لماذا الإساءة إلى السياب؟
إذا أردت أن تنقد أو تنتقد إنسانًا ما، عليك أن تنقد أقواله وأفعاله وفكره، لا سيما إن كان عالمًا أو مفكرًا أو أديبا، لا أن تنتقد شكله الخارجي، أو بنيته الجسمانية، أو خَلقته أو حتى عوقه أو بعض العاهات التي ولدت معه، لأنّ ذلك يعود – أي العوق أو العاهة – إلى الإله الذي خلقه بتلك الصيغة، وصوره بذلك التصوير، بل الأحرى بك أن تنتقد ذلك الإله (إله سبينوا وإينشتاين) الذي أخرجه للوجود، فلإنسان الذي جاء الى الوجود، وهو بذلك الشكل، لم يخلق نفسه بنفسه؛ هذا هو المنطق الصحيح، وهذا ما يراه العاقل، وجُبلت عليه النفوس السليمة.
أقول هذا وأنا استمعت (كلام امرأة بالصورة والصوت) من خلال بعض مواقع التواصل الاجتماعي، هذه المرأة تتهجم على رمز من رموز الأدب العراقي المعاصر، المرأة هذه تدعى بلقيس شرارة يقال أنها أديبة – الله يشهد أنني لم أسمع بها من قبل – وهي تتهجم على الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وتتفوه عنه بكلام لا يمكن أن يصدر من شخص مثقف أديب، فضلا عن إنسان بسيط.
إن النقد الأدبي الحقيقي لا يقوم على الهجوم الشخصي أو على نزع القيمة عن الرموز التي تركت بصمة واضحة، للأدب والثقافة بصورة عامة، بل النقد يقوم على التحليل، والموضوعية، وفهم السياق التاريخي والاجتماعي الذي أنتج النص. والسياب، مهما اختلفنا حول بعض نصوصه أو مواقفه – إن كانت لديه مواقف لا يرغب بها الآخرين – يبقى ظاهرة أدبية لا يمكن القفز فوقها أو اختزالها في أحكام انفعالية. فالشعر لا يُقاس فقط بذائقة آنية، بل بتأثيره العميق والممتد في الوعي الجمعي للأمة.
والحقيقة أن السياب ليس اسماً عابراً في سجل الثقافة، بل هو ركنٌ أساسي من أركان حركة الشعر الحر، وأحد الذين غيّروا مسار القصيدة العربية شكلاً ومضموناً. فقد استطاع، عبر تجربته الشعرية العميقة، أن يمزج بين الهمّ الشخصي والهمّ الجمعي، وأن يحوّل معاناته الذاتية ومرضه وغربته إلى صوت إنساني واسع الصدى. من هنا، فإن التعامل مع هذه التجربة بمنطق التجريح أو التقليل، دون قراءة نقدية منهجية، يُعد ظلماً ثقافياً قبل أن يكون اختلافاً في الرأي.
وأظن إن مثلا كذا اساءات، تكمن على مستويين أثنين لا ثالث لهما:
1- تكمن عن حقد شخصي دفين، إثر موقف معاكس، اثمر عن تصور سلبي، ظل كامن في نفس ذلك الشخص الذي وقع عليه الموقف.
2- حسد ازاء السياب كونه اصبح علمًا من أعلام الأدب، وصار قدوة يحتذى بها من قبل الكثير، كونه قد نجح ايما نجاح، وغيره فشل ولم يرتق للمركز المطلوب.
وأختم بالقول: إن الثقافة العراقية، وهي تمر بظروف صعبة، أحوج ما تكون إلى خطاب نقدي مسؤول، يحافظ على منجزها الأدبي، ويناقشه بعقل مفتوح لا بروح الهدم. فالسياب ليس ملكاً لشخص أو جيل، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية العراقية والعربية، والدفاع عن قيمته ليس تعصباً، بل احترام للتاريخ الإبداعي الذي صنع ملامح قصيدتنا الحديثة. لذا فمن حق الجمع أن يرفض هذه الاساءة، للسياب أو لغيره من رموز الثقافة العراقية.
سلوی ادریسي والي
مشعل العبادي
التعليقات