في حضرة القاص محمد جبر حسن قصص الحياة تسير على مهل..

صورة الكاتب
بقلم: فرح تركي العامري
التاريخ: 16 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 1362
في حضرة القاص محمد جبر حسن قصص الحياة تسير على مهل..

في حضرة القاص محمد جبر حسن قصص الحياة تسير على مهل.. حوار: فرح تركي العامري

في كل مرة نقرأ فيها نصًا سرديًا للقاص محمد جبر حسن نشعر أننا أمام كاتب يعرف كيف يحوّل التجربة الإنسانية إلى موسيقى خافتة. لا يرفع صوته، لكنه يقول ما يجب أن يُقال بأكثر الطرق صدقًا وهدوءًا.. في نصوصه حضور عميق للإنسان، بكل ما فيه من هشاشة، ومحاولات دائمة للفهم والمصالحة مع الذات. محمد جبر حسن لا يكتب ليُدهش القارئ، بل ليشاركه الدهشة. قصصه تُشبه الجلسة الدافئة التي تفتح فيها قلبك دون خوف، وتستمع لصوت داخلي تعرفه منذ زمن. في هذا الحوار، يحدثنا عن رحلته مع الكتابة، عن الإلهام، عن الحياة والقراءة، عن الأشياء التي تصنع منه كاتبًا أقرب إلى الناس منه إلى المنصّات. حوار صادق، فيه من الهدوء ما يُريح، ومن الحكمة ما يبقى في الذاكرة

. • القاص محمد جبر حسن، السيرة الأدبية لك شمس لا يسهل تغطيتها بالغربال، كيف تصف نفسك أدبيًا أو فلسفيًا؟

_أظن أن الكاتب لا يستطيع أن يصف نفسه إلّا جزئيًا، لأن الكتابة نفسها أكبر منه.. أنا لست أكثر من إنسان يحاول أن يلتقط المعنى الهارب من بين ضجيج الحياة. أكتب حين أشعر أن الكلام العادي لا يكفي، وحين يصبح الصمت أثقل من التحمل. أدبيًا أرى نفسي قريبًا من التجربة الإنسانية بكل ما فيها، لا أبحث عن الزخرفة بقدر ما أبحث عن الصدق. فلسفيًا أميل إلى فكرة أن كل شيء في الحياة مؤقت، لذلك أكتب لأخلّد اللحظات الصغيرة، لأمنحها حياة أطول. الكتابة عندي ليست مهنة، بل طريقة كي أفهم نفسي والعالم، وأتصل بالناس- القرّاء من خلال ما لا أستطيع قوله وجهًا لوجه.

•في الأدب هناك سحر غير مرئي يجذب القارئ إليه، هل تؤمن بقوة الفيزياء الخفية؟

_ربما كون دراستي الجامعية هي الفيزياء، استطيع القول أن الكلمة تملك طاقتها الخاصة، شيء يشبه الموجة، يخرج من الكاتب ويصل إلى القارئ بطريقة لا تفسَّر بالمنطق. هناك نصوص بسيطة جدًا، لكنها تترك أثرًا طويلًا لأن فيها صدقًا داخليًا لا يمكن تصنّعه. هذا ما أسميه “الطاقة الخفية للأدب”، تلك الذبذبة التي تجعلنا نقرأ سطرًا فنشعر أنه كُتب لنا وحدنا. وهذا بالتأكيد نوع من الجاذبية الإنسانية العميقة. الكتابة الجيدة لا تُقنعك فقط، بل تُصيبك في مكان لا تعرفه داخل قلبك.. فتأسرك.

•أنت تسلب القارئ حريته في ترك القراءة، هل تمتلك سرًّا غير الصدق في الكتابة؟

_أحاول دائمًا أن أكتب ببطء، بصدق، وبقليل من الحيلة. ربما السر هو الإصغاء للنص قبل كتابته. أترك الكلمات تمشي على مهلها، كأنها تعرف الطريق وحدها. القارئ لا يُحب أن يُخدع، لكنه يحب أن يُؤخذ إلى مكان لم يتوقعه. لذلك أحاول أن أجعل النصّ مساحة للدهشة، لا استعراضًا. أحيانًا أغيّر فكرة كاملة في نهاية الكتابة لأن الشخصية قالت ما لم أكن أتوقعه منها. أظن أن السر الحقيقي هو أن تكتب بروحك كاملة، لا بجزءٍ منها. النص الذي يولد بصدق يبقى حيًا، حتى بعد أن ينتهي.

• قرأت لك قصة تدور أحداثها في ناحية اليوسفية من قضاء المحمودية- جنوب بغداد، وأراها انتقالة مكانية موفقة لرجل عاش حياته في الجهات الأخرى من بغداد، ويعيش الآن في هولندا، كيف ذلك وهل زرت اليوسفية قبلاً؟

_نعم زرت اليوسفية فعلًا، أحيانًا يسكن المكان الكاتب قبل أن يراه، كأن الحكايات تمشي نحوه من بعيد. في اليوسفية أصدقاء وزملاء من أيام الجامعة، وقد زرتها أكثر من مرة، لكن فكرة القصة — التي صارت مشروع رواية بعنوانها المؤقت يوسف مرة أخرى -كانت اقتراحًا من زميلي نجم عبد الله. ومع الوقت وجدت في الفكرة ما يستحق التوسيع، فكتبت منها فصولًا عدة. اليوسفية بالنسبة لي ليست مجرد قرية، بل رمز لحياة بسيطة تشبه أهلها الطيبين، الذين لا يملكون الكثير لكنهم يمنحون أكثر مما يُتوقّع، وأنا أميل إلى الأماكن الهامشية لأنها أكثر صدقًا وأقرب إلى روح الإنسان. ربما لهذا وجدت في اليوسفية فضاءً مناسبًا لحكاية يوسف مرة أخرى، فهي تختصر براءة الريف وقسوته، وتشبه الإنسان حين يضيع بين الحلم وما تبقّى منه.

•متفقون أن الولاء في محراب الشعر كله للإلهام، فمن أين يأتيك إلهامك الأدبي عمومًا، والسردي على وجه الخصوص؟

_سبق لي ان كتبت نصًا اراه هو الجواب المناسب لهذا السؤال:

لِتخطّ قصة تليق بك

لست بحاجة لأن تكون كاتبًا بارعًا..

ولا أن تملك قلبَ قاصٍ مفتونٍ.

يكفي أن تُصغي للعالم بصمت

وتدع الكلمات تتسلّل إليك

كما تتسلّل الريح لغرفتك من نافذةٍ مواربة.

ربما تبدأ من مشهدٍ عابر سيارةٌ تتوقّف عند إشارةٍ حمراء،

طفلٌ يعدو خلف طائرٍ

كُسِرَ جناحُه،

أو امرأةٌ تُمسك بذراع زوجها في محطةِ باص.

ستدرك حينها أن القصص

ليست دائمًا مدهشة

قد تكون نبضًا خافتًا

أو جملةً عادية تخفي خلفها جبالًا من الشوق.

ربما رسالةٌ على ماسنجر تقول:

لا تُرهق نفسك.. كل شيءٍ سيمضي، قلبي معك.

لا يتطلّب الأمر أن تكون حزينًا

لتكتب ومضة عن الغياب

فالغياب لا يصرخ دائمًا

بل قد يكون صمتًا طويلًا

حين يعلو صوت عقارب الساعة

على صوتكِ.

إنه كوبُ شايٍ بارد

نسيّهُ أحدهم على طاولة الليل.

وهكذا..

بينما تجمع تفاصيلك الصغيرة

قد تجد أنك كنت تكتب عنك

دون أن تدري

وأن الورقة التي ملأتها بالكلمات

ستترك في قلبك شيئًا

يشبه طريقًا مهجورًا

يمتلئ بأصداءِ خطواتٍ لا تعود.

•الكاتب الياباني هاروكي موراكامي يكتب في كل شهر كتابًا، هل هذا منطقي؟ وكم يؤثر الوقت في كمّ الإبداع؟

_لكل كاتب إيقاعه الخاص، البعض يكتب بسرعة لأن أفكاره تتدفق بلا توقف، وآخرون يحتاجون إلى الصمت والبطء كي تنضج الفكرة. بالنسبة لي، لا أؤمن بالكتابة اليومية القسرية، بل بالكتابة التي تأتي حين تكون الفكرة ناضجة. الوقت هو الحاضن الحقيقي للنص. النص الذي يُكتب على مهل يعيش أطول، لأن الكاتب حينها يكون قد عاشه فعلًا. أنا أفضل أن أكتب قصة واحدة تبقى، على أن أكتب عشرة تُنسى بعد أسبوع.. ربما سأجد من ينتقدني ويقول: انظر لهذا القاص الذي لا يعرفه احد يضع رأسه برأس هاروكي موراكامي الحائز على جائزة نوبل!! لا يهمني ما يقولون، المهم أنا مقتنع برأيي هذا.

•ما رأيك في المباريات الشعرية أو ما يسمى السجال على فيسبوك؟ وهل جربتها؟

_للأسف لم تسنح لي الفرصة بالاطلاع عليها ومتابعتها، ربما تكون تجربة طريفة فيها روح الحماس، لكنها لا تمثل الشعر الذي أحبّه.. الشعر بالنسبة لي ليس منافسة، بل اعتراف هادئ مع الذات. أحترم من يجد فيها دافعًا للإبداع، بالنسبة لي أكتب حين أكون في عزلة، حين أسمع نفسي فقط. الفن في جوهره ليس ساحة سباق، بل مساحة صدق. والكتابة التي تولد من الصمت عادةً ما تكون أصدق من تلك التي تولد من سباق.

•نواجه كعراقيين موجة تجهيل كبيرة رغم كل الإبداع، ما الحل برأيك؟

_الجهل ليس قلة معرفة فقط، بل غياب فضول معرفي. حين نفقد الرغبة في السؤال، نصبح أسرى التكرار. الحل يبدأ من التعليم، من الأسرة، من الكتاب الذي يجب أن يعود إلى البيت كما يعود الخبز. نحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يجعل الثقافة جزءًا من حياتنا اليومية لا ترفًا نمارسه في المناسبات. وأنا أؤمن أن المثقف عليه دور مضاعف، ليس في التنظير فقط بل في الفعل، في أن يكون قريبًا من الناس، أن يكتب لهم لا عنهم. الجهل لا يُحارب بالشعارات، بل بالوعي، والوعي يبدأ من كلمة.

•يقال إن الكاتب يولد شاعرًا ثم يختار طريقه بعد الثامنة والعشرين، هل مررت بهذه المرحلة الشعرية؟

_بدأت مع الرسم، لكن الشعر كان المرآة الأولى التي رأيت فيها نفسي. في بداياتي كتبت الشعر المنثور، ووجدت فيه مساحة للحلم والإيقاع والخيال قبل أن ألتفت إلى القصة. كتبت القصيدة قبل أن أكتب القصة، وربما لهذا تميل لغتي السردية إلى الموسيقى الداخلية للنصوص. مع الوقت، شعرت أن القصة تمنحني حرية أوسع للحكاية والتفاصيل، فاخترت السرد طريقًا أقرب إلى قلبي. ومع ذلك، لا يزال الشعر يسكنني، ويطل أحيانًا فجأة في منتصف نصّي، كأنه يهمس: أنا لم أرحل بعد. لذلك جمعت نصوصي وطبعتها في كتاب “ذاكرة وطن”. على العموم أن الكاتب لا يتخلى عن بداياته، بل يحملها معه أينما ذهب، كظلٍ رفيق، يذكّره دائمًا بأول مرآة رأى فيها نفسه.

•النقد غربال المبدعين، كيف تعامل النقاد مع ما تكتب؟

_النقاد الذين قرأوا لي اختلفوا في آرائهم، وهذا طبيعي وصحي. بعضهم قرأني بروح قريبة، وبعضهم من زاوية تحليلية بحتة. أنا لا أكتب لأُرضي النقد، بل لأكتب ما أؤمن به. ومع ذلك، أقدّر كل قراءة صادقة، لأن النقد الجاد يساعد الكاتب على أن يرى نصّه بعين أخرى. ما يهمني دائمًا هو القارئ العادي، ذلك الذي يقرأ بصمت ويشعر بأن النص يشبهه. النقد مهمّ، لكن العبور إلى القلوب هو الامتحان الحقيقي.

•هل تكفي المسابقات لتقييم المبدع؟

_المسابقات، في رأيي، احتفاء جميل بالأدب والمبدعين، وهي تساهم في تحفيز الحركة الثقافية وتسليط الضوء على الأصوات الجديدة، لكنها لا يمكن أن تكون المقياس الوحيد لتقييم التجارب الإبداعية. فكم من كاتبٍ كبير لم يحصل على جائزة، ومع ذلك بقيت نصوصه حيّة لأنها وجدت مكانها في وجدان القرّاء. الجوائز تُضيء الكاتب لكنها لا تصنعه؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يقوم على الأوسمة بل على الصدق الفني والعمق الإنساني. أنا مع كل مبادرةٍ تشجع الأدب وتحتفي بالمبدعين، لكنّي أؤمن أن القيمة الحقيقية لأي كاتب تُقاس بما يتركه من أثرٍ صادق في نصوصه، لا بما يُعلّق على صدره من ميداليات.

•ماذا تعني لك الكتابة؟ هل هي تنفّس، أم حياة، أم التقاطات من وهج الحياة؟

_ الكتابة بالنسبة لي هي كل ذلك معًا؛ تنفّس، وحياة، وذاكرة. هي طريقتي في البقاء على قيد الوجدان، وفي التخفّف من ثقل الأيام. أكتب لأن الحياة، في بعض لحظاتها، لا تُحتمل – بالنسبة لي– إلّا بالحرف. حين أكتب، أشعر أنني أستعيد توازني، كأنني أضع وجعي على الورق لأجعله أخفّ وأقلّ وطأة. الكتابة ليست ترفًا عندي، بل ضرورة تشبه الحاجة إلى التنفس، وملاذ أجد فيه نفسي من جديد. وفي أحيان كثيرة، أكتب عن الآخرين أكثر مما أكتب عن نفسي؛ كأن الكتابة وسيلة لفهم الناس، لا للحكم عليهم. ولأجل أن تبقى كتاباتي قريبة من نبض الناس وصدق التجربة، أقوم في مرات عديدة بإرسال نصوصي – قبل النشر– إلى مجموعة من الأصدقاء الذين أثق بذائقتهم وحسّهم الأدبي، واعتبر آراءهم بمثابة مرآة أرى بها نصّي قبل أن يخرج إلى العلن. من هؤلاء الأصدقاء صديق طفولتي حميد الموسوي، وزوجتي، واثنتان من زميلاتي، وأحد الأصدقاء النقّاد الذين أعتزّ بقراءتهم وملاحظاتهم الصادقة، إنهم يمنحون زوايا جديدة للنظر إلى النص، ويذكّرونني دائمًا بأن الكتابة، قبل كل شيء، هي حوارٌ مفتوح مع الحياة والآخرين.

•لو أحضرنا لك فرشاة وألوانًا وورقًا، ماذا ستختار أن ترسم؟

_ أنا دائمًا أرسم بورتريهات لوجوه ناس متعبة، لم أحدد شخوصهم. أحب أن تظهر في هذه الوجوه القصص التي تحملها، الألم والأمل والخوف والفرح.. أحيانًا أرسم يدين تمسكان ببعضهما، لأننا في النهاية لا ننجو إلّا حين نكون معًا. الفن، سواء كتابة أو رسمًا، بالنسبة لي هو طريقة لفهم الناس والعالم، ومساحة أجد فيها نفسي، كل وجه أرسمه يشبه نافذة صغيرة لما يختبئ خلف المظاهر اليومية. وما أرسمه ليس مجرد صورة، بل محاولة لرؤية الصدق البسيط في حياة الناس.

•هل الضياع بين الكتب إنقاذ للروح؟ ماذا تعني لك القراءة؟

_القراءة هي طريقتي في السفر من دون تذكرة، كل كتاب هو نافذة جديدة أطلّ منها على العالم. حين أقرأ، أشعر أنني أتنفس من رئة أخرى، وأنني أعيش أكثر من حياة في الوقت نفسه. القراءة تنقذني كل مرة من قسوة الواقع، وتذكّرني بأن هناك دومًا جمالًا خلف الغبار. هي ليست هواية عندي، بل جزء من يومي، من هدوئي. والكتب التي أحبها حقًا هي التي تتركني صامتًا بعد انتهائها، كمن خرج من حلم جميل لا يريد أن يصحو منه.

•هل حدث أن كنت يومًا غلافًا لإحدى المجلات؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟

_نعم، حدث ذلك ذات مرة، وكان شعورًا جميلاً ومفاجئًا في الوقت نفسه. رؤية وجهك على غلاف مطبوعة إحساس مختلف، لكنه لا يغيّر جوهر الأمور. تعاملت مع الموضوع ببساطة، كنوع من التقدير لا أكثر. في النهاية، الغلاف يبهج لحظة، لكن الذي يبقى هو النصّ. أسعد لحظاتي ليست حين أرى صورتي، بل حين تصلني رسالة من قارئ يقول إن قصة صغيرة كتبتها غيّرت شيئًا في يومه.. هذا بالنسبة لي التكريم الحقيقي.

•كم كتابًا أهديت إلى مكتبات العالم العربي؟

_إن كان المقصود نتاجي من الكتب المطبوعة، فيمكنني القول أنني أصدرت الكتب التالية: ١- الساعة الثانية بعد منتصف القلق (2021)، ٢- فم مغلق (2022)، ٣- حقيبة الأمنيات (2025)، ٤- إضافة إلى ديواني الشعري ذاكرة وطن (2024). وصدر عني كتاب توثيقي بعنوان: أسماء لامعة في سماء المدينة عن دار أمارچي للطباعة والنشر، يتناول سيرتي وأعمالي وآراء النقّاد. كما شاركت في عدد من الموسوعات والكتب الأدبية العربية، منها: 1. مملكة القصب، شعب في مطلع التاريخ – تأليف حسن عبد زاير الكعبي. 2. 150 أيقونة عربية – الصادر بمناسبة اليوم العالمي للقصة القصيرة جدًا. 3.من جنى الذائقة – حكايات من وحي قصص مختارة – للكاتب لطيف عبد سالم. 4.أراك في كل المرايا- مجموعة قصصية– إعداد القاص رياض داخل. 5.وردت سيرتي الأدبية ونماذج من شعري في كتاب موسوعة الشعر العراقي الحديث – للكاتبة المغربية فاطمة بوهراكة. 6.وردت سيرتي الادبية في كتاب موسوعة صحفيون بين جيلين- الجزء الرابع لمؤلفه صادق فرج التميمي. اتمنى أن تقبل هذه الكتب كهدية لمَن يقتنيها ويستمتع بقرائتها.

•هل ندمت يومًا على فكرة ضاعت لأنك لم تكتبها؟

_الأفكار عندي مثل الطيور، إن لم أمسكها في اللحظة الأولى، تطير. أحيانًا أستيقظ منتصف الليل لأن جملة ما خطرت لي، فأكتبها على عجل قبل أن تختفي. لكنني تعلمت ألا أحزن، لأن الفكرة التي تضيع غالبًا تعود بطريقة أخرى، أنضج وأصفى، الكتابة الحقيقية لا تُجبر، بل تأتي حين تكون مستعدة هي، لا حين نكون نحن مستعدين لها.

•هل تستحق الحياة كل هذا العناء؟وما نصيحتك؟

_ نعم، تستحق، رغم قسوتها، فيها لحظات صغيرة تعيد التوازن لكل شيء: ابتسامة صادقة، لقاء غير متوقع، كتاب جميل، أو فجر هادئ بعد ليلة صعبة. الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها تمنحنا دومًا فرصة أخرى لننهض.. نصيحتي، وهي نصيحة لنفسي أولًا: لا تجعل الخيبات تسرق منك الإحساس بالجمال، ولا تحوّل الألم إلى جدار حولك. عش ببساطة، واغفر كثيرًا، واحتفظ بقدرتك على الدهشة. فطالما ما زلت تندهش، فأنت حيّ بحق.

• سؤالنا الأخير ما القادم من كتاباتك؟

_أعمل حاليًا على إعداد كتاب بعنوان “عصابة شيطنة وحكايات أخرى”، وهي 12 حكاية تتناول الإنسان العراقي في وجعه اليومي، بين الخسارة والأمل. كما أضع اللمسات الأخيرة على ديواني الشعري “أتذكرك وابادلك الغياب”، الذي يحمل ملامح الحنين والبحث عن المعنى وسط الفقد. في هذا الديوان أحاول أن أقول ما لا يُقال، بلغة بسيطة لكنها تمسّ القلب، لأن الشعر بالنسبة لي محاولة لالتقاط ما يتسرّب من الإنسان حين يواجه الحياة. وسأقوم بطبع الكتابين أعلاه مطلع العام المقبل إن شاء الله، لتكونا بيد القرّاء..

 

—— في الختام مع القاص محمد جبر حسن لا تشعر أن الحوار انتهى، بل كأنه بدأ للتو ، كلماته تمشي على أطراف الضوء، لا تُثير الضجيج لكنها تترك أثرًا هادئًا في القلب. هو من الكتّاب الذين يجعلونك تصدّق أن الأدب يمكن أن يكون عزاءً، وأن القصة ليست مجرد حكاية، بل مرآة نرى فيها أنفسنا. في زمن كثير الصخب، يكتب القاص محمد جبر بصوت منخفض، لكنه يصل أبعد من الجميع. ربما هذا هو سرّه، أنه يكتب كما يتنفس، ويترك للقارئ أن يكمل الحكاية كما يشاء.. أرجو لجميع قرّاء المجلة ومتابعيها قراءة ممتعة.

عن الکاتب / الکاتبة

فرح تركي العامري
فرح تركي العامري
قاصة وكاتبة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

للبیع

للبیع

أحملُ على جدار كينونتي إعلاناً من سطرٍ واحدٍ: 《قلبٌ للبيعِ بحالةٍ جيدةٍ تخطّى الكثيرَ من…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
30 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد
“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي “

“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي “

“الكتابة غذاء روحي، وسفر جميل” الأديب محمد الميالي حوار: فرح تركي العامري “الكتابة غذاء روحي،…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
15 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد
ظلك الأبيض يلاحقني

ظلك الأبيض يلاحقني

في هذه اللحظة تحديداً، لا أستطيع النُظر إلى صورتك المخبأة في محفظتي والتي كانت تنير،…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
11 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


في حضرة القاص محمد جبر حسن قصص الحياة تسير على مهل..

بقلم: فرح تركي العامري | التاريخ: 16 نوفمبر 2025

التصنيف: الحوارات

في حضرة القاص محمد جبر حسن قصص الحياة تسير على مهل.. حوار: فرح تركي العامري

في كل مرة نقرأ فيها نصًا سرديًا للقاص محمد جبر حسن نشعر أننا أمام كاتب يعرف كيف يحوّل التجربة الإنسانية إلى موسيقى خافتة. لا يرفع صوته، لكنه يقول ما يجب أن يُقال بأكثر الطرق صدقًا وهدوءًا.. في نصوصه حضور عميق للإنسان، بكل ما فيه من هشاشة، ومحاولات دائمة للفهم والمصالحة مع الذات. محمد جبر حسن لا يكتب ليُدهش القارئ، بل ليشاركه الدهشة. قصصه تُشبه الجلسة الدافئة التي تفتح فيها قلبك دون خوف، وتستمع لصوت داخلي تعرفه منذ زمن. في هذا الحوار، يحدثنا عن رحلته مع الكتابة، عن الإلهام، عن الحياة والقراءة، عن الأشياء التي تصنع منه كاتبًا أقرب إلى الناس منه إلى المنصّات. حوار صادق، فيه من الهدوء ما يُريح، ومن الحكمة ما يبقى في الذاكرة

. • القاص محمد جبر حسن، السيرة الأدبية لك شمس لا يسهل تغطيتها بالغربال، كيف تصف نفسك أدبيًا أو فلسفيًا؟

_أظن أن الكاتب لا يستطيع أن يصف نفسه إلّا جزئيًا، لأن الكتابة نفسها أكبر منه.. أنا لست أكثر من إنسان يحاول أن يلتقط المعنى الهارب من بين ضجيج الحياة. أكتب حين أشعر أن الكلام العادي لا يكفي، وحين يصبح الصمت أثقل من التحمل. أدبيًا أرى نفسي قريبًا من التجربة الإنسانية بكل ما فيها، لا أبحث عن الزخرفة بقدر ما أبحث عن الصدق. فلسفيًا أميل إلى فكرة أن كل شيء في الحياة مؤقت، لذلك أكتب لأخلّد اللحظات الصغيرة، لأمنحها حياة أطول. الكتابة عندي ليست مهنة، بل طريقة كي أفهم نفسي والعالم، وأتصل بالناس- القرّاء من خلال ما لا أستطيع قوله وجهًا لوجه.

•في الأدب هناك سحر غير مرئي يجذب القارئ إليه، هل تؤمن بقوة الفيزياء الخفية؟

_ربما كون دراستي الجامعية هي الفيزياء، استطيع القول أن الكلمة تملك طاقتها الخاصة، شيء يشبه الموجة، يخرج من الكاتب ويصل إلى القارئ بطريقة لا تفسَّر بالمنطق. هناك نصوص بسيطة جدًا، لكنها تترك أثرًا طويلًا لأن فيها صدقًا داخليًا لا يمكن تصنّعه. هذا ما أسميه “الطاقة الخفية للأدب”، تلك الذبذبة التي تجعلنا نقرأ سطرًا فنشعر أنه كُتب لنا وحدنا. وهذا بالتأكيد نوع من الجاذبية الإنسانية العميقة. الكتابة الجيدة لا تُقنعك فقط، بل تُصيبك في مكان لا تعرفه داخل قلبك.. فتأسرك.

•أنت تسلب القارئ حريته في ترك القراءة، هل تمتلك سرًّا غير الصدق في الكتابة؟

_أحاول دائمًا أن أكتب ببطء، بصدق، وبقليل من الحيلة. ربما السر هو الإصغاء للنص قبل كتابته. أترك الكلمات تمشي على مهلها، كأنها تعرف الطريق وحدها. القارئ لا يُحب أن يُخدع، لكنه يحب أن يُؤخذ إلى مكان لم يتوقعه. لذلك أحاول أن أجعل النصّ مساحة للدهشة، لا استعراضًا. أحيانًا أغيّر فكرة كاملة في نهاية الكتابة لأن الشخصية قالت ما لم أكن أتوقعه منها. أظن أن السر الحقيقي هو أن تكتب بروحك كاملة، لا بجزءٍ منها. النص الذي يولد بصدق يبقى حيًا، حتى بعد أن ينتهي.

• قرأت لك قصة تدور أحداثها في ناحية اليوسفية من قضاء المحمودية- جنوب بغداد، وأراها انتقالة مكانية موفقة لرجل عاش حياته في الجهات الأخرى من بغداد، ويعيش الآن في هولندا، كيف ذلك وهل زرت اليوسفية قبلاً؟

_نعم زرت اليوسفية فعلًا، أحيانًا يسكن المكان الكاتب قبل أن يراه، كأن الحكايات تمشي نحوه من بعيد. في اليوسفية أصدقاء وزملاء من أيام الجامعة، وقد زرتها أكثر من مرة، لكن فكرة القصة — التي صارت مشروع رواية بعنوانها المؤقت يوسف مرة أخرى -كانت اقتراحًا من زميلي نجم عبد الله. ومع الوقت وجدت في الفكرة ما يستحق التوسيع، فكتبت منها فصولًا عدة. اليوسفية بالنسبة لي ليست مجرد قرية، بل رمز لحياة بسيطة تشبه أهلها الطيبين، الذين لا يملكون الكثير لكنهم يمنحون أكثر مما يُتوقّع، وأنا أميل إلى الأماكن الهامشية لأنها أكثر صدقًا وأقرب إلى روح الإنسان. ربما لهذا وجدت في اليوسفية فضاءً مناسبًا لحكاية يوسف مرة أخرى، فهي تختصر براءة الريف وقسوته، وتشبه الإنسان حين يضيع بين الحلم وما تبقّى منه.

•متفقون أن الولاء في محراب الشعر كله للإلهام، فمن أين يأتيك إلهامك الأدبي عمومًا، والسردي على وجه الخصوص؟

_سبق لي ان كتبت نصًا اراه هو الجواب المناسب لهذا السؤال:

لِتخطّ قصة تليق بك

لست بحاجة لأن تكون كاتبًا بارعًا..

ولا أن تملك قلبَ قاصٍ مفتونٍ.

يكفي أن تُصغي للعالم بصمت

وتدع الكلمات تتسلّل إليك

كما تتسلّل الريح لغرفتك من نافذةٍ مواربة.

ربما تبدأ من مشهدٍ عابر سيارةٌ تتوقّف عند إشارةٍ حمراء،

طفلٌ يعدو خلف طائرٍ

كُسِرَ جناحُه،

أو امرأةٌ تُمسك بذراع زوجها في محطةِ باص.

ستدرك حينها أن القصص

ليست دائمًا مدهشة

قد تكون نبضًا خافتًا

أو جملةً عادية تخفي خلفها جبالًا من الشوق.

ربما رسالةٌ على ماسنجر تقول:

لا تُرهق نفسك.. كل شيءٍ سيمضي، قلبي معك.

لا يتطلّب الأمر أن تكون حزينًا

لتكتب ومضة عن الغياب

فالغياب لا يصرخ دائمًا

بل قد يكون صمتًا طويلًا

حين يعلو صوت عقارب الساعة

على صوتكِ.

إنه كوبُ شايٍ بارد

نسيّهُ أحدهم على طاولة الليل.

وهكذا..

بينما تجمع تفاصيلك الصغيرة

قد تجد أنك كنت تكتب عنك

دون أن تدري

وأن الورقة التي ملأتها بالكلمات

ستترك في قلبك شيئًا

يشبه طريقًا مهجورًا

يمتلئ بأصداءِ خطواتٍ لا تعود.

•الكاتب الياباني هاروكي موراكامي يكتب في كل شهر كتابًا، هل هذا منطقي؟ وكم يؤثر الوقت في كمّ الإبداع؟

_لكل كاتب إيقاعه الخاص، البعض يكتب بسرعة لأن أفكاره تتدفق بلا توقف، وآخرون يحتاجون إلى الصمت والبطء كي تنضج الفكرة. بالنسبة لي، لا أؤمن بالكتابة اليومية القسرية، بل بالكتابة التي تأتي حين تكون الفكرة ناضجة. الوقت هو الحاضن الحقيقي للنص. النص الذي يُكتب على مهل يعيش أطول، لأن الكاتب حينها يكون قد عاشه فعلًا. أنا أفضل أن أكتب قصة واحدة تبقى، على أن أكتب عشرة تُنسى بعد أسبوع.. ربما سأجد من ينتقدني ويقول: انظر لهذا القاص الذي لا يعرفه احد يضع رأسه برأس هاروكي موراكامي الحائز على جائزة نوبل!! لا يهمني ما يقولون، المهم أنا مقتنع برأيي هذا.

•ما رأيك في المباريات الشعرية أو ما يسمى السجال على فيسبوك؟ وهل جربتها؟

_للأسف لم تسنح لي الفرصة بالاطلاع عليها ومتابعتها، ربما تكون تجربة طريفة فيها روح الحماس، لكنها لا تمثل الشعر الذي أحبّه.. الشعر بالنسبة لي ليس منافسة، بل اعتراف هادئ مع الذات. أحترم من يجد فيها دافعًا للإبداع، بالنسبة لي أكتب حين أكون في عزلة، حين أسمع نفسي فقط. الفن في جوهره ليس ساحة سباق، بل مساحة صدق. والكتابة التي تولد من الصمت عادةً ما تكون أصدق من تلك التي تولد من سباق.

•نواجه كعراقيين موجة تجهيل كبيرة رغم كل الإبداع، ما الحل برأيك؟

_الجهل ليس قلة معرفة فقط، بل غياب فضول معرفي. حين نفقد الرغبة في السؤال، نصبح أسرى التكرار. الحل يبدأ من التعليم، من الأسرة، من الكتاب الذي يجب أن يعود إلى البيت كما يعود الخبز. نحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يجعل الثقافة جزءًا من حياتنا اليومية لا ترفًا نمارسه في المناسبات. وأنا أؤمن أن المثقف عليه دور مضاعف، ليس في التنظير فقط بل في الفعل، في أن يكون قريبًا من الناس، أن يكتب لهم لا عنهم. الجهل لا يُحارب بالشعارات، بل بالوعي، والوعي يبدأ من كلمة.

•يقال إن الكاتب يولد شاعرًا ثم يختار طريقه بعد الثامنة والعشرين، هل مررت بهذه المرحلة الشعرية؟

_بدأت مع الرسم، لكن الشعر كان المرآة الأولى التي رأيت فيها نفسي. في بداياتي كتبت الشعر المنثور، ووجدت فيه مساحة للحلم والإيقاع والخيال قبل أن ألتفت إلى القصة. كتبت القصيدة قبل أن أكتب القصة، وربما لهذا تميل لغتي السردية إلى الموسيقى الداخلية للنصوص. مع الوقت، شعرت أن القصة تمنحني حرية أوسع للحكاية والتفاصيل، فاخترت السرد طريقًا أقرب إلى قلبي. ومع ذلك، لا يزال الشعر يسكنني، ويطل أحيانًا فجأة في منتصف نصّي، كأنه يهمس: أنا لم أرحل بعد. لذلك جمعت نصوصي وطبعتها في كتاب “ذاكرة وطن”. على العموم أن الكاتب لا يتخلى عن بداياته، بل يحملها معه أينما ذهب، كظلٍ رفيق، يذكّره دائمًا بأول مرآة رأى فيها نفسه.

•النقد غربال المبدعين، كيف تعامل النقاد مع ما تكتب؟

_النقاد الذين قرأوا لي اختلفوا في آرائهم، وهذا طبيعي وصحي. بعضهم قرأني بروح قريبة، وبعضهم من زاوية تحليلية بحتة. أنا لا أكتب لأُرضي النقد، بل لأكتب ما أؤمن به. ومع ذلك، أقدّر كل قراءة صادقة، لأن النقد الجاد يساعد الكاتب على أن يرى نصّه بعين أخرى. ما يهمني دائمًا هو القارئ العادي، ذلك الذي يقرأ بصمت ويشعر بأن النص يشبهه. النقد مهمّ، لكن العبور إلى القلوب هو الامتحان الحقيقي.

•هل تكفي المسابقات لتقييم المبدع؟

_المسابقات، في رأيي، احتفاء جميل بالأدب والمبدعين، وهي تساهم في تحفيز الحركة الثقافية وتسليط الضوء على الأصوات الجديدة، لكنها لا يمكن أن تكون المقياس الوحيد لتقييم التجارب الإبداعية. فكم من كاتبٍ كبير لم يحصل على جائزة، ومع ذلك بقيت نصوصه حيّة لأنها وجدت مكانها في وجدان القرّاء. الجوائز تُضيء الكاتب لكنها لا تصنعه؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يقوم على الأوسمة بل على الصدق الفني والعمق الإنساني. أنا مع كل مبادرةٍ تشجع الأدب وتحتفي بالمبدعين، لكنّي أؤمن أن القيمة الحقيقية لأي كاتب تُقاس بما يتركه من أثرٍ صادق في نصوصه، لا بما يُعلّق على صدره من ميداليات.

•ماذا تعني لك الكتابة؟ هل هي تنفّس، أم حياة، أم التقاطات من وهج الحياة؟

_ الكتابة بالنسبة لي هي كل ذلك معًا؛ تنفّس، وحياة، وذاكرة. هي طريقتي في البقاء على قيد الوجدان، وفي التخفّف من ثقل الأيام. أكتب لأن الحياة، في بعض لحظاتها، لا تُحتمل – بالنسبة لي– إلّا بالحرف. حين أكتب، أشعر أنني أستعيد توازني، كأنني أضع وجعي على الورق لأجعله أخفّ وأقلّ وطأة. الكتابة ليست ترفًا عندي، بل ضرورة تشبه الحاجة إلى التنفس، وملاذ أجد فيه نفسي من جديد. وفي أحيان كثيرة، أكتب عن الآخرين أكثر مما أكتب عن نفسي؛ كأن الكتابة وسيلة لفهم الناس، لا للحكم عليهم. ولأجل أن تبقى كتاباتي قريبة من نبض الناس وصدق التجربة، أقوم في مرات عديدة بإرسال نصوصي – قبل النشر– إلى مجموعة من الأصدقاء الذين أثق بذائقتهم وحسّهم الأدبي، واعتبر آراءهم بمثابة مرآة أرى بها نصّي قبل أن يخرج إلى العلن. من هؤلاء الأصدقاء صديق طفولتي حميد الموسوي، وزوجتي، واثنتان من زميلاتي، وأحد الأصدقاء النقّاد الذين أعتزّ بقراءتهم وملاحظاتهم الصادقة، إنهم يمنحون زوايا جديدة للنظر إلى النص، ويذكّرونني دائمًا بأن الكتابة، قبل كل شيء، هي حوارٌ مفتوح مع الحياة والآخرين.

•لو أحضرنا لك فرشاة وألوانًا وورقًا، ماذا ستختار أن ترسم؟

_ أنا دائمًا أرسم بورتريهات لوجوه ناس متعبة، لم أحدد شخوصهم. أحب أن تظهر في هذه الوجوه القصص التي تحملها، الألم والأمل والخوف والفرح.. أحيانًا أرسم يدين تمسكان ببعضهما، لأننا في النهاية لا ننجو إلّا حين نكون معًا. الفن، سواء كتابة أو رسمًا، بالنسبة لي هو طريقة لفهم الناس والعالم، ومساحة أجد فيها نفسي، كل وجه أرسمه يشبه نافذة صغيرة لما يختبئ خلف المظاهر اليومية. وما أرسمه ليس مجرد صورة، بل محاولة لرؤية الصدق البسيط في حياة الناس.

•هل الضياع بين الكتب إنقاذ للروح؟ ماذا تعني لك القراءة؟

_القراءة هي طريقتي في السفر من دون تذكرة، كل كتاب هو نافذة جديدة أطلّ منها على العالم. حين أقرأ، أشعر أنني أتنفس من رئة أخرى، وأنني أعيش أكثر من حياة في الوقت نفسه. القراءة تنقذني كل مرة من قسوة الواقع، وتذكّرني بأن هناك دومًا جمالًا خلف الغبار. هي ليست هواية عندي، بل جزء من يومي، من هدوئي. والكتب التي أحبها حقًا هي التي تتركني صامتًا بعد انتهائها، كمن خرج من حلم جميل لا يريد أن يصحو منه.

•هل حدث أن كنت يومًا غلافًا لإحدى المجلات؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟

_نعم، حدث ذلك ذات مرة، وكان شعورًا جميلاً ومفاجئًا في الوقت نفسه. رؤية وجهك على غلاف مطبوعة إحساس مختلف، لكنه لا يغيّر جوهر الأمور. تعاملت مع الموضوع ببساطة، كنوع من التقدير لا أكثر. في النهاية، الغلاف يبهج لحظة، لكن الذي يبقى هو النصّ. أسعد لحظاتي ليست حين أرى صورتي، بل حين تصلني رسالة من قارئ يقول إن قصة صغيرة كتبتها غيّرت شيئًا في يومه.. هذا بالنسبة لي التكريم الحقيقي.

•كم كتابًا أهديت إلى مكتبات العالم العربي؟

_إن كان المقصود نتاجي من الكتب المطبوعة، فيمكنني القول أنني أصدرت الكتب التالية: ١- الساعة الثانية بعد منتصف القلق (2021)، ٢- فم مغلق (2022)، ٣- حقيبة الأمنيات (2025)، ٤- إضافة إلى ديواني الشعري ذاكرة وطن (2024). وصدر عني كتاب توثيقي بعنوان: أسماء لامعة في سماء المدينة عن دار أمارچي للطباعة والنشر، يتناول سيرتي وأعمالي وآراء النقّاد. كما شاركت في عدد من الموسوعات والكتب الأدبية العربية، منها: 1. مملكة القصب، شعب في مطلع التاريخ – تأليف حسن عبد زاير الكعبي. 2. 150 أيقونة عربية – الصادر بمناسبة اليوم العالمي للقصة القصيرة جدًا. 3.من جنى الذائقة – حكايات من وحي قصص مختارة – للكاتب لطيف عبد سالم. 4.أراك في كل المرايا- مجموعة قصصية– إعداد القاص رياض داخل. 5.وردت سيرتي الأدبية ونماذج من شعري في كتاب موسوعة الشعر العراقي الحديث – للكاتبة المغربية فاطمة بوهراكة. 6.وردت سيرتي الادبية في كتاب موسوعة صحفيون بين جيلين- الجزء الرابع لمؤلفه صادق فرج التميمي. اتمنى أن تقبل هذه الكتب كهدية لمَن يقتنيها ويستمتع بقرائتها.

•هل ندمت يومًا على فكرة ضاعت لأنك لم تكتبها؟

_الأفكار عندي مثل الطيور، إن لم أمسكها في اللحظة الأولى، تطير. أحيانًا أستيقظ منتصف الليل لأن جملة ما خطرت لي، فأكتبها على عجل قبل أن تختفي. لكنني تعلمت ألا أحزن، لأن الفكرة التي تضيع غالبًا تعود بطريقة أخرى، أنضج وأصفى، الكتابة الحقيقية لا تُجبر، بل تأتي حين تكون مستعدة هي، لا حين نكون نحن مستعدين لها.

•هل تستحق الحياة كل هذا العناء؟وما نصيحتك؟

_ نعم، تستحق، رغم قسوتها، فيها لحظات صغيرة تعيد التوازن لكل شيء: ابتسامة صادقة، لقاء غير متوقع، كتاب جميل، أو فجر هادئ بعد ليلة صعبة. الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها تمنحنا دومًا فرصة أخرى لننهض.. نصيحتي، وهي نصيحة لنفسي أولًا: لا تجعل الخيبات تسرق منك الإحساس بالجمال، ولا تحوّل الألم إلى جدار حولك. عش ببساطة، واغفر كثيرًا، واحتفظ بقدرتك على الدهشة. فطالما ما زلت تندهش، فأنت حيّ بحق.

• سؤالنا الأخير ما القادم من كتاباتك؟

_أعمل حاليًا على إعداد كتاب بعنوان “عصابة شيطنة وحكايات أخرى”، وهي 12 حكاية تتناول الإنسان العراقي في وجعه اليومي، بين الخسارة والأمل. كما أضع اللمسات الأخيرة على ديواني الشعري “أتذكرك وابادلك الغياب”، الذي يحمل ملامح الحنين والبحث عن المعنى وسط الفقد. في هذا الديوان أحاول أن أقول ما لا يُقال، بلغة بسيطة لكنها تمسّ القلب، لأن الشعر بالنسبة لي محاولة لالتقاط ما يتسرّب من الإنسان حين يواجه الحياة. وسأقوم بطبع الكتابين أعلاه مطلع العام المقبل إن شاء الله، لتكونا بيد القرّاء..

 

—— في الختام مع القاص محمد جبر حسن لا تشعر أن الحوار انتهى، بل كأنه بدأ للتو ، كلماته تمشي على أطراف الضوء، لا تُثير الضجيج لكنها تترك أثرًا هادئًا في القلب. هو من الكتّاب الذين يجعلونك تصدّق أن الأدب يمكن أن يكون عزاءً، وأن القصة ليست مجرد حكاية، بل مرآة نرى فيها أنفسنا. في زمن كثير الصخب، يكتب القاص محمد جبر بصوت منخفض، لكنه يصل أبعد من الجميع. ربما هذا هو سرّه، أنه يكتب كما يتنفس، ويترك للقارئ أن يكمل الحكاية كما يشاء.. أرجو لجميع قرّاء المجلة ومتابعيها قراءة ممتعة.