قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين) للشاعر يحيى السماوي

صورة الكاتب
بقلم: ریاض عبدالواحد
التاريخ: 7 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3531
قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين)  للشاعر يحيى السماوي

قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين)

للشاعر يحيى السماوي

بينَ مِحرابِ الغُربة ومَجازاتِ التحوُّل

رياض عبدالواحد

المقدّمة:

يُطلُّ هذا النصّ الشعريّ بوصفه بنيةً رؤيويّةً مُركّبة، لا تنتمي إلى مجرّد تدفّق وجدانيّ عابر، بل تتأسّس على شبكةٍ من العلامات التي تتناسل دلاليًّا داخل فضاءٍ تتجاور فيه الغربةُ مع الكشف، والضياعُ مع التجلّي، والقلقُ مع اليقين. إنّ النصيص (ترتيلة يقين) لا يُقدِّم نفسه بوصفه دالًّا بريئًا، بل ينهض منذ البدء بوظيفةٍ إشكاليّة: كيف يمكن للترتيل، وهو فعلٌ طقوسيّ متكرّر، أن يُفضي إلى يقينٍ في عالمٍ مُثقلٍ بالتشظّي؟ هنا تتأسّس المفارقة الكبرى التي سيُعاد إنتاجها داخل النسيج النصّي بأشكالٍ متعدّدة.

النصّ، في جوهره، ليس خطابًا موجّهًا إلى آخر محدّد، بل هو خطابٌ يتّخذ من /الأيُّها الطاعن بالغربة والحزن/ قناعًا رمزيًّا لذاتٍ مأزومة، تتشظّى بين حالاتٍ متعدّدة، وتبحث عن خلاصٍ يتجاوز الجسد إلى الروح.

بنية النداء وتفكيك الهويّة المُخاطَبة:

يفتتح النصّ بنداءٍ كثيف:

(أيُّها الطّاعنُ بالغربةِ والحزنِ / جليسَ اللا أحد)

لا يُحيل هذا النداء إلى مخاطَبٍ خارجيّ بقدر ما يكشف عن انقسام الذات إلى ذاتٍ نادِيَةٍ وأخرى مُناداة. إنّ (جليس اللا أحد) تركيبٌ سيميائيّ يُفجّر مفهوم العزلة، إذ لا يكتفي بنفي الصحبة، بل يؤسّس لفراغٍ وجوديّ، إذ يتحوّل /اللا أحد/ إلى كيانٍ رمزيّ يسكن الذات.

ثمّ يتعمّق هذا التفكيك عبر سلاسل من التوصيفات:

(يا نديمَ القلق الوحشيّ … / ناطورَ الأماني … / ونزيلَ اللا بلد)

إنّ تعدّد الألقاب هنا ليس زخرفًا بلاغيًّا، بل هو تفكيكٌ متدرّجٌ للهوية. فـ/نديم القلق/ يُحيل إلى تواطؤ الذات مع اضطرابها، و/ناطُور الأماني/ يُضفي عليها وظيفة الحراسة لوهمٍ مستحيل، بينما /نزيل اللا بلد/ ينقلها من جغرافيا المكان إلى لا-مكانٍ وجوديّ، إذ تتلاشى الحدود بين الحضور والعدم.

الزمكانيّة المتصدّعة: من مذبحة الأمس إلى بستان الغد:

يُشيّد النصّ زمكانيته عبر مفارقةٍ حادّة:

(يومك الممتدّ من مذبحة الأمس / إلى بستان غد)

إنّ هذا الامتداد لا يُفهم بوصفه خطًّا زمنيًّا متّصلًا، بل كقوسٍ توتّريّ بين قطبين: /المذبحة/ و/البستان/ . الأوّل يُحيل إلى العنف والتشظّي، والثاني إلى الخصب والرجاء. غير أنّ الجمع بينهما داخل (يومٍ واحد)يُفكّك مفهوم الزمن، ليغدو تجربةً نفسيّة لا تعاقبًا كرونولوجيًّا.

هنا يتبدّى النصّ بوصفه فضاءً انتقالياً إذ تعيش الذات في منطقةٍ بينيّة، لا تنتمي إلى الماضي ولا تستقرّ في المستقبل، بل تظلّ معلّقةً في لحظةٍ متشظّية.

انكسار المقدّس وتحوّل الرمز:

يُقحم النصّ عناصر ذات حمولة رمزيّة عالية:

(نخلة اللهِ / وناموسَ المرايا)

إنّ /نخلة الله/ تستدعي رمز الخصوبة والبركة، بينما /ناموس المرايا/ يُحيل إلى قانون الانعكاس والوعي بالذات. غير أنّ الشاعر يُفرغ هذه الرموز من طمأنينتها حين يقرنها بصورة:

(خيمةٌ دون وتد)

فالخيمة، وهي رمز الاستقرار البدويّ، تتحوّل إلى كيانٍ هشّ بلا دعامة، في إشارةٍ إلى انهيار اليقينيات الكبرى. إنّ المقدّس هنا لا يُلغى، بل يُعاد تشكيله داخل سياقٍ هشّ، إذ يفقد صلابته ويغدو عرضةً للانهيار.

جدليّة المدّ والجزر: الاقتصاد الدلاليّ للألم:

في واحدة من أكثر الصور كثافةً، يقول النصّ:

(ضياعٌ في متاهات بحارٍ / يُسرها جزرٌ / وأمّا العسر والخسر فمدّ)

تقوم هذه البنية على قلب التوقّع: فالمعتاد أن يكون المدّ رمزًا للفيض، لكنّه -هنا – يُقرن بالعسر والخسر، بينما يُسند اليسر إلى الجزر، أي الانحسار. إنّها إعادة توزيع للقيم داخل الحقل الدلاليّ، فلا تعود الأشياء تحتفظ بمعانيها المألوفة.

هذا الانقلاب يُعبّر عن وعيٍ مأزوم، يرى العالم بوصفه مقلوبًا، فتتحوّل قوانينه إلى مفارقات.

العتمة الكونيّة: انطفاء الشمس ومرض النجوم:

يتصاعد التوتر عبر صور كونيّة:

(مطفأ الشمسِ … / وجفن النجم يشكو من رمد)

إنّنا أمام كونٍ مُعتلّ، إذ لا يعود الضوء مصدرًا للحياة، بل يغدو غائبًا أو مريضًا. (رمد النجم) صورة بالغة الكثافة، إذ تُسقط مرضًا بشريًّا على جرمٍ سماويّ، في تماهٍ بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم.

إنّ هذه الكونيّة المريضة تُحيل إلى رؤية وجوديّة ترى العالم انعكاسًا لخللٍ داخليّ في الذات.

خطاب العزاء والتحوّل: من الجسد إلى الروح:

في المقطع الختاميّ، يتحوّل الخطاب من توصيف الأزمة إلى اقتراح مخرج:

(فاتّخذ من سعفها بيتًا وظلًّا / ومدد)

إنّ /السعف/ يستعيد رمز النخلة، لكنّه يُعاد توظيفه بوصفه مادّةً لبناء بيتٍ رمزيّ، أي ملاذٍ بديل. غير أنّ الذروة تتجلّى في هذا التحوّل الجذريّ:

(كفى أنّك بتّ اليوم روحًا / وتراتيل يقين / بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسد)

عن الکاتب / الکاتبة

ریاض عبدالواحد
ریاض عبدالواحد
کاتب . ناقد . شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي

قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي

  قراءة وتأويل لاحدى رباعيات الشاعر يحيى السماوي جدلية الألم والصبر وتشكّل الدلالة المقدمة: تندرج…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
13 مارس 2026
اقرأ المزيد
قراءة وتأويل للنص الشعري (منزل السماء) للشاعر حسين السياب: الوقوف على حافة المطلق

قراءة وتأويل للنص الشعري (منزل السماء) للشاعر حسين السياب: الوقوف على حافة المطلق

قراءة وتأويل للنص الشعري (منزل السماء) للشاعر حسين السياب: الوقوف على حافة المطلق   المقدمة:…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
4 يناير 2026
اقرأ المزيد
قراءة وتأويل في أحد نصوص الشاعر عادل قاسم    سيمياء الغياب وحركية الفقد

قراءة وتأويل في أحد نصوص الشاعر عادل قاسم سيمياء الغياب وحركية الفقد

يقدّم نص «مازال لم يُملِ المكان» لعادل قاسم تجربة شعرية تتجاوز البعد الوجداني المباشر، لتتأسس…

صورة الكاتب ریاض عبدالواحد
29 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين) للشاعر يحيى السماوي

بقلم: ریاض عبدالواحد | التاريخ: 7 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

قراءة وتأويل لقصيدة (تَرتيلُة يقين)

للشاعر يحيى السماوي

بينَ مِحرابِ الغُربة ومَجازاتِ التحوُّل

رياض عبدالواحد

المقدّمة:

يُطلُّ هذا النصّ الشعريّ بوصفه بنيةً رؤيويّةً مُركّبة، لا تنتمي إلى مجرّد تدفّق وجدانيّ عابر، بل تتأسّس على شبكةٍ من العلامات التي تتناسل دلاليًّا داخل فضاءٍ تتجاور فيه الغربةُ مع الكشف، والضياعُ مع التجلّي، والقلقُ مع اليقين. إنّ النصيص (ترتيلة يقين) لا يُقدِّم نفسه بوصفه دالًّا بريئًا، بل ينهض منذ البدء بوظيفةٍ إشكاليّة: كيف يمكن للترتيل، وهو فعلٌ طقوسيّ متكرّر، أن يُفضي إلى يقينٍ في عالمٍ مُثقلٍ بالتشظّي؟ هنا تتأسّس المفارقة الكبرى التي سيُعاد إنتاجها داخل النسيج النصّي بأشكالٍ متعدّدة.

النصّ، في جوهره، ليس خطابًا موجّهًا إلى آخر محدّد، بل هو خطابٌ يتّخذ من /الأيُّها الطاعن بالغربة والحزن/ قناعًا رمزيًّا لذاتٍ مأزومة، تتشظّى بين حالاتٍ متعدّدة، وتبحث عن خلاصٍ يتجاوز الجسد إلى الروح.

بنية النداء وتفكيك الهويّة المُخاطَبة:

يفتتح النصّ بنداءٍ كثيف:

(أيُّها الطّاعنُ بالغربةِ والحزنِ / جليسَ اللا أحد)

لا يُحيل هذا النداء إلى مخاطَبٍ خارجيّ بقدر ما يكشف عن انقسام الذات إلى ذاتٍ نادِيَةٍ وأخرى مُناداة. إنّ (جليس اللا أحد) تركيبٌ سيميائيّ يُفجّر مفهوم العزلة، إذ لا يكتفي بنفي الصحبة، بل يؤسّس لفراغٍ وجوديّ، إذ يتحوّل /اللا أحد/ إلى كيانٍ رمزيّ يسكن الذات.

ثمّ يتعمّق هذا التفكيك عبر سلاسل من التوصيفات:

(يا نديمَ القلق الوحشيّ … / ناطورَ الأماني … / ونزيلَ اللا بلد)

إنّ تعدّد الألقاب هنا ليس زخرفًا بلاغيًّا، بل هو تفكيكٌ متدرّجٌ للهوية. فـ/نديم القلق/ يُحيل إلى تواطؤ الذات مع اضطرابها، و/ناطُور الأماني/ يُضفي عليها وظيفة الحراسة لوهمٍ مستحيل، بينما /نزيل اللا بلد/ ينقلها من جغرافيا المكان إلى لا-مكانٍ وجوديّ، إذ تتلاشى الحدود بين الحضور والعدم.

الزمكانيّة المتصدّعة: من مذبحة الأمس إلى بستان الغد:

يُشيّد النصّ زمكانيته عبر مفارقةٍ حادّة:

(يومك الممتدّ من مذبحة الأمس / إلى بستان غد)

إنّ هذا الامتداد لا يُفهم بوصفه خطًّا زمنيًّا متّصلًا، بل كقوسٍ توتّريّ بين قطبين: /المذبحة/ و/البستان/ . الأوّل يُحيل إلى العنف والتشظّي، والثاني إلى الخصب والرجاء. غير أنّ الجمع بينهما داخل (يومٍ واحد)يُفكّك مفهوم الزمن، ليغدو تجربةً نفسيّة لا تعاقبًا كرونولوجيًّا.

هنا يتبدّى النصّ بوصفه فضاءً انتقالياً إذ تعيش الذات في منطقةٍ بينيّة، لا تنتمي إلى الماضي ولا تستقرّ في المستقبل، بل تظلّ معلّقةً في لحظةٍ متشظّية.

انكسار المقدّس وتحوّل الرمز:

يُقحم النصّ عناصر ذات حمولة رمزيّة عالية:

(نخلة اللهِ / وناموسَ المرايا)

إنّ /نخلة الله/ تستدعي رمز الخصوبة والبركة، بينما /ناموس المرايا/ يُحيل إلى قانون الانعكاس والوعي بالذات. غير أنّ الشاعر يُفرغ هذه الرموز من طمأنينتها حين يقرنها بصورة:

(خيمةٌ دون وتد)

فالخيمة، وهي رمز الاستقرار البدويّ، تتحوّل إلى كيانٍ هشّ بلا دعامة، في إشارةٍ إلى انهيار اليقينيات الكبرى. إنّ المقدّس هنا لا يُلغى، بل يُعاد تشكيله داخل سياقٍ هشّ، إذ يفقد صلابته ويغدو عرضةً للانهيار.

جدليّة المدّ والجزر: الاقتصاد الدلاليّ للألم:

في واحدة من أكثر الصور كثافةً، يقول النصّ:

(ضياعٌ في متاهات بحارٍ / يُسرها جزرٌ / وأمّا العسر والخسر فمدّ)

تقوم هذه البنية على قلب التوقّع: فالمعتاد أن يكون المدّ رمزًا للفيض، لكنّه -هنا – يُقرن بالعسر والخسر، بينما يُسند اليسر إلى الجزر، أي الانحسار. إنّها إعادة توزيع للقيم داخل الحقل الدلاليّ، فلا تعود الأشياء تحتفظ بمعانيها المألوفة.

هذا الانقلاب يُعبّر عن وعيٍ مأزوم، يرى العالم بوصفه مقلوبًا، فتتحوّل قوانينه إلى مفارقات.

العتمة الكونيّة: انطفاء الشمس ومرض النجوم:

يتصاعد التوتر عبر صور كونيّة:

(مطفأ الشمسِ … / وجفن النجم يشكو من رمد)

إنّنا أمام كونٍ مُعتلّ، إذ لا يعود الضوء مصدرًا للحياة، بل يغدو غائبًا أو مريضًا. (رمد النجم) صورة بالغة الكثافة، إذ تُسقط مرضًا بشريًّا على جرمٍ سماويّ، في تماهٍ بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم.

إنّ هذه الكونيّة المريضة تُحيل إلى رؤية وجوديّة ترى العالم انعكاسًا لخللٍ داخليّ في الذات.

خطاب العزاء والتحوّل: من الجسد إلى الروح:

في المقطع الختاميّ، يتحوّل الخطاب من توصيف الأزمة إلى اقتراح مخرج:

(فاتّخذ من سعفها بيتًا وظلًّا / ومدد)

إنّ /السعف/ يستعيد رمز النخلة، لكنّه يُعاد توظيفه بوصفه مادّةً لبناء بيتٍ رمزيّ، أي ملاذٍ بديل. غير أنّ الذروة تتجلّى في هذا التحوّل الجذريّ:

(كفى أنّك بتّ اليوم روحًا / وتراتيل يقين / بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسد)