هل ممكن لإنسان نخبوي مثقف أن يكون إنسانًا مؤذيًا؟
ثمة ثقافة تقف عند حدود المعرفة وتعجز عن ولادة إنسان..
ربما الكثير من الناس وأنا منهم كنا ننظر إلى الإنسان المثقف على أنه ذلك الذي يعرف الكثير عن الأشياء، أو يعرف شيئًا عن كل شيء، والذي يمتلك إجابات منمقة، جميلة، مغلّفة بالمنطق، ومشحونة بشيء من الذوق والعاطفة. كنا نراه إنسانًا أخلاقيًا، متواضعًا، جميلًا، متفردًا، غير مؤذٍ، وأن الحياة بقربه نشوة للروح والفكر.
لكن الواقع مختلف… فقد حصلت لدى بعض الناس ردة فعل وانتكاسة في هذا المفهوم المتجذر داخلهم، حين اختبروا حياة عدد من هؤلاء الذين كانوا يبحثون عنهم حدّ التقديس، فاكتشفوا أنهم في واقع الحياة بشر، لهم سجايا مختلفة، وهناك جينات وراثية تتحكم بهم. وبعضهم، ما إن تغوص قليلًا في عمقه، ترى تعصبًا أعمى، ويختفي المنطق، وتغيب لغة الحوار، بل إن البعض منهم قد يكون نرجسيًا، متعاليًا، متكبرًا.
ومرة، كنتُ في حديث حول هذا الأمر مع شابة جميلة الروح والفكر والنفس، شابة مثقفة متطلعة، تبحث في أعماق نفسها وتسعى لتنميتها. أعطتني إجابة وافية أقنعتني بها، وبردت قلبي كما يقال.
قالت لي: إن ما كنا ننظر له في المثقف هو ذلك الذي يسير جنبًا إلى جنب مع تنمية ثقافته إلى تنمية وتزكية نفسه، فيرتقي دائمًا. فمَا يُضمره المرء في نفسه يظهر في فلتات لسانه وتعابير وجهه كما يقال.
فنجد أن من يجتهد في تزكية نفسه، ويوظف ثقافته في شحذ ذائقته والارتقاء بذاته، يكون مهذبًا، متواضعًا، تسود عالمه لغة الحوار، وبجانبه يشعر أي إنسان أنه ذو كرامة ومُقدَّر. ولا يمكن أن يكون مؤذيًا، وإن صادف وحدث أذى منه، فغالبًا يكون غير مقصود، ولا تسبقه نوايا كيد، ويجيد لغة الاعتذار والتصحيح.
وهناك ملاحظة أخرى دارت بيني وبين تلك الشابة: أن بعض الأقنعة التي يلبسها الآخرون للمثقف النخبوي، والتي تُظهره كأنه ملاك، هي في الحقيقة ظلم له، ووضعه في قالب يعكس تمنيات الآخرين وحاجتهم للمثالية أحيانًا، لا حقيقة الإنسان.
فالمثقف يبقى إنسانًا… يخطئ ويصيب، لديه نقاط ضعف كما لديه احتياجات، يمرض ويموت ويشعر. لكن الفرق أنه يجتهد ويستمر في الاجتهاد في تنمية وتزكية نفسه، والارتقاء بذاته.
وعندها… يصبح وجوده، وصمته، وحضوره، وحتى غيابه… نافعًا، ذا أثر طيب.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
هل ممكن لإنسان نخبوي مثقف أن يكون إنسانًا مؤذيًا؟
هل ممكن لإنسان نخبوي مثقف أن يكون إنسانًا مؤذيًا؟
ثمة ثقافة تقف عند حدود المعرفة وتعجز عن ولادة إنسان..
ربما الكثير من الناس وأنا منهم كنا ننظر إلى الإنسان المثقف على أنه ذلك الذي يعرف الكثير عن الأشياء، أو يعرف شيئًا عن كل شيء، والذي يمتلك إجابات منمقة، جميلة، مغلّفة بالمنطق، ومشحونة بشيء من الذوق والعاطفة. كنا نراه إنسانًا أخلاقيًا، متواضعًا، جميلًا، متفردًا، غير مؤذٍ، وأن الحياة بقربه نشوة للروح والفكر.
لكن الواقع مختلف… فقد حصلت لدى بعض الناس ردة فعل وانتكاسة في هذا المفهوم المتجذر داخلهم، حين اختبروا حياة عدد من هؤلاء الذين كانوا يبحثون عنهم حدّ التقديس، فاكتشفوا أنهم في واقع الحياة بشر، لهم سجايا مختلفة، وهناك جينات وراثية تتحكم بهم. وبعضهم، ما إن تغوص قليلًا في عمقه، ترى تعصبًا أعمى، ويختفي المنطق، وتغيب لغة الحوار، بل إن البعض منهم قد يكون نرجسيًا، متعاليًا، متكبرًا.
ومرة، كنتُ في حديث حول هذا الأمر مع شابة جميلة الروح والفكر والنفس، شابة مثقفة متطلعة، تبحث في أعماق نفسها وتسعى لتنميتها. أعطتني إجابة وافية أقنعتني بها، وبردت قلبي كما يقال.
قالت لي: إن ما كنا ننظر له في المثقف هو ذلك الذي يسير جنبًا إلى جنب مع تنمية ثقافته إلى تنمية وتزكية نفسه، فيرتقي دائمًا. فمَا يُضمره المرء في نفسه يظهر في فلتات لسانه وتعابير وجهه كما يقال.
فنجد أن من يجتهد في تزكية نفسه، ويوظف ثقافته في شحذ ذائقته والارتقاء بذاته، يكون مهذبًا، متواضعًا، تسود عالمه لغة الحوار، وبجانبه يشعر أي إنسان أنه ذو كرامة ومُقدَّر. ولا يمكن أن يكون مؤذيًا، وإن صادف وحدث أذى منه، فغالبًا يكون غير مقصود، ولا تسبقه نوايا كيد، ويجيد لغة الاعتذار والتصحيح.
وهناك ملاحظة أخرى دارت بيني وبين تلك الشابة: أن بعض الأقنعة التي يلبسها الآخرون للمثقف النخبوي، والتي تُظهره كأنه ملاك، هي في الحقيقة ظلم له، ووضعه في قالب يعكس تمنيات الآخرين وحاجتهم للمثالية أحيانًا، لا حقيقة الإنسان.
فالمثقف يبقى إنسانًا… يخطئ ويصيب، لديه نقاط ضعف كما لديه احتياجات، يمرض ويموت ويشعر. لكن الفرق أنه يجتهد ويستمر في الاجتهاد في تنمية وتزكية نفسه، والارتقاء بذاته.
وعندها… يصبح وجوده، وصمته، وحضوره، وحتى غيابه… نافعًا، ذا أثر طيب.
التعليقات