متى يمكن أن يكون الزمن صفراً في القصة القصيرة؟

صورة الكاتب
بقلم: حیدر الأدیب
التاريخ: 30 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 603
متى يمكن أن يكون الزمن صفراً في القصة القصيرة؟

 

هل يستطيع الكاتب محو الزمن كليًا؟ هل هذا ممكن ؟ ونحن نعلم أن اللغة نفسها تعمل داخل زمن (القراءة، الإدراك). يمكن للكاتب أن يقدّم نصًا لا يمنحنا أي إحساس بالامتداد، بل فقط باللحظة المكثفة. وهنا في هذه المنطقة يشتغل الزمن كأثر بلاغي وفلسفي وسردي رغم غيابه الى درجة الصفر بقوة الأحساس الموحي باللحظة الصفرية ولكن كيف ذلك ؟ لنر الأمر في المستويات التالية في المستوى السردي: يحدث ذلك حين يتوقف الحدث عن الحركة، فنشعر أن الزمن معلَّق أو مجمَّد.

مثل مشهد ثابت (لوحة وصفية، لحظة وميض داخلي)، حيث لا يوجد تقدم كرونولوجي ، ما يوجد فقط هو تركيز على “الآن” فقط. في المستوى الدلالي: يُقال إن الزمن صفر عندما يكون النص قائمًا على ومضة خاطفة لا تمتد إلى ماضٍ أو مستقبل، وإنما تتكثف في لحظة واحدة. هنا الزمن يُضغط إلى نقطة قصوى، ولا يمكن إلغاؤه فعليا.

في المستوى الفلسفي بول ريكور يرى أن الزمن في السرد هو (زمن مروى)، أي أنه يولد من الحكي. فإذا غاب الامتداد، وأصبح النص مجرد لقطة أو صورة، فهنا نقترب من فكرة الزمن صفر. في الواقع لا يمكن ان يكون الزمن صفر كليا فتودوروف و جينيت يقولان: لا يوجد نص بلا زمن، لأن حتى الوصف أو الجمود يستدعي “مدة” لقراءته وتأمله. وكافكا مثلاً في (المسخ) يجعل الزمن متجمداً تقريبًا، لكن التحول حدث في لحظة، أي أن هناك زمنًا ضمنيًا مهما بدا معلَّقًا. هايدغر من منظور أنطولوجي يقول الوجود هو زمن، ولا يمكن للإنسان أن يعيش أو يُروى خارج الزمانية.

بالتالي الحديث عن “زمن صفر” هو مجاز بلاغي لا أكثر. /الزمن صفر/ ممكن كأداة جمالية مفلسفة و لحظة مكثفة، ومضة، تجميد حدث. لكنه غير ممكن حرفيً بمعنى الصفر الرياضي أو الفيزيائي لأن كل نص له بداية ونهاية، أي حيز زمني للقراءة والإدراك كما قلنا ومع ذلك نرى اشتغال هذه الصفرية بوصفها كشفا أو فضحا او تأجيلا كما عند دريدا ولنوضح الأمر عبر نمذجة حية وتطبيق عملي ١. في قصة (العراة) ل عبد الأمير المجر المشهد: الرئيس يُجرّد من ملابسه، لكن كلما نزعوا عنه طبقة ظهرت طبقة أخرى. كبعد زمني الحدث لا يتحرك إلى الأمام مثل خط مستقيم (ماضٍ / حاضر /مستقبل)، يظل يدور في لحظة واحدة متكررة فعل نزع الملابس وإعادة انكشاف طبقة جديدة. هذا الدوران يجعل الزمن أقرب إلى التجميد، نحن لا نتقدم في السرد إنما نراوح في نقطة واحدة تتكرر.

دلالة الزمن صفر هنا ليس بوصفها صفراً مطلقاً، هي أقرب إلى نقطة مشدودة، أشبه بمرآة لا تعكس إلا نفسها. السرد متجمد، لكنه يفضح الاستلاب والعبث السياسي عبر لحظة واحدة ممتدة بلا نهاية. ومحصل المغزى أن الزمن المروي يتوقف لكي يكشف أن السلطة عارية مهما تلبّست. أي أن توقف الزمن هو وسيلة لفضح سقوط المعنى. ٢. في قصة العطر لجمال الهنداوي المشهد: أبو خضير يقول: (السوق فقد ذاكرته.. صار بلا روح..)، ثم يستعيد المعنى من خلال رائحة. كبعد زمني السوق في زمن الانهيار (زمن اجتماعي متداعٍ).

وإن لحظة استنشاق العطر تمثل تجميد الزمن الاجتماعي وتحويله إلى زمن شخصي محض (ذاكرة حسّية). وكما هو واضح فاللحظة هنا لا تمتد إلى ماضٍ أو مستقبل؛ هي ومضة حسية كاملة. دلالة الزمن صفر تتمثل في لحظة شمية متوترة، حيث الزمن الخارجي (خراب السوق) يُلغى لصالح زمن داخلي (استعادة المعنى بالرائحة).

ومحصل المغزى في (عراة): الزمن صفر = لحظة دائرية تكشف العري السياسي. وفي (العطر): الزمن صفر = ومضة حسية تحفظ المعنى من الانهيار.

وبتفصيل اخر لا ينبغي للذهن وفق ما تقدم أن يعتبر الصفر فراغا أو لا منطقا لأن الصفر هو تحوِّل الديمومة إلى لحظة مفصلية واحدة ويفهم كأثر سردي وبلاغي وفلسفي، تستعمله القصة القصيرة كآلية في مثال (قصة العطر) العطر هو ما يحوّل الانهيار الاجتماعي (زمن طويل) إلى لحظة حسية مكثفة؛ أي أن الزمن المروي يساوي «صفر دون امتداد» غير أنه ممتلئ بالدلالة. عند هايدغر الإنسان هو كائن زماني، والزمن هو نمط وجود. لا إنه بعد خارجي للذات وينطبق هذا في قصة «عراة»: نزع الملابس المتكرر لحظة انكشاف وجودي، حيث لا ماضي ولا مستقبل، لحظة مواجهة عارية مع الحاضر الفاضح.

توصف بإنها «انحباس الوجود في لحظة واحدة». ويتحصل أن الزمن صفر هو تقنية سردية وفلسفية: إمّا أن يجمد الزمن ليكشف العري (كما عند المجر)، أو يُضغط في لحظة حسّية تُنقذ المعنى (كما عند الهنداوي).أو لخلق أثر دلالي متبقي يرفض الاكتمال (كما في السرد الكافكاوي عامة).

 

……………………………………………

 

العراة قصة من مجموعة (كتاب الحياة وقصص أخرى) للأديب والكاتب عبد الامير المجر العطر قصة من مجموعة(حب وحمص وثالثهما نيتشه) للأديب والقاص Jamal Al-hindawi

عن الکاتب / الکاتبة

حیدر الأدیب
حیدر الأدیب
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الإحالة كمصير سردي في “مولود من صوّان”: ذاكرة المكان ووعي الفقد القصة القصيرة جدا بعيدا عن مراياها الكلاسيكية

الإحالة كمصير سردي في “مولود من صوّان”: ذاكرة المكان ووعي الفقد القصة القصيرة جدا بعيدا عن مراياها الكلاسيكية

كتب القاص حيدر الناصري مولودٌ من صوّانٍ   في قعر خوذة، ثقبتها زخّات الرّصاص، عشَّشت…

صورة الكاتب حیدر الأدیب
11 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


متى يمكن أن يكون الزمن صفراً في القصة القصيرة؟

بقلم: حیدر الأدیب | التاريخ: 30 نوفمبر 2025

التصنيف: الأدب

 

هل يستطيع الكاتب محو الزمن كليًا؟ هل هذا ممكن ؟ ونحن نعلم أن اللغة نفسها تعمل داخل زمن (القراءة، الإدراك). يمكن للكاتب أن يقدّم نصًا لا يمنحنا أي إحساس بالامتداد، بل فقط باللحظة المكثفة. وهنا في هذه المنطقة يشتغل الزمن كأثر بلاغي وفلسفي وسردي رغم غيابه الى درجة الصفر بقوة الأحساس الموحي باللحظة الصفرية ولكن كيف ذلك ؟ لنر الأمر في المستويات التالية في المستوى السردي: يحدث ذلك حين يتوقف الحدث عن الحركة، فنشعر أن الزمن معلَّق أو مجمَّد.

مثل مشهد ثابت (لوحة وصفية، لحظة وميض داخلي)، حيث لا يوجد تقدم كرونولوجي ، ما يوجد فقط هو تركيز على “الآن” فقط. في المستوى الدلالي: يُقال إن الزمن صفر عندما يكون النص قائمًا على ومضة خاطفة لا تمتد إلى ماضٍ أو مستقبل، وإنما تتكثف في لحظة واحدة. هنا الزمن يُضغط إلى نقطة قصوى، ولا يمكن إلغاؤه فعليا.

في المستوى الفلسفي بول ريكور يرى أن الزمن في السرد هو (زمن مروى)، أي أنه يولد من الحكي. فإذا غاب الامتداد، وأصبح النص مجرد لقطة أو صورة، فهنا نقترب من فكرة الزمن صفر. في الواقع لا يمكن ان يكون الزمن صفر كليا فتودوروف و جينيت يقولان: لا يوجد نص بلا زمن، لأن حتى الوصف أو الجمود يستدعي “مدة” لقراءته وتأمله. وكافكا مثلاً في (المسخ) يجعل الزمن متجمداً تقريبًا، لكن التحول حدث في لحظة، أي أن هناك زمنًا ضمنيًا مهما بدا معلَّقًا. هايدغر من منظور أنطولوجي يقول الوجود هو زمن، ولا يمكن للإنسان أن يعيش أو يُروى خارج الزمانية.

بالتالي الحديث عن “زمن صفر” هو مجاز بلاغي لا أكثر. /الزمن صفر/ ممكن كأداة جمالية مفلسفة و لحظة مكثفة، ومضة، تجميد حدث. لكنه غير ممكن حرفيً بمعنى الصفر الرياضي أو الفيزيائي لأن كل نص له بداية ونهاية، أي حيز زمني للقراءة والإدراك كما قلنا ومع ذلك نرى اشتغال هذه الصفرية بوصفها كشفا أو فضحا او تأجيلا كما عند دريدا ولنوضح الأمر عبر نمذجة حية وتطبيق عملي ١. في قصة (العراة) ل عبد الأمير المجر المشهد: الرئيس يُجرّد من ملابسه، لكن كلما نزعوا عنه طبقة ظهرت طبقة أخرى. كبعد زمني الحدث لا يتحرك إلى الأمام مثل خط مستقيم (ماضٍ / حاضر /مستقبل)، يظل يدور في لحظة واحدة متكررة فعل نزع الملابس وإعادة انكشاف طبقة جديدة. هذا الدوران يجعل الزمن أقرب إلى التجميد، نحن لا نتقدم في السرد إنما نراوح في نقطة واحدة تتكرر.

دلالة الزمن صفر هنا ليس بوصفها صفراً مطلقاً، هي أقرب إلى نقطة مشدودة، أشبه بمرآة لا تعكس إلا نفسها. السرد متجمد، لكنه يفضح الاستلاب والعبث السياسي عبر لحظة واحدة ممتدة بلا نهاية. ومحصل المغزى أن الزمن المروي يتوقف لكي يكشف أن السلطة عارية مهما تلبّست. أي أن توقف الزمن هو وسيلة لفضح سقوط المعنى. ٢. في قصة العطر لجمال الهنداوي المشهد: أبو خضير يقول: (السوق فقد ذاكرته.. صار بلا روح..)، ثم يستعيد المعنى من خلال رائحة. كبعد زمني السوق في زمن الانهيار (زمن اجتماعي متداعٍ).

وإن لحظة استنشاق العطر تمثل تجميد الزمن الاجتماعي وتحويله إلى زمن شخصي محض (ذاكرة حسّية). وكما هو واضح فاللحظة هنا لا تمتد إلى ماضٍ أو مستقبل؛ هي ومضة حسية كاملة. دلالة الزمن صفر تتمثل في لحظة شمية متوترة، حيث الزمن الخارجي (خراب السوق) يُلغى لصالح زمن داخلي (استعادة المعنى بالرائحة).

ومحصل المغزى في (عراة): الزمن صفر = لحظة دائرية تكشف العري السياسي. وفي (العطر): الزمن صفر = ومضة حسية تحفظ المعنى من الانهيار.

وبتفصيل اخر لا ينبغي للذهن وفق ما تقدم أن يعتبر الصفر فراغا أو لا منطقا لأن الصفر هو تحوِّل الديمومة إلى لحظة مفصلية واحدة ويفهم كأثر سردي وبلاغي وفلسفي، تستعمله القصة القصيرة كآلية في مثال (قصة العطر) العطر هو ما يحوّل الانهيار الاجتماعي (زمن طويل) إلى لحظة حسية مكثفة؛ أي أن الزمن المروي يساوي «صفر دون امتداد» غير أنه ممتلئ بالدلالة. عند هايدغر الإنسان هو كائن زماني، والزمن هو نمط وجود. لا إنه بعد خارجي للذات وينطبق هذا في قصة «عراة»: نزع الملابس المتكرر لحظة انكشاف وجودي، حيث لا ماضي ولا مستقبل، لحظة مواجهة عارية مع الحاضر الفاضح.

توصف بإنها «انحباس الوجود في لحظة واحدة». ويتحصل أن الزمن صفر هو تقنية سردية وفلسفية: إمّا أن يجمد الزمن ليكشف العري (كما عند المجر)، أو يُضغط في لحظة حسّية تُنقذ المعنى (كما عند الهنداوي).أو لخلق أثر دلالي متبقي يرفض الاكتمال (كما في السرد الكافكاوي عامة).

 

……………………………………………

 

العراة قصة من مجموعة (كتاب الحياة وقصص أخرى) للأديب والكاتب عبد الامير المجر العطر قصة من مجموعة(حب وحمص وثالثهما نيتشه) للأديب والقاص Jamal Al-hindawi