من محطات كاظم الگاطع الشعرية والحياتية

صورة الكاتب
بقلم: د.جبار فرحان العكيلي
التاريخ: 23 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 3001
من محطات كاظم الگاطع الشعرية والحياتية

من محطات كاظم الگاطع الشعرية والحياتية

باغتني صديقي ورفيق جزء كبير من مسيرتي الشعرية . الشاعر والقاص ( عبد شاكر ) بطلب هو ليس غريبا بأليته . لكنه كبير في معناه . فما بين الرغبة للكتابة وما بين الخوف من الكتابة . استوقفني طلبه كثيرا ولأكثر من يوم . وهو أن أكتب عن الشاعر الراحل ( كاظم اسماعيل الگاطع ) والحيرة هنا ليس في إمكانيتي الثقافية أو القدرة على الكتابة . انما هي كيفية الكتابة . هل اكتب عن جواهر قصائد الگاطع ؟ ام أكتب عن قلق الآخرين من كاظم .أو حياة الكاطع ؟ لهوه وجديته . اهتمامه ولا اباليته . خطواته أو محطات إبداعه . والحيرة هنا . أين اقف لارى الكاطع وقد احتدمت المواقف والصور والإعجاب والتميز ؟
الكتابة بدافع الرغبة هي من السهولة غير ما انت تكلف بالكتابة من الاخر . هل مازلت اعيش دائرة الحيرة ؟ هل اعتمد على ما تحفظه ذاكرتي ؟ أو اهرب لمجموعته الكاملة
أو .. أو ..
في اخر المشوار . قررت أن أحضر الورق واشحذ همة قلمي . والتوكل على الابداع والتاريخ .
نحن في مجتمع الشعر الشعبي . نحاول أو يحاول البعض إعطاء روح متحركة لتاريخية الشعر . لاسباب عدة .
اولها كبرياء ونرجسية الشاعر الكاتب . وهنا تأتي المسؤولية التاريخية . لتقود كل حرف وكل كلمة وجملة . مؤطرة بقدرة الكاتب وقراءته للمادة التي يحاول الكتابة فيها .
وسأبدأ من لحظة شغفي واعجابي بقصائد كاظم اسماعيل الگاطع .قبل أن اتعرف عليه شخصيا .
فكانت أول قصيدة أجبرتني أن أتوقف عندها . هي قصيدة ( رسالة أم ) هذه الرسالة أو القصيدة الموجعة . والمليئة بالحنين والتحدي والشكوى .حيث مزج فيها الگاطع . الاصرار على تحدي السلطة آنذاك . من خلال كشف معاملته وقسوته المعتادة .
ومثل هكذا قصائد لا يمكن أن تناغم وتداعب مشاعر وإحساس القاريء . إن لم تكن قصيدة ذات طرح واع . يقترب ويبتعد من السهل الممتنع بصورة شعرية متعملقة في مثل هكذا مواقف .
فهذه القصيدة فيها دخول صادم بجرأة عالية تمثل جرأة الرفاق اليساريين واشغال سجون الحكومات من خلال صوت أم . تمتلك احساس الأرض . وتتأطر بكرامة الإنسان وتفجير كل غضب الأمهات . والتي غذت كاظم شعرا ممزوجا مع اللبن .
هذا الدخول يجبرنا أن نتوقف كثيرا عند كل مفردة ومعنى وأسلوب تقديم وتأخير . الالم في جملة واحدة .
* يبني …
خنگوا كل ضواي
وذبحوا بصينيتي شمعه
ونجمك اليضحك ييمه
امغنتب ومابيه لمعه
ثم تصعد درجة الالم في القصيدة من خلال شكوى الام .وهي بالأحرى ليس شكوى عابرة . انما هي تثبيت لنوعية وقسوة اجرام الحكومات آنذاك . وفيها تعميم مؤلم بأن الأمهات العراقيات جميعها تمر بهذه اللوعة حتى تنتقل هذه اللوعة إلى رجالات العشائر بمختلف عشائرهم
فتبنت المفهوم الإعلامي الذي ينقل عثرات الايام ومرارتها
* يبني …
جاعت الامهات ..
وديسها گامت ترضعه
والسلف ياكل لحم موتاه
مالگه الخبزه التشبعه
وتستمر متابعتي لكاظم شعريا . وتشاء الصدف أن يجمعني الاخ الشاعر والصحفي فالح حسون الدراجي في إحدى الليالي حينما كان ابو وسام . يمتلك مركبة اقلتنا نحن الثلاثة لمدينة الثورة .حيث كان المذياع يعلو صوته بإحدى خطابات الرئيس السابق . فانبرى الگاطع قائلا :
بعد أن اطفأ المذياع بطريقة تهكمية .(. من رخصتك احنه مو ربعك )ثم التفت الينا وهو يقول :
خلي اقرالكم قصيدتي الجديدة . ويبدو أنه قد كتبها من فترة قصيرة . وهي قصيدة ( زعلان ) ونحن مشدودان لسماعها . وقد وضع كل حنينه وزعله وعتبه على الزمن وحزبه اليساري .وقد صور اللوعة والاشتياق بشكل رائع وكما معروف عنه ….
* زعلان ….
بس يا زعل ..
لمن ترد للصدگ
قبل المنادى اجي ..
وشلون جيه اجي ..
اركض ركض محترگ
وهنا نلاحظ هذا الربط الجميل والمبهر بحجته في درجة أعلى من الركض المتعارف عليه . في تصوير بمنتهى الروعة والقسوة . حينما يشبه نفسه أو ركضته الملتاعة كما يركض الشخص المحروق في كل اتجاه وصوب .
هذا التشبيه لم يأت من شاعر إن لم يمتلك خزين معرفي . وارث شعبي ولوعة مستدامة .
أن أتوقف عند قصيدة واحدة أو اثنتين فقط . احتاج لعشرات الصفحات في كل بيت من قصائده . لذلك
في بيت اخر يتجلى فيه التنظير السياسي والفلسفي للگاطع . حينما يكشف عن ضحايا الأحزاب والتي تبدأ بجماهير الحزب وقواعده وما يحصدونه من خسائر والتي قلما يصيب القادة . وهو تأكيد حقيقي لحالة المعية في أي تجمع أو تشكيل حينما يقول :
* چنت أنه الوم النخل
لمن أدين السعف
بالريح يوگع عثگ
بس جربتها وشفت ..
شفت العطش لو هجم
اول ضحيه العرگ
في هذه القصيدة اعتذار واعتراف ضمني من حزبه وفق مجريات الحياة المرتبطة .
ثم استمرت العلاقة مع الكاطع وخصوصا بعد احالتي على التقاعد وتفرغي للشعر . حتى وجدته نبها ذكيا صاحب ردة فعل أنية . تعليقاته العفوية تعطي طابعا أوليا أنه شاعر ومثقف وصاحب تجربة أدبية واسعة وهذا ما يقوله عنه كل من عرفه أو قرأه . وكثيرة هي المواقف التي جمعتنا . ربما لم تحضرني الان . خصوصا بعد رحيل صديقنا المشترك على الدوام . الشاعر الراحل ( باقر جعفر العلاق )والذي يحفظ مواقف مهمة وجريئة للكاطع كونه كان قريبا جدا منه .
اخيرا اشكر صديقي الحميم عبد شاكر على اتاحته الفرصة لي حينما دفعني لادخل مجددا إلى رياض الكاطع المليء بالزهور الملونة والمحطات الرائعة . للتوقف عند جزء بسيط منها

عن الکاتب / الکاتبة

د.جبار فرحان العكيلي
د.جبار فرحان العكيلي
شاعر واعلامي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


من محطات كاظم الگاطع الشعرية والحياتية

بقلم: د.جبار فرحان العكيلي | التاريخ: 23 فبراير 2026

التصنيف: الأدب

من محطات كاظم الگاطع الشعرية والحياتية

باغتني صديقي ورفيق جزء كبير من مسيرتي الشعرية . الشاعر والقاص ( عبد شاكر ) بطلب هو ليس غريبا بأليته . لكنه كبير في معناه . فما بين الرغبة للكتابة وما بين الخوف من الكتابة . استوقفني طلبه كثيرا ولأكثر من يوم . وهو أن أكتب عن الشاعر الراحل ( كاظم اسماعيل الگاطع ) والحيرة هنا ليس في إمكانيتي الثقافية أو القدرة على الكتابة . انما هي كيفية الكتابة . هل اكتب عن جواهر قصائد الگاطع ؟ ام أكتب عن قلق الآخرين من كاظم .أو حياة الكاطع ؟ لهوه وجديته . اهتمامه ولا اباليته . خطواته أو محطات إبداعه . والحيرة هنا . أين اقف لارى الكاطع وقد احتدمت المواقف والصور والإعجاب والتميز ؟
الكتابة بدافع الرغبة هي من السهولة غير ما انت تكلف بالكتابة من الاخر . هل مازلت اعيش دائرة الحيرة ؟ هل اعتمد على ما تحفظه ذاكرتي ؟ أو اهرب لمجموعته الكاملة
أو .. أو ..
في اخر المشوار . قررت أن أحضر الورق واشحذ همة قلمي . والتوكل على الابداع والتاريخ .
نحن في مجتمع الشعر الشعبي . نحاول أو يحاول البعض إعطاء روح متحركة لتاريخية الشعر . لاسباب عدة .
اولها كبرياء ونرجسية الشاعر الكاتب . وهنا تأتي المسؤولية التاريخية . لتقود كل حرف وكل كلمة وجملة . مؤطرة بقدرة الكاتب وقراءته للمادة التي يحاول الكتابة فيها .
وسأبدأ من لحظة شغفي واعجابي بقصائد كاظم اسماعيل الگاطع .قبل أن اتعرف عليه شخصيا .
فكانت أول قصيدة أجبرتني أن أتوقف عندها . هي قصيدة ( رسالة أم ) هذه الرسالة أو القصيدة الموجعة . والمليئة بالحنين والتحدي والشكوى .حيث مزج فيها الگاطع . الاصرار على تحدي السلطة آنذاك . من خلال كشف معاملته وقسوته المعتادة .
ومثل هكذا قصائد لا يمكن أن تناغم وتداعب مشاعر وإحساس القاريء . إن لم تكن قصيدة ذات طرح واع . يقترب ويبتعد من السهل الممتنع بصورة شعرية متعملقة في مثل هكذا مواقف .
فهذه القصيدة فيها دخول صادم بجرأة عالية تمثل جرأة الرفاق اليساريين واشغال سجون الحكومات من خلال صوت أم . تمتلك احساس الأرض . وتتأطر بكرامة الإنسان وتفجير كل غضب الأمهات . والتي غذت كاظم شعرا ممزوجا مع اللبن .
هذا الدخول يجبرنا أن نتوقف كثيرا عند كل مفردة ومعنى وأسلوب تقديم وتأخير . الالم في جملة واحدة .
* يبني …
خنگوا كل ضواي
وذبحوا بصينيتي شمعه
ونجمك اليضحك ييمه
امغنتب ومابيه لمعه
ثم تصعد درجة الالم في القصيدة من خلال شكوى الام .وهي بالأحرى ليس شكوى عابرة . انما هي تثبيت لنوعية وقسوة اجرام الحكومات آنذاك . وفيها تعميم مؤلم بأن الأمهات العراقيات جميعها تمر بهذه اللوعة حتى تنتقل هذه اللوعة إلى رجالات العشائر بمختلف عشائرهم
فتبنت المفهوم الإعلامي الذي ينقل عثرات الايام ومرارتها
* يبني …
جاعت الامهات ..
وديسها گامت ترضعه
والسلف ياكل لحم موتاه
مالگه الخبزه التشبعه
وتستمر متابعتي لكاظم شعريا . وتشاء الصدف أن يجمعني الاخ الشاعر والصحفي فالح حسون الدراجي في إحدى الليالي حينما كان ابو وسام . يمتلك مركبة اقلتنا نحن الثلاثة لمدينة الثورة .حيث كان المذياع يعلو صوته بإحدى خطابات الرئيس السابق . فانبرى الگاطع قائلا :
بعد أن اطفأ المذياع بطريقة تهكمية .(. من رخصتك احنه مو ربعك )ثم التفت الينا وهو يقول :
خلي اقرالكم قصيدتي الجديدة . ويبدو أنه قد كتبها من فترة قصيرة . وهي قصيدة ( زعلان ) ونحن مشدودان لسماعها . وقد وضع كل حنينه وزعله وعتبه على الزمن وحزبه اليساري .وقد صور اللوعة والاشتياق بشكل رائع وكما معروف عنه ….
* زعلان ….
بس يا زعل ..
لمن ترد للصدگ
قبل المنادى اجي ..
وشلون جيه اجي ..
اركض ركض محترگ
وهنا نلاحظ هذا الربط الجميل والمبهر بحجته في درجة أعلى من الركض المتعارف عليه . في تصوير بمنتهى الروعة والقسوة . حينما يشبه نفسه أو ركضته الملتاعة كما يركض الشخص المحروق في كل اتجاه وصوب .
هذا التشبيه لم يأت من شاعر إن لم يمتلك خزين معرفي . وارث شعبي ولوعة مستدامة .
أن أتوقف عند قصيدة واحدة أو اثنتين فقط . احتاج لعشرات الصفحات في كل بيت من قصائده . لذلك
في بيت اخر يتجلى فيه التنظير السياسي والفلسفي للگاطع . حينما يكشف عن ضحايا الأحزاب والتي تبدأ بجماهير الحزب وقواعده وما يحصدونه من خسائر والتي قلما يصيب القادة . وهو تأكيد حقيقي لحالة المعية في أي تجمع أو تشكيل حينما يقول :
* چنت أنه الوم النخل
لمن أدين السعف
بالريح يوگع عثگ
بس جربتها وشفت ..
شفت العطش لو هجم
اول ضحيه العرگ
في هذه القصيدة اعتذار واعتراف ضمني من حزبه وفق مجريات الحياة المرتبطة .
ثم استمرت العلاقة مع الكاطع وخصوصا بعد احالتي على التقاعد وتفرغي للشعر . حتى وجدته نبها ذكيا صاحب ردة فعل أنية . تعليقاته العفوية تعطي طابعا أوليا أنه شاعر ومثقف وصاحب تجربة أدبية واسعة وهذا ما يقوله عنه كل من عرفه أو قرأه . وكثيرة هي المواقف التي جمعتنا . ربما لم تحضرني الان . خصوصا بعد رحيل صديقنا المشترك على الدوام . الشاعر الراحل ( باقر جعفر العلاق )والذي يحفظ مواقف مهمة وجريئة للكاطع كونه كان قريبا جدا منه .
اخيرا اشكر صديقي الحميم عبد شاكر على اتاحته الفرصة لي حينما دفعني لادخل مجددا إلى رياض الكاطع المليء بالزهور الملونة والمحطات الرائعة . للتوقف عند جزء بسيط منها