قراءة في رواية عالم
عالم زي …زو
للكاتب مهدي علي ازبين
في عام 1981 صدرت عن دار الرشيد في بغداد، وهي دار نشر حكومية – آنذاك – مجموعة قصص بعنوان ( الحب في القرن الحادي والعشرين) لكاتب يدعى رؤوف وصفي، وهي من قصص الخيال العلمي، تلقفتها بالقراءة وكنت شاباً في مقتبل الدراسة الجامعية، وما إن توغلتُ في القراءة حتى وجدتُ أنني إزاء عالمٍ غريبٍ في الخيال، لم يكن عقلي القاصر يدرك أن العالم الذي يديره الكاتب في قصصه يمكن أن يصل بنا الوقت لنرى عوالمه الخيالية متجسدة أمامنا الآن .
وعلى سبيل المثال، أن احدى قصص المجموعة – والتي حملت المجموعة عنوانها – كانت قصة حب بين شابين يتراسلان عبر جهاز بحجم علبة سكائر حسب ما يصف الكاتب، بالصوت والصورة ويتناجيان ويتكلمان عبر هذا الجهاز وكأنهما يجلسان بمكان واحد، يختزلان الزمان والمكان ويتناجيان عبر الأثير.
لم يكن الخيال يمتد بي إلى التوقع أن هذا سيكون ممكناً في عالمنا الحالي ومع تقدم الأعوام، ها هو الجهاز بين أيدينا وشاع استخدامه في عموم العالم وهو جهاز ( الموبايل)، وكلما قطعت البشرية شوطاً في التقدم العلمي الإلكتروني والمعلوماتي أصبحت الأمور متيسرة أكثر على مختلف الفعاليات الإنسانية.
تخيَّل هذا الكلام وهذا الخيال في عام 1981، حيث لا فضائيات ولا شبكات أنترنت.
ما ذكّرني بهذا الموضوع، إنني إزاء عمل روائي لكاتب عراقي هو مهدي علي ازبين، بعنوان ( عالم زي …زو).
لست هنا بصدد المقارنة – طبعاً- فالاختلاف جذري بين الموضوعين ولكن ما يهمني هو رؤية الكاتب وامتدادات الخيال التي يؤطر بها عمله الأدبي، والرؤية المستقبلية حيناً والماضوية حيناً آخر، فنحن إزاء رؤية مستقبلية تعود للماضي؛ ماضينا نحن بني البشر في عين أجهزة المعلوماتية التي تجاوزت وجودنا وأصبحت مهيمنة على تسيير أمور الكوكب بعد انقراضنا.
ماذا يرى مَن يدير دفة الأمور بعد رحيلنا، هل يرانا أسوياء؟ وهل كنا على قدر مسؤولية وجودنا الإنساني وهل تمكنّا من صيانة الأمانة التي أودعت لنا بهذا الكوكب، وأن تكون فعالياتنا منضبطة على المستوى الإنساني والأخلاقي في إدامة وجودنا ووجود الحيوات التي تحيط بنا من حيوان ونبات وجماد وأنهار وبحار وهواء ولنقل كل ما يحيط بنا؟
إنها إحدى أهم العناصر في بنية الرواية التي تستشرفنا بعين كائنات سترى أفعالنا بعين الاستهجان واستنكار الروح البربرية التي عشناها من خلال إثارة الحروب والقتل وسفك الدماء وتلويث محيطنا سماءً وأرضاً بمختلف العناصر الكيميائية والنووية والبايولوجية.
نحن – إذن – من العصور البائدة التي عاشت منذ آلاف السنين، وكما يتابع الآثاريون في وقتنا الحالي من خلال دراسة وقائع الإنسان الماضي عبر الآثار والمخلفات الحجرية واللقى الذهبية والمسكوكات والاستدلال على نمط الحياة الذي عاشته أجيال مضت منذ آلاف السنين؛ فنحن الآن موضوع دراسة وتحليل من قبل عالَمٍ (زو) مستقبلي ينظر إلينا من خلال الإشارات الضوئية التي تنبعث عبر الفلاش ميموري الذي أودع في أرشيف متحف الذاكرة المتروك من العصور البائدة، والتي هي نحن بالتأكيد؛ هذا الفلاش ميموري يحتوي مدونة مسماة ( مناهدة) مكتوبة بلغة ازدهرت في حقب سحيقة كما يعبر عنها.
عالم ثنائي معلوماتي يتقاسم فيه كل من (زي) المسؤولة عن الجمادات وحال طبقات الأرض والمياه وما يتصل بها من تغييرات مناخية و( زو) الذي يرسم طريقة المعالجة وتطويع ما توافر من إمكانات صديقة للبيئة، وهي بالتأكيد إشارة إلى ما أحدثه بنو البشر من دمارٍ هائل.
كما نقرأ نحن ترانيم الحب القديمة لأسلافنا والتي فككها وترجمها علماء الآثار من خلال النصوص القديمة، تنطلق مدونة (المناهدة) بحواريات بين رجل وامرأة عراقيان من عصرنا، يحاول زو تفكيك شفراتها ومضامينها من خلال الاستعانة بالروبوت فائق الذكاء X .
وهنا لي وقفة مع هذه الحواريات التي وجه الكاتب فيها جل اهتمامه بصياغتها، بنثرٍ يتصف بروحٍ شاعرية جداً، وهي ليست حوارات عشق فقط، بل هي انثيالات تختزن الواقع بكل مساوئه ومحاصرته للشخصيتين ( المتناهدتين) لنكتشف أنهما يحملان هموماً كثيرة ابتليا بها وهي انعكاس الواقع السياسي والاجتماعي على شخصيتيهما.
يستطيع زو من خلال تحليلات X التعرف على طبيعة هذه الحواريات والتي يخلص الى إنها صدى مشاعر وعواطف فاضت فاتخذت كلاماً يعبر عن الانفعال يدعى الشعر.
وربما يكون الغوص في عالم الرواية، بشكلٍ أو بآخر، مدعاة لاستذكار الرؤية التي تبنتها الرواية من خلال عدة مسارات :
الأول : خلق عالم موازٍ يقيّم أوضاع بني البشر و ما خلفوا من تدمير لذواتهم ومحيطهم بعين المستقبل، التي ستحاول إزالة هذه الآثار المدمرة والعودة بالطبيعة أصلها الأول بعد خلوها من الإنسان.
الثاني : التوغل في كشف طبيعة المشاعر والانفعالات وتقييمها من خلال الحواريات، وطبيعة الرجل والمرأة وما يطفو من مشاعر هي صدى للرغبة في الانعتاق من واقع مأساوي بائس بفردانية بعيدة عن المسار الأول.
الثالث : وضع فكرة العَود الأبدي كخاتمة بعد استنفاذ الحلول وعدم جدواها إذ أن هناك سلسلة حياة مستمرة لا يخلو منها الكوكب تتمثل بما يطلقه جهاز الاستشعار زو بعد أن أطلق آخر ومضاته وتلاشى (أرى شبح إنسان، أو قرداً منتصباً، يخرج من أقصى الغابة، وأسدٌ يتنطط حوله.
قراءة في رواية عالم زي …زو للكاتب مهدي علي ازبين
قراءة في رواية عالم
عالم زي …زو
للكاتب مهدي علي ازبين
في عام 1981 صدرت عن دار الرشيد في بغداد، وهي دار نشر حكومية – آنذاك – مجموعة قصص بعنوان ( الحب في القرن الحادي والعشرين) لكاتب يدعى رؤوف وصفي، وهي من قصص الخيال العلمي، تلقفتها بالقراءة وكنت شاباً في مقتبل الدراسة الجامعية، وما إن توغلتُ في القراءة حتى وجدتُ أنني إزاء عالمٍ غريبٍ في الخيال، لم يكن عقلي القاصر يدرك أن العالم الذي يديره الكاتب في قصصه يمكن أن يصل بنا الوقت لنرى عوالمه الخيالية متجسدة أمامنا الآن .
وعلى سبيل المثال، أن احدى قصص المجموعة – والتي حملت المجموعة عنوانها – كانت قصة حب بين شابين يتراسلان عبر جهاز بحجم علبة سكائر حسب ما يصف الكاتب، بالصوت والصورة ويتناجيان ويتكلمان عبر هذا الجهاز وكأنهما يجلسان بمكان واحد، يختزلان الزمان والمكان ويتناجيان عبر الأثير.
لم يكن الخيال يمتد بي إلى التوقع أن هذا سيكون ممكناً في عالمنا الحالي ومع تقدم الأعوام، ها هو الجهاز بين أيدينا وشاع استخدامه في عموم العالم وهو جهاز ( الموبايل)، وكلما قطعت البشرية شوطاً في التقدم العلمي الإلكتروني والمعلوماتي أصبحت الأمور متيسرة أكثر على مختلف الفعاليات الإنسانية.
تخيَّل هذا الكلام وهذا الخيال في عام 1981، حيث لا فضائيات ولا شبكات أنترنت.
ما ذكّرني بهذا الموضوع، إنني إزاء عمل روائي لكاتب عراقي هو مهدي علي ازبين، بعنوان ( عالم زي …زو).
لست هنا بصدد المقارنة – طبعاً- فالاختلاف جذري بين الموضوعين ولكن ما يهمني هو رؤية الكاتب وامتدادات الخيال التي يؤطر بها عمله الأدبي، والرؤية المستقبلية حيناً والماضوية حيناً آخر، فنحن إزاء رؤية مستقبلية تعود للماضي؛ ماضينا نحن بني البشر في عين أجهزة المعلوماتية التي تجاوزت وجودنا وأصبحت مهيمنة على تسيير أمور الكوكب بعد انقراضنا.
ماذا يرى مَن يدير دفة الأمور بعد رحيلنا، هل يرانا أسوياء؟ وهل كنا على قدر مسؤولية وجودنا الإنساني وهل تمكنّا من صيانة الأمانة التي أودعت لنا بهذا الكوكب، وأن تكون فعالياتنا منضبطة على المستوى الإنساني والأخلاقي في إدامة وجودنا ووجود الحيوات التي تحيط بنا من حيوان ونبات وجماد وأنهار وبحار وهواء ولنقل كل ما يحيط بنا؟
إنها إحدى أهم العناصر في بنية الرواية التي تستشرفنا بعين كائنات سترى أفعالنا بعين الاستهجان واستنكار الروح البربرية التي عشناها من خلال إثارة الحروب والقتل وسفك الدماء وتلويث محيطنا سماءً وأرضاً بمختلف العناصر الكيميائية والنووية والبايولوجية.
نحن – إذن – من العصور البائدة التي عاشت منذ آلاف السنين، وكما يتابع الآثاريون في وقتنا الحالي من خلال دراسة وقائع الإنسان الماضي عبر الآثار والمخلفات الحجرية واللقى الذهبية والمسكوكات والاستدلال على نمط الحياة الذي عاشته أجيال مضت منذ آلاف السنين؛ فنحن الآن موضوع دراسة وتحليل من قبل عالَمٍ (زو) مستقبلي ينظر إلينا من خلال الإشارات الضوئية التي تنبعث عبر الفلاش ميموري الذي أودع في أرشيف متحف الذاكرة المتروك من العصور البائدة، والتي هي نحن بالتأكيد؛ هذا الفلاش ميموري يحتوي مدونة مسماة ( مناهدة) مكتوبة بلغة ازدهرت في حقب سحيقة كما يعبر عنها.
عالم ثنائي معلوماتي يتقاسم فيه كل من (زي) المسؤولة عن الجمادات وحال طبقات الأرض والمياه وما يتصل بها من تغييرات مناخية و( زو) الذي يرسم طريقة المعالجة وتطويع ما توافر من إمكانات صديقة للبيئة، وهي بالتأكيد إشارة إلى ما أحدثه بنو البشر من دمارٍ هائل.
كما نقرأ نحن ترانيم الحب القديمة لأسلافنا والتي فككها وترجمها علماء الآثار من خلال النصوص القديمة، تنطلق مدونة (المناهدة) بحواريات بين رجل وامرأة عراقيان من عصرنا، يحاول زو تفكيك شفراتها ومضامينها من خلال الاستعانة بالروبوت فائق الذكاء X .
وهنا لي وقفة مع هذه الحواريات التي وجه الكاتب فيها جل اهتمامه بصياغتها، بنثرٍ يتصف بروحٍ شاعرية جداً، وهي ليست حوارات عشق فقط، بل هي انثيالات تختزن الواقع بكل مساوئه ومحاصرته للشخصيتين ( المتناهدتين) لنكتشف أنهما يحملان هموماً كثيرة ابتليا بها وهي انعكاس الواقع السياسي والاجتماعي على شخصيتيهما.
يستطيع زو من خلال تحليلات X التعرف على طبيعة هذه الحواريات والتي يخلص الى إنها صدى مشاعر وعواطف فاضت فاتخذت كلاماً يعبر عن الانفعال يدعى الشعر.
وربما يكون الغوص في عالم الرواية، بشكلٍ أو بآخر، مدعاة لاستذكار الرؤية التي تبنتها الرواية من خلال عدة مسارات :
الأول : خلق عالم موازٍ يقيّم أوضاع بني البشر و ما خلفوا من تدمير لذواتهم ومحيطهم بعين المستقبل، التي ستحاول إزالة هذه الآثار المدمرة والعودة بالطبيعة أصلها الأول بعد خلوها من الإنسان.
الثاني : التوغل في كشف طبيعة المشاعر والانفعالات وتقييمها من خلال الحواريات، وطبيعة الرجل والمرأة وما يطفو من مشاعر هي صدى للرغبة في الانعتاق من واقع مأساوي بائس بفردانية بعيدة عن المسار الأول.
الثالث : وضع فكرة العَود الأبدي كخاتمة بعد استنفاذ الحلول وعدم جدواها إذ أن هناك سلسلة حياة مستمرة لا يخلو منها الكوكب تتمثل بما يطلقه جهاز الاستشعار زو بعد أن أطلق آخر ومضاته وتلاشى (أرى شبح إنسان، أو قرداً منتصباً، يخرج من أقصى الغابة، وأسدٌ يتنطط حوله.
التعليقات