير، كل الأُوقات المظلمة التي مَررت بها، كيف لك يا فاتن، أن تختفي حتى بخيالك عني؟ الا تعلمي أنني وأن كنت رجلاً مقداماً ولكنني أمامك أرمي خيباتي كطفل صغير خائفاً من هذا العالم المتوحش، هل تعرفين نحن محاصرون منذ أشهر طويلة في غزة؟ في إحدى المرات وأنا اهرب من القصف، خسرت كل ما املك، لذلك الان صورتك بعيدة، سامحيني، ربما أحترقت بدلا مني، انها المرة الثانية التي تفديني فيها، في المرة الأولى عندما تبرعت لي بكليتك، وقدمت لي كل الاثباتات التي تنص على سلامتك واستعدادك. والان صورتك كان فداءا لي، أحترقت لابقى انا.. كيف يطيب لي العيش من بعدك؟ أ أخبرك سراً؟ انا أحُسد كل أصدقائنا وجيراننا الذين سبقوني شهداء، كم احلم بان ارتقي شهيداً، لا والله ليس هربا من المصائب، ولا لان الحياة ضاقت، بل لأنني أجد الظلام يحيطني منذ غادرتِ قبل عام ونصف. أؤمن بانك ترافقيني، لذلك أساهم بهمة في نجدة المصابين وتكفين الشهداء، صديقيني يا رفيقة الروح، هاشم الذي كان يغمى عليه عندما تقطعين اصبعك بالسكين، أصبح أشد صلابة، أعتدت أن أرمي في كل مشهد دون خوف علني ألتحق بك. ولكن أسال نفسي، لماذا؟ لماذا لم أمت إلى الأن؟ لأنني أرى ملك الموت يحصد في الأرواح ولكنني ازداد خيبة عند كل فقدان من الاخوة لنا، عيل صبري، بدأ العالم كله ضدنا، أتذكرين غزة يا فاتن؟ هي الان رماد وخرائب، بيتنا الذي بنيناه معاً، تهدم بفعل القصف، لنا كرات تفرح القلب، لكننا وحدنا، في مدينة باسلة باهلها وايمانهم، كل ما اقوله لكِ، لم يُكتب على ورقة، لا املك قرطاس ولا قلم، لا أملك الا ان اجلس في حيّنا حول النار، وعلى طابوقة حصلت عليها من عمارة مهدومة بفعل القصف، ليست مريحة على كل حال، انا مغمض العينين، وأحادثك وارى من قلبي ضوء ببريق اخضر اللون ينساب من قلبي الى كل جسدي، الى ظلك الابيض المشع امامي بين جفنيّ اللذين يحتفظان بصورتك فيهما إلى الأبد. أخبريني يا فاتن ، كيف ننهض من الجوع، كيف سنبني هذه المدينة، ونحن جياع.. أنا أنتقل من الفضاء الذي تملأينه، بظلالك البيضاء وأعود الى الواقع. اليوم السابع من تموز عام 2025 والساعة الآن التاسعة صباحاً، لم نتناول الفطور بالخبز، نحن أصبحنا نقارن القمح بالذهب، لذلك أريدك ان تعذريني عندما أغيب عنك فترة. أحد الأخوة كان لديه بعض القمح، ساوموه لأجل أن يبيعه ولكنه أجاب بثقة أبيع نفسي ولا أبيع الطحين، جوع ابنائي يقطع شرايني. ، حجب كل ما نمر به، عن العالم، الا من صور زهيدة، بعد الحرب الاخيرة العالم أنقطع عنا، تكبد العدو خسائر جمة وزاد وتيرة الانتقام منا.. نحن من نحمل الأبتلاء الاكبر يا فاتن.. نحتاج العون بشكل كبير.. لا يفكر الانسان حينما يقع في الازمة عن مسبباتها، وقد يلوم انسانا آخر وقد يجزع ولكننا هنا في غزة نلبس العزة وشاحاً ونغني للموت والخراب ونحن نُشعر بأن كل ما نمر به هو أوسمه من ذهب تزين صدورنا، الحمدلله، الصبر سواء كنا أحياء أو شهداء هو غنيمتنا عن هذه الدنيا الفانية. سأتكئ على ذلك الجدار تحت الظل، وأحاول أن أكون اكثر تماسكا، في الغالب ان كل أحاديثي معك هي حين تمر بي حالة من الهوس او الهذيان، كيف لي ان أستمد صلابتي النفسية من طيفك لانجو، بغير ذلك الكلام ولو وهماً معك. في وقت لاحق، هاشم يركض هو ومجموعة من الرجال ويرافقهم بعض الصبية المرهوقون من الجوع والنحول نحو سَرب من العربات التي تحمل مواداً غذائية وعلاجات تنفع للخلاص من المجاعة، حاول ان يأخذ نصيبه من العربات وكان يتزاحم مع غيره لكنه في لحظة تراجع خالي الوضاف وبقى واقفا خلف الحشود وينظر إليهم بفرحة تظهر في عينيه لا في ثغره.. المحتجزون الاحياء في غزة، حالياً يتجاوزون المليون بعد ان كانوا اكثر من مليوني، انها ابادة ووصمة عار في جبيبن الانسانية.. تقدم نحوه احد اصدقائه الذي جاء متاخراً ولكن الخير كثير وبدأ جمع من الناس تنقل حصصهم نحو بيوتهم. _ أخي هاشم، لماذا تقف هنا؟ ، قف في الطابور لتاخذ ما يكفيك. _ لا بأس، اني انتظر دون منافسة الأحوج مني، أنا لا أملك الا نفسي. _تعال.. وابتعد عنه صديقه والأبتسامة تعلو وجهه. انتقل هاشم وهو يحادث فاتن حبيبته وزوجته، وكأنه عاد إلى عالمه الخاص به وبها، اترين يا فاتن، العالم ينتظر ان نموت ليجلب لنا الماء والغذاء والدواء، نحن مباعون في صفقة هزيلة ومن باعنا لا يشعر بالذنب.. عاد إلى مكمنه حيث يختبئ كل ليلة، بساط فقير، و وسادة من اقمشة متسخة، طواها بعد أن جمعها من هنا وهناك.
ظلك الأبيض يلاحقني
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
ظلك الأبيض يلاحقني
في هذه اللحظة تحديداً، لا أستطيع النُظر إلى صورتك المخبأة في محفظتي والتي كانت تنير، كل الأُوقات المظلمة التي مَررت بها، كيف لك يا فاتن، أن تختفي حتى بخيالك عني؟ الا تعلمي أنني وأن كنت رجلاً مقداماً ولكنني أمامك أرمي خيباتي كطفل صغير خائفاً من هذا العالم المتوحش، هل تعرفين نحن محاصرون منذ أشهر طويلة في غزة؟ في إحدى المرات وأنا اهرب من القصف، خسرت كل ما املك، لذلك الان صورتك بعيدة، سامحيني، ربما أحترقت بدلا مني، انها المرة الثانية التي تفديني فيها، في المرة الأولى عندما تبرعت لي بكليتك، وقدمت لي كل الاثباتات التي تنص على سلامتك واستعدادك. والان صورتك كان فداءا لي، أحترقت لابقى انا.. كيف يطيب لي العيش من بعدك؟ أ أخبرك سراً؟ انا أحُسد كل أصدقائنا وجيراننا الذين سبقوني شهداء، كم احلم بان ارتقي شهيداً، لا والله ليس هربا من المصائب، ولا لان الحياة ضاقت، بل لأنني أجد الظلام يحيطني منذ غادرتِ قبل عام ونصف. أؤمن بانك ترافقيني، لذلك أساهم بهمة في نجدة المصابين وتكفين الشهداء، صديقيني يا رفيقة الروح، هاشم الذي كان يغمى عليه عندما تقطعين اصبعك بالسكين، أصبح أشد صلابة، أعتدت أن أرمي في كل مشهد دون خوف علني ألتحق بك. ولكن أسال نفسي، لماذا؟ لماذا لم أمت إلى الأن؟ لأنني أرى ملك الموت يحصد في الأرواح ولكنني ازداد خيبة عند كل فقدان من الاخوة لنا، عيل صبري، بدأ العالم كله ضدنا، أتذكرين غزة يا فاتن؟ هي الان رماد وخرائب، بيتنا الذي بنيناه معاً، تهدم بفعل القصف، لنا كرات تفرح القلب، لكننا وحدنا، في مدينة باسلة باهلها وايمانهم، كل ما اقوله لكِ، لم يُكتب على ورقة، لا املك قرطاس ولا قلم، لا أملك الا ان اجلس في حيّنا حول النار، وعلى طابوقة حصلت عليها من عمارة مهدومة بفعل القصف، ليست مريحة على كل حال، انا مغمض العينين، وأحادثك وارى من قلبي ضوء ببريق اخضر اللون ينساب من قلبي الى كل جسدي، الى ظلك الابيض المشع امامي بين جفنيّ اللذين يحتفظان بصورتك فيهما إلى الأبد. أخبريني يا فاتن ، كيف ننهض من الجوع، كيف سنبني هذه المدينة، ونحن جياع.. أنا أنتقل من الفضاء الذي تملأينه، بظلالك البيضاء وأعود الى الواقع. اليوم السابع من تموز عام 2025 والساعة الآن التاسعة صباحاً، لم نتناول الفطور بالخبز، نحن أصبحنا نقارن القمح بالذهب، لذلك أريدك ان تعذريني عندما أغيب عنك فترة. أحد الأخوة كان لديه بعض القمح، ساوموه لأجل أن يبيعه ولكنه أجاب بثقة أبيع نفسي ولا أبيع الطحين، جوع ابنائي يقطع شرايني. ، حجب كل ما نمر به، عن العالم، الا من صور زهيدة، بعد الحرب الاخيرة العالم أنقطع عنا، تكبد العدو خسائر جمة وزاد وتيرة الانتقام منا.. نحن من نحمل الأبتلاء الاكبر يا فاتن.. نحتاج العون بشكل كبير.. لا يفكر الانسان حينما يقع في الازمة عن مسبباتها، وقد يلوم انسانا آخر وقد يجزع ولكننا هنا في غزة نلبس العزة وشاحاً ونغني للموت والخراب ونحن نُشعر بأن كل ما نمر به هو أوسمه من ذهب تزين صدورنا، الحمدلله، الصبر سواء كنا أحياء أو شهداء هو غنيمتنا عن هذه الدنيا الفانية. سأتكئ على ذلك الجدار تحت الظل، وأحاول أن أكون اكثر تماسكا، في الغالب ان كل أحاديثي معك هي حين تمر بي حالة من الهوس او الهذيان، كيف لي ان أستمد صلابتي النفسية من طيفك لانجو، بغير ذلك الكلام ولو وهماً معك. في وقت لاحق، هاشم يركض هو ومجموعة من الرجال ويرافقهم بعض الصبية المرهوقون من الجوع والنحول نحو سَرب من العربات التي تحمل مواداً غذائية وعلاجات تنفع للخلاص من المجاعة، حاول ان يأخذ نصيبه من العربات وكان يتزاحم مع غيره لكنه في لحظة تراجع خالي الوضاف وبقى واقفا خلف الحشود وينظر إليهم بفرحة تظهر في عينيه لا في ثغره.. المحتجزون الاحياء في غزة، حالياً يتجاوزون المليون بعد ان كانوا اكثر من مليوني، انها ابادة ووصمة عار في جبيبن الانسانية.. تقدم نحوه احد اصدقائه الذي جاء متاخراً ولكن الخير كثير وبدأ جمع من الناس تنقل حصصهم نحو بيوتهم. _ أخي هاشم، لماذا تقف هنا؟ ، قف في الطابور لتاخذ ما يكفيك. _ لا بأس، اني انتظر دون منافسة الأحوج مني، أنا لا أملك الا نفسي. _تعال.. وابتعد عنه صديقه والأبتسامة تعلو وجهه. انتقل هاشم وهو يحادث فاتن حبيبته وزوجته، وكأنه عاد إلى عالمه الخاص به وبها، اترين يا فاتن، العالم ينتظر ان نموت ليجلب لنا الماء والغذاء والدواء، نحن مباعون في صفقة هزيلة ومن باعنا لا يشعر بالذنب.. عاد إلى مكمنه حيث يختبئ كل ليلة، بساط فقير، و وسادة من اقمشة متسخة، طواها بعد أن جمعها من هنا وهناك.
حیدر الأدیب
عدنان الصائغ
التعليقات