من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة الصوتية في نص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي

صورة الكاتب
بقلم: د. محمد عبدالله الخولي
التاريخ: 6 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2431
من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة الصوتية في نص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي

من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة الصوتية في نص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي

المقدمة:
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية تحليلية لنص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي، قراءة تتجاوز السيرة الذاتية بمعناها المألوف، كاشفةً عن خطاب شعري يتشكل بوصفه بناءً أسطورياً شفاهياً أكثر منه سرداً توثيقياً لحياة فردية. فالذاكرة العائلية في هذا النص لا تُستعاد باعتبارها ماضياً يُروى، بل بوصفها طقساً لغوياً يُعاد عبره إنتاج النسب كقدر وجودي.
يناقش المقال الكيفية التي تتحول بها شخصيتا الأب والجد إلى علامتين طقسيتين وأخلاقيتين متعاليتين على حدود القرابة البيولوجية، كما يتتبع الآليات التي يشتغل عبرها النص لقلب مفهوم المؤسسة الشعرية، حين يسبق الإنشادُ الكتابةَ، ويتحوّل الموت البيولوجي إلى ارتقاء ميثولوجي، وصولاً إلى رؤية وجودية تجعل الوراثة الشعرية لعنةً وخلاصاً في آن واحد.
تمثل الكتابة السيرية في الشعر العربي الحديث منطقة اشتباك بين التاريخي والمتخيّل، وبين الفردي والجمعي. غير أن الشهاوي لا يكتب سيرته بوصفها وثيقة ذاتية، ولا باعتبارها استعراضاً نرجسياً للذات، بل يمارس ما يمكن تسميته بـ«الأسطرة الجذرية». فالنص لا يروي حياة بقدر ما يؤسس أصلاً، ولا يستدعي أشخاصاً بقدر ما يستحضر أصواتاً وتراتيل. ومن ثم تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن النص يشتغل كسلسلة انتقال للصوت لا انتقال للدم، حيث تتحول العائلة من كيان اجتماعي إلى ملحمة صوفية شعبية.
أولاً: لامركزية الأنا وتأسيس الذات عبر الانحدار
تتشكل الذات الشاعرة في النص عبر تقويض استقلالها الفردي لصالح الامتداد السلالي. ففي قوله:
«اسمي الشهاوي / مُتفرِّع من ضهر أبويا المحني»
ينكسر التصور التقليدي للعلاقة بين الاسم والهوية؛ فالاسم لا يدل على فرد مستقل، بل يظهر فرعاً ممتداً من جذع مثقل بالتجربة والألم.
يستعير فعل «متفرّع» معجماً نباتياً، لكنه يعيد توجيهه نحو تصور وجودي يلامس الرؤية الصوفية، حيث لا يولد الإنسان بدايةً منفصلة، بل امتداداً لكيان سابق عليه. وهكذا لا يكتب الشاعر ذاته بوصفها مركزاً مستقلاً، بل بوصفها حلقة داخل سلسلة إنشاد متوارثة، فيغدو النص عرضاً للذاكرة الجمعية أكثر منه تسجيلًا للتجربة الفردية.
ثانياً: الأب بوصفه أيقونة أخلاقية — تحويل الفقر إلى قيمة شعرية
في بناء شخصية الأب (يوسف)، يتجاوز النص العاطفة الأبوية التقليدية ليؤسس صورة «الولي الشعبي»، حيث تُقدَّم الولادة لا كحادثة بيولوجية، بل كاستجابة لنذر روحي وقدر غيبي:
«يا مخضّر رحم العذرا بلا أسباب
ارزقني بواد وانا اخلّيه على بيتك بواب».
الابن هنا أمانة رمزية بين الأرض والمقدّس، لا مجرد امتداد نسلي. ومن خلال صور مادية خشنة مثل:
«وكان له قلب حصيرة / وشغّال شيّال»
يحوّل النص الفقر إلى قيمة شعرية لا عبر تزيينه، بل عبر كشف كثافته الإنسانية. فتركيب «قلب حصيرة» يشيّئ العاطفة ليجعلها جزءاً من عالم الأدوات اليومية، حيث تُمارَس الأبوة بالفعل والعمل لا بالخطاب العاطفي.
ثالثاً: الجد «القوّال» وقلب المؤسسة الشعرية
تمثل شخصية الجد (علي القوّال) مركز الثقل الطقسي في النص، بوصفه حلقة الوصل بين العائلة والتاريخ الشفاهي للشعر الشعبي. وتتعدد تسمياته: «الحكاوتي»، «الحمقي»، «الأدباتي»، في إعلان ضمني عن هوية شعرية تقف خارج التصنيفات الثقافية الرسمية.
العبارة المفصلية:
«كان من قبل الشعر ما يتسمى الشعر / بينشد في موالد الذكر»
تكشف انقلاب مفهوم المؤسسة الشعرية من الداخل؛ فالإنشاد، باعتباره فعلاً طقسياً جماعياً، يسبق الشعر بوصفه جنساً أدبياً مؤسسياً. هنا لا يكون الشعر نصاً مكتوباً، بل حالة وجودية تُعاش داخل الجماعة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى موضوع نقدي أو تصنيف ثقافي.
رابعاً: الأسطرة ومفارقة الموت
يواجه النص الموت عبر آلية أسطورية تنفي نهايته البيولوجية:
«هذا العبد الطيب لم نتوفاه
لكن رُفِعَ جسم وروح».
يحرر فعل «رُفِع» الشخصية من زمن التاريخ ويدخلها أفق القداسة، حيث يتحول الفناء إلى انتقال وجودي. وتبلغ الأسطرة ذروتها في صورة:
«عرج على ضهر براق أخضر»،
إذ يستعير النص المخيال الديني ليمنح الجد مقاماً شبه نبوي داخل الذاكرة العائلية.
وحين يعجز «دفتر العيلة» عن تسجيل يوم الدفن، يتدخل الشعر ليخلق وثيقته البديلة؛ فغياب الحدث التاريخي يُعوَّض بحضور الأسطورة، وتصبح القصيدة شكلاً آخر من أشكال التوثيق.
خامساً: الوراثة الصوتية — الخلاص واللعنة
في ختام النص تتكشف الرؤية الوجودية الأعمق عبر وصية رمزية:

«أن يرث حفيده / حزنه ونبرة صوته».
الوراثة هنا لا تتعلق بالمال أو الأرض، بل بالصوت والانفعال؛ أي بوراثة الحساسية الشعرية نفسها. ويبلغ النص ذروة مفارقته حين يجعل الشعر «خلاصاً وذنباً» معاً: خلاصاً لأنه يحفظ الذاكرة من الفناء، وذنباً لأنه يورّث الحزن ويضاعف الوعي بالألم.
وتتجسد هذه المفارقة في قوانين الموت الساخرة:
«ممنوع الموت إلا لأسباب هامه
زي انك تقعد وسط الناس أكتر من ساعتين»،
حيث يصبح الاندماج في العادي شكلاً من أشكال الفناء، بينما تتحول الحساسية الشعرية إلى قدر وجودي لا مهرب منه.
خاتمة
لا يكتب محمد الشهاوي سيرة عائلية بقدر ما يؤسس أنثروبولوجيا شعرية تنبثق من تفاصيل الحياة الشعبية البسيطة: الحصيرة، والشيّال، والموالد. فمن خلال تحويل السيرة إلى أسطورة، يخلق الشاعر دفتراً موازياً لذاكرة تعجز الوثائق الرسمية عن احتوائها.
يغدو النص، بهذا المعنى، بياناً وجودياً يتجاوز مجرد استعادة الماضي؛ فالأموات لا يعودون بوصفهم غائبين، بل أصواتاً تواصل الإقامة في اللغة. وهكذا تتحول القرابة إلى صدى، والنسب إلى نبرة، ويغدو الشعر شكلاً من أشكال البقاء الإنساني في مواجهة الفناء.
النص
سيرة شفاهية من دفتر العيله
..

اسمي الشهاوي
مُتفرِّع من ضهر أبويا المحني
يوسف اللي امُّه كانت ندراه
حبّاية في سِبحة لله
قالت: يا مخضّر رحم العذرا بلا أسباب
ارزقني بواد وانا اخلّيه على بيتك بواب
..
واهو جه
وبقى له ضل شراع
وكتف يساع أوجاع العيله والحاضرين والجيرة
وكان له قلب حصيرة ،
وشغّال شيّال
بيشوّن على كتفه سنينه
ويحُط في دمعه حنينه
ويغطي عياله
ويقول : يا مالك .. يا الله
خُد كل المال وانئيني من شر الناس
مابيكسرش الراجل يا بني
إلا حقد الأنفاس
..
ينحدر ذاك اللي مالوش أملاك غير باب النبي
وعباية الستر
من جِدّي علي القوّال ..
الحكاوتي / الحمقي/ الأدباتي
اللي يبُك في وشه الدم
لو شاف شيخ الغفر الترباس
بيزوم ع الناس ..
كان راجل صلد
ملامحه مضيّعه هيبة الصخر
عينيه برسيم ،
وإيديه .. شوفت الندى على ورق الورد؟
لكن لو يتظرظر يعصر جذع النخل
عاش إيد شايله السقف
وإيد بتزُق الباب للخلق
ومات زي الميّه اما تعدّي من الحلق
مات من غير ما يعرف حد ..
..
وقالولي عليه أما سألت :
علي القوّال !! .. كان حزن ماشي طول بعرض
كان من قبل الشعر ما يتسمى الشعر
بينشد في موالد الذكر
يغنّي :
ليا في جناب محبوبي
حبّة ضل
ليا في هواه الغنى
عن كل شيء أو خِل
عايشت كل ابن آدم
ولا نابني غير الفكر
قيالَه سوق البشر
والريق في جوفهم مُر
انا قولت اجيلك يا نبي
واخد في جيرتك مناب
فتحت لي الباب
ولاسبتنيش في الطَّل
وندهْتِلي: يا علي ليك في النبوّة قيراط وساقية صبر
انا قولت يابا المصطفى زِدني
مين اللي يشبع في حماك م الفضل
..
وقد عاش المدعو وراحَ وجاء
رغم العِرق الحُر في قورته وحمم البركان
مفطوم على كلمة رحمان ….
..
وفي يوم موته
كتبت رُسل الموت على باب بيته
هذا العبد الطيب لم نتوفاه
لكن رُفِعَ جسم وروح
ليجلس ويباشر مواويله في ظلال مولاه ..
..
ومما أوصى به المذكور أعلاه
أن يرثَ حفيده
حزنه ونبرة صوته
أن يحني جِزعه أمام الأشعار
أن تجري عليه الأقدار
ويطابق كل صفات جده
لا تَدْمَع عينه .. إنما
ينحِل في البكا عضمه،
أن يبقى الشعر خلاصه وذنبه
ويُبعث دونًا عن كل الخلق
لوحده ..
ويبقى هزيل
ينقسم اتنين لو دقّت على بابه الذكرى
وفى عز صعوده لبكره
يتفرفت قلبه حنين لجدره المرمي في التربه
..
وتضرّعَ سِيدي للمولى
إن الجدر يمدّد في الذريّه بحالها
بالصمت والنسيان والوحده
وقد أنذر .. جميع أبناء الأسرة
ممنوع الموت إلا لأسباب هامه
زي انك تقعد وسط الناس أكتر من ساعتين
أو تقعد ساعتين من غير دمعه أو أي حنين
زي انك تعجز عن وصف الحال
أو لو هبَّت ذكرى من الحُب الأول سألت: إيه الأحوال ؟
ساعتها لابد وحتمًا
تموت في الحال
..
وهذا بعضٌ مما كان
في حياة المغفور له “القوّال”
وقد أجمع كل ولاد العم وأبناء الخال
على صحة تلك القصة
إنه عرج على ضهر براق أخضر
لأنه ليس هناك في الدفتر
شيء يُحكَى عن يوم دفنه
ولا له مقبرَه تُذكر.

عن الکاتب / الکاتبة

د. محمد عبدالله الخولي
د. محمد عبدالله الخولي
ناقد / مصر

مقالات أخرى للكاتب

بناء الشخصية وترميز الواقع وتقنيات ما بعد الكلاسيكية “قاطع طريق” لـــ زكريا صبح (أنموذجًا)

بناء الشخصية وترميز الواقع وتقنيات ما بعد الكلاسيكية “قاطع طريق” لـــ زكريا صبح (أنموذجًا)

بناء الشخصية وترميز الواقع وتقنيات ما بعد الكلاسيكية “قاطع طريق” لـــ زكريا صبح (أنموذجًا) يختلف…

صورة الكاتب د. محمد عبدالله الخولي
27 مارس 2026
اقرأ المزيد
من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في الخطاب الشعري العربي

من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في الخطاب الشعري العربي

من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في الخطاب الشعري العربي الذات الشاعرة…

صورة الكاتب د. محمد عبدالله الخولي
16 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة الصوتية في نص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي

بقلم: د. محمد عبدالله الخولي | التاريخ: 6 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة الصوتية في نص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي

المقدمة:
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية تحليلية لنص «سيرة شفاهية من دفتر العيلة» للشاعر محمد الشهاوي، قراءة تتجاوز السيرة الذاتية بمعناها المألوف، كاشفةً عن خطاب شعري يتشكل بوصفه بناءً أسطورياً شفاهياً أكثر منه سرداً توثيقياً لحياة فردية. فالذاكرة العائلية في هذا النص لا تُستعاد باعتبارها ماضياً يُروى، بل بوصفها طقساً لغوياً يُعاد عبره إنتاج النسب كقدر وجودي.
يناقش المقال الكيفية التي تتحول بها شخصيتا الأب والجد إلى علامتين طقسيتين وأخلاقيتين متعاليتين على حدود القرابة البيولوجية، كما يتتبع الآليات التي يشتغل عبرها النص لقلب مفهوم المؤسسة الشعرية، حين يسبق الإنشادُ الكتابةَ، ويتحوّل الموت البيولوجي إلى ارتقاء ميثولوجي، وصولاً إلى رؤية وجودية تجعل الوراثة الشعرية لعنةً وخلاصاً في آن واحد.
تمثل الكتابة السيرية في الشعر العربي الحديث منطقة اشتباك بين التاريخي والمتخيّل، وبين الفردي والجمعي. غير أن الشهاوي لا يكتب سيرته بوصفها وثيقة ذاتية، ولا باعتبارها استعراضاً نرجسياً للذات، بل يمارس ما يمكن تسميته بـ«الأسطرة الجذرية». فالنص لا يروي حياة بقدر ما يؤسس أصلاً، ولا يستدعي أشخاصاً بقدر ما يستحضر أصواتاً وتراتيل. ومن ثم تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن النص يشتغل كسلسلة انتقال للصوت لا انتقال للدم، حيث تتحول العائلة من كيان اجتماعي إلى ملحمة صوفية شعبية.
أولاً: لامركزية الأنا وتأسيس الذات عبر الانحدار
تتشكل الذات الشاعرة في النص عبر تقويض استقلالها الفردي لصالح الامتداد السلالي. ففي قوله:
«اسمي الشهاوي / مُتفرِّع من ضهر أبويا المحني»
ينكسر التصور التقليدي للعلاقة بين الاسم والهوية؛ فالاسم لا يدل على فرد مستقل، بل يظهر فرعاً ممتداً من جذع مثقل بالتجربة والألم.
يستعير فعل «متفرّع» معجماً نباتياً، لكنه يعيد توجيهه نحو تصور وجودي يلامس الرؤية الصوفية، حيث لا يولد الإنسان بدايةً منفصلة، بل امتداداً لكيان سابق عليه. وهكذا لا يكتب الشاعر ذاته بوصفها مركزاً مستقلاً، بل بوصفها حلقة داخل سلسلة إنشاد متوارثة، فيغدو النص عرضاً للذاكرة الجمعية أكثر منه تسجيلًا للتجربة الفردية.
ثانياً: الأب بوصفه أيقونة أخلاقية — تحويل الفقر إلى قيمة شعرية
في بناء شخصية الأب (يوسف)، يتجاوز النص العاطفة الأبوية التقليدية ليؤسس صورة «الولي الشعبي»، حيث تُقدَّم الولادة لا كحادثة بيولوجية، بل كاستجابة لنذر روحي وقدر غيبي:
«يا مخضّر رحم العذرا بلا أسباب
ارزقني بواد وانا اخلّيه على بيتك بواب».
الابن هنا أمانة رمزية بين الأرض والمقدّس، لا مجرد امتداد نسلي. ومن خلال صور مادية خشنة مثل:
«وكان له قلب حصيرة / وشغّال شيّال»
يحوّل النص الفقر إلى قيمة شعرية لا عبر تزيينه، بل عبر كشف كثافته الإنسانية. فتركيب «قلب حصيرة» يشيّئ العاطفة ليجعلها جزءاً من عالم الأدوات اليومية، حيث تُمارَس الأبوة بالفعل والعمل لا بالخطاب العاطفي.
ثالثاً: الجد «القوّال» وقلب المؤسسة الشعرية
تمثل شخصية الجد (علي القوّال) مركز الثقل الطقسي في النص، بوصفه حلقة الوصل بين العائلة والتاريخ الشفاهي للشعر الشعبي. وتتعدد تسمياته: «الحكاوتي»، «الحمقي»، «الأدباتي»، في إعلان ضمني عن هوية شعرية تقف خارج التصنيفات الثقافية الرسمية.
العبارة المفصلية:
«كان من قبل الشعر ما يتسمى الشعر / بينشد في موالد الذكر»
تكشف انقلاب مفهوم المؤسسة الشعرية من الداخل؛ فالإنشاد، باعتباره فعلاً طقسياً جماعياً، يسبق الشعر بوصفه جنساً أدبياً مؤسسياً. هنا لا يكون الشعر نصاً مكتوباً، بل حالة وجودية تُعاش داخل الجماعة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى موضوع نقدي أو تصنيف ثقافي.
رابعاً: الأسطرة ومفارقة الموت
يواجه النص الموت عبر آلية أسطورية تنفي نهايته البيولوجية:
«هذا العبد الطيب لم نتوفاه
لكن رُفِعَ جسم وروح».
يحرر فعل «رُفِع» الشخصية من زمن التاريخ ويدخلها أفق القداسة، حيث يتحول الفناء إلى انتقال وجودي. وتبلغ الأسطرة ذروتها في صورة:
«عرج على ضهر براق أخضر»،
إذ يستعير النص المخيال الديني ليمنح الجد مقاماً شبه نبوي داخل الذاكرة العائلية.
وحين يعجز «دفتر العيلة» عن تسجيل يوم الدفن، يتدخل الشعر ليخلق وثيقته البديلة؛ فغياب الحدث التاريخي يُعوَّض بحضور الأسطورة، وتصبح القصيدة شكلاً آخر من أشكال التوثيق.
خامساً: الوراثة الصوتية — الخلاص واللعنة
في ختام النص تتكشف الرؤية الوجودية الأعمق عبر وصية رمزية:

«أن يرث حفيده / حزنه ونبرة صوته».
الوراثة هنا لا تتعلق بالمال أو الأرض، بل بالصوت والانفعال؛ أي بوراثة الحساسية الشعرية نفسها. ويبلغ النص ذروة مفارقته حين يجعل الشعر «خلاصاً وذنباً» معاً: خلاصاً لأنه يحفظ الذاكرة من الفناء، وذنباً لأنه يورّث الحزن ويضاعف الوعي بالألم.
وتتجسد هذه المفارقة في قوانين الموت الساخرة:
«ممنوع الموت إلا لأسباب هامه
زي انك تقعد وسط الناس أكتر من ساعتين»،
حيث يصبح الاندماج في العادي شكلاً من أشكال الفناء، بينما تتحول الحساسية الشعرية إلى قدر وجودي لا مهرب منه.
خاتمة
لا يكتب محمد الشهاوي سيرة عائلية بقدر ما يؤسس أنثروبولوجيا شعرية تنبثق من تفاصيل الحياة الشعبية البسيطة: الحصيرة، والشيّال، والموالد. فمن خلال تحويل السيرة إلى أسطورة، يخلق الشاعر دفتراً موازياً لذاكرة تعجز الوثائق الرسمية عن احتوائها.
يغدو النص، بهذا المعنى، بياناً وجودياً يتجاوز مجرد استعادة الماضي؛ فالأموات لا يعودون بوصفهم غائبين، بل أصواتاً تواصل الإقامة في اللغة. وهكذا تتحول القرابة إلى صدى، والنسب إلى نبرة، ويغدو الشعر شكلاً من أشكال البقاء الإنساني في مواجهة الفناء.
النص
سيرة شفاهية من دفتر العيله
..

اسمي الشهاوي
مُتفرِّع من ضهر أبويا المحني
يوسف اللي امُّه كانت ندراه
حبّاية في سِبحة لله
قالت: يا مخضّر رحم العذرا بلا أسباب
ارزقني بواد وانا اخلّيه على بيتك بواب
..
واهو جه
وبقى له ضل شراع
وكتف يساع أوجاع العيله والحاضرين والجيرة
وكان له قلب حصيرة ،
وشغّال شيّال
بيشوّن على كتفه سنينه
ويحُط في دمعه حنينه
ويغطي عياله
ويقول : يا مالك .. يا الله
خُد كل المال وانئيني من شر الناس
مابيكسرش الراجل يا بني
إلا حقد الأنفاس
..
ينحدر ذاك اللي مالوش أملاك غير باب النبي
وعباية الستر
من جِدّي علي القوّال ..
الحكاوتي / الحمقي/ الأدباتي
اللي يبُك في وشه الدم
لو شاف شيخ الغفر الترباس
بيزوم ع الناس ..
كان راجل صلد
ملامحه مضيّعه هيبة الصخر
عينيه برسيم ،
وإيديه .. شوفت الندى على ورق الورد؟
لكن لو يتظرظر يعصر جذع النخل
عاش إيد شايله السقف
وإيد بتزُق الباب للخلق
ومات زي الميّه اما تعدّي من الحلق
مات من غير ما يعرف حد ..
..
وقالولي عليه أما سألت :
علي القوّال !! .. كان حزن ماشي طول بعرض
كان من قبل الشعر ما يتسمى الشعر
بينشد في موالد الذكر
يغنّي :
ليا في جناب محبوبي
حبّة ضل
ليا في هواه الغنى
عن كل شيء أو خِل
عايشت كل ابن آدم
ولا نابني غير الفكر
قيالَه سوق البشر
والريق في جوفهم مُر
انا قولت اجيلك يا نبي
واخد في جيرتك مناب
فتحت لي الباب
ولاسبتنيش في الطَّل
وندهْتِلي: يا علي ليك في النبوّة قيراط وساقية صبر
انا قولت يابا المصطفى زِدني
مين اللي يشبع في حماك م الفضل
..
وقد عاش المدعو وراحَ وجاء
رغم العِرق الحُر في قورته وحمم البركان
مفطوم على كلمة رحمان ….
..
وفي يوم موته
كتبت رُسل الموت على باب بيته
هذا العبد الطيب لم نتوفاه
لكن رُفِعَ جسم وروح
ليجلس ويباشر مواويله في ظلال مولاه ..
..
ومما أوصى به المذكور أعلاه
أن يرثَ حفيده
حزنه ونبرة صوته
أن يحني جِزعه أمام الأشعار
أن تجري عليه الأقدار
ويطابق كل صفات جده
لا تَدْمَع عينه .. إنما
ينحِل في البكا عضمه،
أن يبقى الشعر خلاصه وذنبه
ويُبعث دونًا عن كل الخلق
لوحده ..
ويبقى هزيل
ينقسم اتنين لو دقّت على بابه الذكرى
وفى عز صعوده لبكره
يتفرفت قلبه حنين لجدره المرمي في التربه
..
وتضرّعَ سِيدي للمولى
إن الجدر يمدّد في الذريّه بحالها
بالصمت والنسيان والوحده
وقد أنذر .. جميع أبناء الأسرة
ممنوع الموت إلا لأسباب هامه
زي انك تقعد وسط الناس أكتر من ساعتين
أو تقعد ساعتين من غير دمعه أو أي حنين
زي انك تعجز عن وصف الحال
أو لو هبَّت ذكرى من الحُب الأول سألت: إيه الأحوال ؟
ساعتها لابد وحتمًا
تموت في الحال
..
وهذا بعضٌ مما كان
في حياة المغفور له “القوّال”
وقد أجمع كل ولاد العم وأبناء الخال
على صحة تلك القصة
إنه عرج على ضهر براق أخضر
لأنه ليس هناك في الدفتر
شيء يُحكَى عن يوم دفنه
ولا له مقبرَه تُذكر.