یومیات ناقد ثقافي ….”لغة الأصابع والقانون”

صورة الكاتب
بقلم: أ.د حسين القاصد
التاريخ: 30 نوفمبر 2025 عدد المشاهدات: 1583
یومیات ناقد ثقافي ….”لغة الأصابع والقانون”

“لغة الأصابع والقانون”

يدخل النقد الثقافي مناطق غير مسبوقة، وله أن يشرح الخطاب العصبي واللغة الخفية؛ وأعني تلك اللغة العصية، التي لا تشبهها أية لغة لكنها فصحى جدا. ففي قول الشاعر: أصابع كف المرء في العد خمسة ولكنها في مقبض السيف واحدُ كان يريد حالة مرئية متوافرة إيكلوجياً بحكم بيئة الصراعات التي يعيشها، لكننا لم ننتبه إلى أن كف اليد في القبضة يتحول إلى يدين اثنتين!!، ذلك لأن ابتعاد الإصبع ( الإبهام) بمسافة عن بقية الأصابع تجعله يمثل يداً ثانية، تمكن الإنسان من مسك الأشياء وحملها. اليد تتكلم واليد تحمل واليد تقتل ومثلما يمكن للوجه أن يمثل هوية الإنسان التي نعرفها من خلاله، يمكن للإصبع أن يمثل اليد كلها كما في قوله تعالى:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.) والكتابة تتم بإصبعين هما الإبهام والسبابة، ويقال: إن فلاناً له يد في الموضوع، أو في الجريمة. استطاع الإنسان أن يكتفي سيميائياً بإصبعين فقط ليعبر عن انتصاره، بعد أن يصنع بإبهامه وسبابته ما يشبه الحرف ( V ) وهو الحرف الأول من ( Victory) التي تعني النصر؛ ومن اسمها ( السبابة) لها أن تكون أداة تهديد إذا أشهرها الإنسان وضم بقية أصابعها، أما إذا قام بعكفها فستدل على اسمها تماما وتفصح عن السِباب. الإصبع الوسطى لها دلالتها المهينة الخادشة للحياء إذا أشهرها المرء وضم بقية أصابعه، وهذا الأمر تواضع عليه الناس، ويعد نطقا بالجرم مع أنه جاء من دون صوت. لكن ماذا عن الإبهام، وقبل الإبهام فاتنا أن نقول: إن كل عملية إطلاق رصاص من مسدس أو بندقية تتم بالسبابة، أما ما يسمى بالسلاح الأبيض من سيف وخنجر وسكين وقطعة حديد فتتم بعد انفراج اليد إلى يدين اثنتين حين تصطف الأصابع بجهة والإبهام في الجهة الأخرى ثم يقبضان ليمسكا بالآلة الجرمية. سميت السبابة سيميائياً مما تدل عليه إشارة السب؛ لكن للإبهام حكاية أخرى، فلا يوجد شخصان في الكون تتشابه بصمات أصابعهم، ومنه صارت بصمة الإبهام هوية عصبية، ولأنها مبهمة عن بصمة الآخر صارت إبهاماً. الدماغ يرسل إيعازه للفم كي ينطق بالجرم اللغوي، لكن الأسرع هو الجرم السيميائي ولغته فصحى، لأنك قد تشتم شخصا لا يفهم لغتك ولا تحدث وقعا في نفسه، لكن حين تشير بالسبابة فإنك تختزل سيلا من السباب، أو خطبة كاملة من التهديد والوعيد. هكذا يمكن للنقد الثقافي أن يشرح الخطاب ويصل إلى الأدلة الجنائية، فأول الجرائم وآخرها لغوية، بها تبدأ وتنتهي، وأول الفصل والحكم لغوي، فالقاضي له مكملات الخطاب ومؤثثاته ومن بينها المطرقة. ٣٠ / ١١ / ٢٠٢٥

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د حسين القاصد
أ.د حسين القاصد
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

يوميات ناقد ثقافي

يوميات ناقد ثقافي

يوميات ناقد ثقافي …………………..   الجدوى الثقافية لا يفكر الإنسان في غايته من التنفس لكنه…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
23 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


یومیات ناقد ثقافي ….”لغة الأصابع والقانون”

بقلم: أ.د حسين القاصد | التاريخ: 30 نوفمبر 2025

التصنيف: الثقافة والفنون

“لغة الأصابع والقانون”

يدخل النقد الثقافي مناطق غير مسبوقة، وله أن يشرح الخطاب العصبي واللغة الخفية؛ وأعني تلك اللغة العصية، التي لا تشبهها أية لغة لكنها فصحى جدا. ففي قول الشاعر: أصابع كف المرء في العد خمسة ولكنها في مقبض السيف واحدُ كان يريد حالة مرئية متوافرة إيكلوجياً بحكم بيئة الصراعات التي يعيشها، لكننا لم ننتبه إلى أن كف اليد في القبضة يتحول إلى يدين اثنتين!!، ذلك لأن ابتعاد الإصبع ( الإبهام) بمسافة عن بقية الأصابع تجعله يمثل يداً ثانية، تمكن الإنسان من مسك الأشياء وحملها. اليد تتكلم واليد تحمل واليد تقتل ومثلما يمكن للوجه أن يمثل هوية الإنسان التي نعرفها من خلاله، يمكن للإصبع أن يمثل اليد كلها كما في قوله تعالى:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.) والكتابة تتم بإصبعين هما الإبهام والسبابة، ويقال: إن فلاناً له يد في الموضوع، أو في الجريمة. استطاع الإنسان أن يكتفي سيميائياً بإصبعين فقط ليعبر عن انتصاره، بعد أن يصنع بإبهامه وسبابته ما يشبه الحرف ( V ) وهو الحرف الأول من ( Victory) التي تعني النصر؛ ومن اسمها ( السبابة) لها أن تكون أداة تهديد إذا أشهرها الإنسان وضم بقية أصابعها، أما إذا قام بعكفها فستدل على اسمها تماما وتفصح عن السِباب. الإصبع الوسطى لها دلالتها المهينة الخادشة للحياء إذا أشهرها المرء وضم بقية أصابعه، وهذا الأمر تواضع عليه الناس، ويعد نطقا بالجرم مع أنه جاء من دون صوت. لكن ماذا عن الإبهام، وقبل الإبهام فاتنا أن نقول: إن كل عملية إطلاق رصاص من مسدس أو بندقية تتم بالسبابة، أما ما يسمى بالسلاح الأبيض من سيف وخنجر وسكين وقطعة حديد فتتم بعد انفراج اليد إلى يدين اثنتين حين تصطف الأصابع بجهة والإبهام في الجهة الأخرى ثم يقبضان ليمسكا بالآلة الجرمية. سميت السبابة سيميائياً مما تدل عليه إشارة السب؛ لكن للإبهام حكاية أخرى، فلا يوجد شخصان في الكون تتشابه بصمات أصابعهم، ومنه صارت بصمة الإبهام هوية عصبية، ولأنها مبهمة عن بصمة الآخر صارت إبهاماً. الدماغ يرسل إيعازه للفم كي ينطق بالجرم اللغوي، لكن الأسرع هو الجرم السيميائي ولغته فصحى، لأنك قد تشتم شخصا لا يفهم لغتك ولا تحدث وقعا في نفسه، لكن حين تشير بالسبابة فإنك تختزل سيلا من السباب، أو خطبة كاملة من التهديد والوعيد. هكذا يمكن للنقد الثقافي أن يشرح الخطاب ويصل إلى الأدلة الجنائية، فأول الجرائم وآخرها لغوية، بها تبدأ وتنتهي، وأول الفصل والحكم لغوي، فالقاضي له مكملات الخطاب ومؤثثاته ومن بينها المطرقة. ٣٠ / ١١ / ٢٠٢٥