فوضى السرد الخلاقة وعبثية الإمساك بالفكرة في “من منا في رأسي؟ ” للقاص عبد الله جعيلان

صورة الكاتب
بقلم: د. حسن البصام
التاريخ: 3 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1619
فوضى السرد الخلاقة وعبثية الإمساك بالفكرة  في “من منا في رأسي؟ ” للقاص عبد الله جعيلان

“من منا في رأسي؟ “، مجموعة قصصية صدرت للقاص عبد الله جعيلان عام 2025 تتضمن خمسة عشر قصة عن دار الفرات للطباعة والنشر .
لاتكفي سطور قليلة ان تفي وتغوص في أعماق هذه القصص، لتستكشف مجاهيلها التي تعيدك الى سنوات التجريب وكسر الرتابة والمالوف في الكتابة والانسياق نحو المغايرة وكسر الجمود في السرد او التتبع او التلقي.

قصص تتشابه في نهاياتها ذات التقنية السردية المحكمة التي تحيلك لقراءة النص ثانية وتلك من سمات السرد الحديث الذي يعيد ترتيب الاحداث التي استقرت في نسق متشابك بشكل مستقيم في الذاكرة، سرعان ماتجعلك تغير ملامح الفكرة لتنتقل الى فضاء سردي اخر. الى تاويل اخر بل في بعضها الى نسق سردي مغاير.
كما في قصة ” فياغرا”، التي تقودك للبحث عن البداية ..كيف لجمجمة محتشدة بالافكار السريعة ان تهدأ وسط تزاحم الأشياء وعثرات الخطى. كيف لهذا الاندفاع والشبق ان يجد له نافذة مضيئة يلتمس طريق البداية من خلال الضوء المتسلل منها؟
تحولت الفكرة الى معشوقة، والقلم فعل رجولي ، والفكرة نشوة،والحلم يستطيل الى مالا نهاية وسط حلم منطفئ..
سرد يفلت من بين أصابع الواقع ، تحاول الإمساك به فيتمنع ، واحيانا يجري امامك بكل جرأة ومراوغة .
هذا البناء السردي المحكم تشكل نتيجة حجم الاطلاع وسعته على التجارب العالمية منذ بدء الحداثة والتجريب والمشاكسة الأدبية للمالوف، اذ نجد في نصوصه القصصية نفحات الوجودية والعبثية والسريالية، وهي غالبا ماتشكل نهايات القصص معتمدة في اجزائها السردية على واقعية الحدث وطبيعته المأوفة المعاشة ..في بداية المجموعة القصصية خاصة ( فياغرا- مضاجعة لوحة – ؟؟؟؟؟؟- قبل ان اقتل طفلا- قاتل غير ماجور- هروب من الجمجمة – قتل مشروع ) نزوع مندفع نحو تجسيد الجريمة مالعنف والتمرد، هي وليدة خيالات طافحة ولكنها توحي للقارئ
اوتمسك بيده لان يعيشها كواقع لابد منه، وتلك براعة فائقة من القاص على الرغم من عبثية الفكرة او نزوعها السوداوي اوالاجرامي .
السرد لدى القاص عبد الله جعيلان يرتدي اثوابا متعددة الألوان ولكنه من ذات الجنس ، هو لايخرج من فضاء الحكي او الحوار او الحكاية او الحدث، انما هو صانع ماهر للفكرة التي تاسرك وتجعلك تبحث عن التشكلية النهاية لتداخل الألوان . معتمدا على لغة تخرج عن نطاق دلالتها المالوفة لترحل بك رحلة سريالية خاصة في قصة مضاجعة لوحة ..لغة هاربة من معناها الضيق لدلالاتها الواسعة..مساحات مخضرة بالحلم الذي كان مستحيلا ليتحول لزجا ملتصقا على أصابع الواقع ليمارس اشتهاءاته بلا حدود ورغباته بلا زجر.
اتكا القاص على مسندين مسند اللغة الخارجة من سياقاتها اليومية الى افق مفتوح المعنى ومسند الخيال الذي لا اطار له لتتسع مسارب اشتهاءاته ويكسر منابع حرمانه.
بينما يكتب رسالة لنفسه فارغة ويتفاجئ بها كان احد قد أرسلها له بشكل غير متوقع يقول: ” في وقت ما تدرك انهم كتبوا على جبينك مخاوفك ، وكيف للإنسان ان يهرب من مخاوفه؟”
ويقول في ختامها : ” من كتب على جبينك كلمة(عار) هل اساعدك كي تصرخ؟”
وفي الكثير من قصصه سواء كانت في بداية المجموعة او نهاياتها وظف شرود المجنون وأخيلته الجامحة في كتابة احداث سردية غاية في المتعة ، حتى اننا نتساءل عن ماذا يبحث عبد الله جعيلان في قصصه هذه ؟ وهل في فك الغاز الجريمة مدعاة لاطمئنان القاتل ام المقتول ام الشاهد ؟ لماذا العنف دون السلام؟ لماذا تفشي الجريمة دون الحب ؟ لماذا علينا ان نبحث ونتقصى اثار خطى السرد على بياض ذاكرتنا وأديم ذائقتنا في سطور قليلة قد لا تكفي لتاويلها صفحة كاملة؟ هل الانسان رهين ماكُتب على جبينه؟ هل الانسان رهين ما يعتقده؟
حاولت جاهدا ان اصنف القاص عبد الله جعيلان الى اية مدرسة ينتمي في شهادته الحياتية السردية هذه المليئة بحراك الجنون والجريمة والضياع والحرمان والتيه ؟ لم اخرج من هذا الامتحان سوى الرجوع الى قوله في اول الكتاب :
” لا أدري لماذا أنت هنا، أو ما الدافع الرئيسي لذلك: الهوس؟ قتل وقت فراغك ؟ الفضول ؟ أم تقييم ابن جعيلان من خلال مئة صفحة قادمة؟ لا أدري أيضا لماذا اكتب لك هذه السطورالتي ، حسب ما أرى، لا فا ئدة منها، لكن لا ضير من أن تتسع عيناك وأن ترى عنوان القصة الأولى: فياغرا، فعبثية ذلك تشعرك، لوهلة، بحتمية الوصول الى النهاية؛ عندها ستلعنني او تصفق لي ، والامران لا يثيران فيَّ أي رغبة نحوهما.”.

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. حسن البصام
د. حسن البصام
ناقد وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

السرد التناوبي في مجموعة ” بيت القلعة”  للقاصة خلود البدري                                   

السرد التناوبي في مجموعة ” بيت القلعة” للقاصة خلود البدري                                  

                             …

صورة الكاتب د. حسن البصام
24 أغسطس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


فوضى السرد الخلاقة وعبثية الإمساك بالفكرة في “من منا في رأسي؟ ” للقاص عبد الله جعيلان

بقلم: د. حسن البصام | التاريخ: 3 ديسمبر 2025

التصنيف: النقد الأدبي

“من منا في رأسي؟ “، مجموعة قصصية صدرت للقاص عبد الله جعيلان عام 2025 تتضمن خمسة عشر قصة عن دار الفرات للطباعة والنشر .
لاتكفي سطور قليلة ان تفي وتغوص في أعماق هذه القصص، لتستكشف مجاهيلها التي تعيدك الى سنوات التجريب وكسر الرتابة والمالوف في الكتابة والانسياق نحو المغايرة وكسر الجمود في السرد او التتبع او التلقي.

قصص تتشابه في نهاياتها ذات التقنية السردية المحكمة التي تحيلك لقراءة النص ثانية وتلك من سمات السرد الحديث الذي يعيد ترتيب الاحداث التي استقرت في نسق متشابك بشكل مستقيم في الذاكرة، سرعان ماتجعلك تغير ملامح الفكرة لتنتقل الى فضاء سردي اخر. الى تاويل اخر بل في بعضها الى نسق سردي مغاير.
كما في قصة ” فياغرا”، التي تقودك للبحث عن البداية ..كيف لجمجمة محتشدة بالافكار السريعة ان تهدأ وسط تزاحم الأشياء وعثرات الخطى. كيف لهذا الاندفاع والشبق ان يجد له نافذة مضيئة يلتمس طريق البداية من خلال الضوء المتسلل منها؟
تحولت الفكرة الى معشوقة، والقلم فعل رجولي ، والفكرة نشوة،والحلم يستطيل الى مالا نهاية وسط حلم منطفئ..
سرد يفلت من بين أصابع الواقع ، تحاول الإمساك به فيتمنع ، واحيانا يجري امامك بكل جرأة ومراوغة .
هذا البناء السردي المحكم تشكل نتيجة حجم الاطلاع وسعته على التجارب العالمية منذ بدء الحداثة والتجريب والمشاكسة الأدبية للمالوف، اذ نجد في نصوصه القصصية نفحات الوجودية والعبثية والسريالية، وهي غالبا ماتشكل نهايات القصص معتمدة في اجزائها السردية على واقعية الحدث وطبيعته المأوفة المعاشة ..في بداية المجموعة القصصية خاصة ( فياغرا- مضاجعة لوحة – ؟؟؟؟؟؟- قبل ان اقتل طفلا- قاتل غير ماجور- هروب من الجمجمة – قتل مشروع ) نزوع مندفع نحو تجسيد الجريمة مالعنف والتمرد، هي وليدة خيالات طافحة ولكنها توحي للقارئ
اوتمسك بيده لان يعيشها كواقع لابد منه، وتلك براعة فائقة من القاص على الرغم من عبثية الفكرة او نزوعها السوداوي اوالاجرامي .
السرد لدى القاص عبد الله جعيلان يرتدي اثوابا متعددة الألوان ولكنه من ذات الجنس ، هو لايخرج من فضاء الحكي او الحوار او الحكاية او الحدث، انما هو صانع ماهر للفكرة التي تاسرك وتجعلك تبحث عن التشكلية النهاية لتداخل الألوان . معتمدا على لغة تخرج عن نطاق دلالتها المالوفة لترحل بك رحلة سريالية خاصة في قصة مضاجعة لوحة ..لغة هاربة من معناها الضيق لدلالاتها الواسعة..مساحات مخضرة بالحلم الذي كان مستحيلا ليتحول لزجا ملتصقا على أصابع الواقع ليمارس اشتهاءاته بلا حدود ورغباته بلا زجر.
اتكا القاص على مسندين مسند اللغة الخارجة من سياقاتها اليومية الى افق مفتوح المعنى ومسند الخيال الذي لا اطار له لتتسع مسارب اشتهاءاته ويكسر منابع حرمانه.
بينما يكتب رسالة لنفسه فارغة ويتفاجئ بها كان احد قد أرسلها له بشكل غير متوقع يقول: ” في وقت ما تدرك انهم كتبوا على جبينك مخاوفك ، وكيف للإنسان ان يهرب من مخاوفه؟”
ويقول في ختامها : ” من كتب على جبينك كلمة(عار) هل اساعدك كي تصرخ؟”
وفي الكثير من قصصه سواء كانت في بداية المجموعة او نهاياتها وظف شرود المجنون وأخيلته الجامحة في كتابة احداث سردية غاية في المتعة ، حتى اننا نتساءل عن ماذا يبحث عبد الله جعيلان في قصصه هذه ؟ وهل في فك الغاز الجريمة مدعاة لاطمئنان القاتل ام المقتول ام الشاهد ؟ لماذا العنف دون السلام؟ لماذا تفشي الجريمة دون الحب ؟ لماذا علينا ان نبحث ونتقصى اثار خطى السرد على بياض ذاكرتنا وأديم ذائقتنا في سطور قليلة قد لا تكفي لتاويلها صفحة كاملة؟ هل الانسان رهين ماكُتب على جبينه؟ هل الانسان رهين ما يعتقده؟
حاولت جاهدا ان اصنف القاص عبد الله جعيلان الى اية مدرسة ينتمي في شهادته الحياتية السردية هذه المليئة بحراك الجنون والجريمة والضياع والحرمان والتيه ؟ لم اخرج من هذا الامتحان سوى الرجوع الى قوله في اول الكتاب :
” لا أدري لماذا أنت هنا، أو ما الدافع الرئيسي لذلك: الهوس؟ قتل وقت فراغك ؟ الفضول ؟ أم تقييم ابن جعيلان من خلال مئة صفحة قادمة؟ لا أدري أيضا لماذا اكتب لك هذه السطورالتي ، حسب ما أرى، لا فا ئدة منها، لكن لا ضير من أن تتسع عيناك وأن ترى عنوان القصة الأولى: فياغرا، فعبثية ذلك تشعرك، لوهلة، بحتمية الوصول الى النهاية؛ عندها ستلعنني او تصفق لي ، والامران لا يثيران فيَّ أي رغبة نحوهما.”.