في سياق النقد التشكيلي العربي

صورة الكاتب
بقلم: أمیر الخطیب
التاريخ: 17 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2440
في سياق النقد التشكيلي العربي

في سياق النقد التشكيلي العربي

المشهد التشكيلي العربي كثيرًا ما يُطرح سؤال العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر وبين المحلي والعالمي في ظل شعور متزايد بأن هذا المشهد ما يزال يتأرجح بين استعادة الذاكرة ومحاولة اللحاق بتحولات الفن المعاصر، هذا التردد لا يظهر فقط داخل الأقطار العربية بل يتضاعف عندما ننظر إلى حركة الفنانين العرب في الداخل والخارج وإلى الأثر المتبادل بين التجارب المحلية وتجارب الشتات في أوروبا والغرب عمومًا.

داخل العالم العربي ما يزال جزء معتبر من الإنتاج التشكيلي يستند إلى مرجعيات بصرية تقليدية المناظر الطبيعية البورتريهات وبعض الصياغات الزخرفية أو الرمزية التي تُستعاد بوصفها علامات على الهوية أو الانتماء، غير أن هذه العودة إلى المألوف رغم قيمتها الجمالية في بعض الحالات كثيرًا ما تتحول إلى إعادة إنتاج لمدارس فنية استقرت و استهلكت عالميًا منذ منتصف القرن العشرين دون الدخول في مغامرة تفكيكها أو إعادة تركيبها ضمن سياق معاصر، وهنا يظهر النقد الذي يرى أن الفن التشكيلي العربي لم ينجح بعد في تحويل “التراث” إلى مادة حيّة قابلة لإنتاج أشكال جديدة بل بقي أحيانًا أسير تمثيلات جاهزة عن الأصالة.

و هنا يبرز خطاب آخر يرى أن الأزمة ليست في غياب الموهبة أو التجريب بل في بنية ثقافية أوسع ما تزال مثقلة بأسئلة الستينات الهوية الأصالة التراث والحداثة، هذه الأسئلة التي كانت يومًا ما محركًا حقيقيًا للتجديد أصبحت في كثير من السياقات إطارا نظريا متكررا يعاد إنتاجه دون مساءلة عميقة للتحولات الجمالية والتقنية التي عرفها الفن عالميًا خصوصًا مع صعود الاتجاهات المفاهيمية وفنون الأداء والفن الرقمي وتداخل الفن مع التكنولوجيا والفضاءات الافتراضية.

لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند ظاهرة بالغة الأهمية وهي تجربة الفنانين العرب الذين يعيشون ويعملون في أوروبا وأمريكا الشمالية، هؤلاء الفنانون وجدوا أنفسهم في سياقات فنية أكثر انفتاحًا من حيث المؤسسات والمعارض، وحرية التجريب وكذلك من حيث قبول الأشكال الفنية غير التقليدية، في هذه البيئات لم يعد الفنان مضطرًا لتبرير خروجه عن اللوحة الكلاسيكية او ما تسمى باللوحة المسنديه أو عن الموضوعات المألوفة بل أصبح بإمكانه الاشتغال على المفهوم كالجسد و الفضاء و الأرشيف و كذلك الذاكرة بشكل أكثر تحررًا.

هذه الحرية أنتجت تحولات واضحة في خطاب عدد من الفنانين العرب في المهجر حيث بدأت أعمالهم تتجه نحو تفكيك الهوية بدل تثبيتها وإعادة مساءلة مفهوم الانتماء بدل الاحتفاء به بشكل مباشر، فالفنان الذي يعيش بين ثقافتين غالبًا ما يشتغل على منطقة التوتر بينهما ليس بوصفها أزمة بل بوصفها مادة فنية خصبة، من هنا نجد أن كثيرًا من هذه التجارب لم تعد مهتمة بتقديم صورة عن العالم العربي بقدر ما أصبحت تشتغل على أسئلة أكثر تعقيدًا مثل الذاكرة المهاجرة الجسد الهجين ثقافيا أو اللغة البصرية التي لا تنتمي بالكامل إلى مكان واحد.

غير أن هذه الحيوية في سياقها الغربي تطرح إشكالًا آخر إلى أي مدى تبقى هذه التجارب متصلة بالمشهد العربي نفسه فجزء من الإشكال أن هذه الأعمال رغم تأثيرها ونجاحها في بعض المؤسسات العالمية تبقى في كثير من الأحيان خارج التداول المباشر داخل العالم العربي سواء بسبب ضعف البنية المؤسساتية للعرض والنقد أو بسبب اختلاف المرجعيات الجمالية والنقدية بين الطرفين، وهكذا ينشأ نوع من الانفصال فن عربي مُنتَج في الغرب يحقق حضورًا دوليًا مقابل فن محلي ما يزال يصارع أسئلته الداخلية.

هذا الانفصال لا يعني القطيعة التامة لكنه يكشف عن ازدواجية في مسار التشكيل العربي المعاصر مسار داخلي ما يزال مشغولًا بالتراث والهوية والتمثيل المباشر، ومسار خارجي يتجه نحو التفكيك والتجريب والانفتاح المفاهيمي، وبين المسارين تتشكل فجوة نقدية وثقافية تجعل من الصعب الحديث عن مشهد تشكيلي عربي واحد بقدر ما يمكن الحديث عن مشاهد متعددة تتقاطع أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى.

و يمكن النظر إلى هذا التعدد ليس بوصفه أزمة فقط بل بوصفه علامة على تحوّل بنيوي أعمق، فالتشكيل العربي اليوم لم يعد محصورًا داخل جغرافيا واحدة أو خطاب واحد بل أصبح موزعًا بين فضاءات مختلفة وكل فضاء يفرض شروطه وأسئلته، المشكلة ليست في هذا التعدد ذاته بل في غياب الجسور النقدية والمؤسساتية التي تسمح بتبادل حقيقي بين هذه التجارب بحيث لا تبقى منفصلة بل تتحول إلى حوار بصري وثقافي متصل.

اذن لماذا تأخر التشكيل العربي عن اللحاق بالعالم؟ و كذلك يمكن إعادة تعريف هذا العالم نفسه داخل التجربة الفنية العربية بحيث لا يبقى هناك مركز واحد للحداثة ولا هامش مضطر دائمًا للمقارنة بل فضاء متعدد الأصوات تتجاور فيه التجربة المحلية مع التجربة العابرة للحدود دون أن تلغي إحداهما الأخرى.

عن الکاتب / الکاتبة

أمیر الخطیب
أمیر الخطیب
فنان . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


في سياق النقد التشكيلي العربي

بقلم: أمیر الخطیب | التاريخ: 17 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

في سياق النقد التشكيلي العربي

المشهد التشكيلي العربي كثيرًا ما يُطرح سؤال العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر وبين المحلي والعالمي في ظل شعور متزايد بأن هذا المشهد ما يزال يتأرجح بين استعادة الذاكرة ومحاولة اللحاق بتحولات الفن المعاصر، هذا التردد لا يظهر فقط داخل الأقطار العربية بل يتضاعف عندما ننظر إلى حركة الفنانين العرب في الداخل والخارج وإلى الأثر المتبادل بين التجارب المحلية وتجارب الشتات في أوروبا والغرب عمومًا.

داخل العالم العربي ما يزال جزء معتبر من الإنتاج التشكيلي يستند إلى مرجعيات بصرية تقليدية المناظر الطبيعية البورتريهات وبعض الصياغات الزخرفية أو الرمزية التي تُستعاد بوصفها علامات على الهوية أو الانتماء، غير أن هذه العودة إلى المألوف رغم قيمتها الجمالية في بعض الحالات كثيرًا ما تتحول إلى إعادة إنتاج لمدارس فنية استقرت و استهلكت عالميًا منذ منتصف القرن العشرين دون الدخول في مغامرة تفكيكها أو إعادة تركيبها ضمن سياق معاصر، وهنا يظهر النقد الذي يرى أن الفن التشكيلي العربي لم ينجح بعد في تحويل “التراث” إلى مادة حيّة قابلة لإنتاج أشكال جديدة بل بقي أحيانًا أسير تمثيلات جاهزة عن الأصالة.

و هنا يبرز خطاب آخر يرى أن الأزمة ليست في غياب الموهبة أو التجريب بل في بنية ثقافية أوسع ما تزال مثقلة بأسئلة الستينات الهوية الأصالة التراث والحداثة، هذه الأسئلة التي كانت يومًا ما محركًا حقيقيًا للتجديد أصبحت في كثير من السياقات إطارا نظريا متكررا يعاد إنتاجه دون مساءلة عميقة للتحولات الجمالية والتقنية التي عرفها الفن عالميًا خصوصًا مع صعود الاتجاهات المفاهيمية وفنون الأداء والفن الرقمي وتداخل الفن مع التكنولوجيا والفضاءات الافتراضية.

لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند ظاهرة بالغة الأهمية وهي تجربة الفنانين العرب الذين يعيشون ويعملون في أوروبا وأمريكا الشمالية، هؤلاء الفنانون وجدوا أنفسهم في سياقات فنية أكثر انفتاحًا من حيث المؤسسات والمعارض، وحرية التجريب وكذلك من حيث قبول الأشكال الفنية غير التقليدية، في هذه البيئات لم يعد الفنان مضطرًا لتبرير خروجه عن اللوحة الكلاسيكية او ما تسمى باللوحة المسنديه أو عن الموضوعات المألوفة بل أصبح بإمكانه الاشتغال على المفهوم كالجسد و الفضاء و الأرشيف و كذلك الذاكرة بشكل أكثر تحررًا.

هذه الحرية أنتجت تحولات واضحة في خطاب عدد من الفنانين العرب في المهجر حيث بدأت أعمالهم تتجه نحو تفكيك الهوية بدل تثبيتها وإعادة مساءلة مفهوم الانتماء بدل الاحتفاء به بشكل مباشر، فالفنان الذي يعيش بين ثقافتين غالبًا ما يشتغل على منطقة التوتر بينهما ليس بوصفها أزمة بل بوصفها مادة فنية خصبة، من هنا نجد أن كثيرًا من هذه التجارب لم تعد مهتمة بتقديم صورة عن العالم العربي بقدر ما أصبحت تشتغل على أسئلة أكثر تعقيدًا مثل الذاكرة المهاجرة الجسد الهجين ثقافيا أو اللغة البصرية التي لا تنتمي بالكامل إلى مكان واحد.

غير أن هذه الحيوية في سياقها الغربي تطرح إشكالًا آخر إلى أي مدى تبقى هذه التجارب متصلة بالمشهد العربي نفسه فجزء من الإشكال أن هذه الأعمال رغم تأثيرها ونجاحها في بعض المؤسسات العالمية تبقى في كثير من الأحيان خارج التداول المباشر داخل العالم العربي سواء بسبب ضعف البنية المؤسساتية للعرض والنقد أو بسبب اختلاف المرجعيات الجمالية والنقدية بين الطرفين، وهكذا ينشأ نوع من الانفصال فن عربي مُنتَج في الغرب يحقق حضورًا دوليًا مقابل فن محلي ما يزال يصارع أسئلته الداخلية.

هذا الانفصال لا يعني القطيعة التامة لكنه يكشف عن ازدواجية في مسار التشكيل العربي المعاصر مسار داخلي ما يزال مشغولًا بالتراث والهوية والتمثيل المباشر، ومسار خارجي يتجه نحو التفكيك والتجريب والانفتاح المفاهيمي، وبين المسارين تتشكل فجوة نقدية وثقافية تجعل من الصعب الحديث عن مشهد تشكيلي عربي واحد بقدر ما يمكن الحديث عن مشاهد متعددة تتقاطع أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى.

و يمكن النظر إلى هذا التعدد ليس بوصفه أزمة فقط بل بوصفه علامة على تحوّل بنيوي أعمق، فالتشكيل العربي اليوم لم يعد محصورًا داخل جغرافيا واحدة أو خطاب واحد بل أصبح موزعًا بين فضاءات مختلفة وكل فضاء يفرض شروطه وأسئلته، المشكلة ليست في هذا التعدد ذاته بل في غياب الجسور النقدية والمؤسساتية التي تسمح بتبادل حقيقي بين هذه التجارب بحيث لا تبقى منفصلة بل تتحول إلى حوار بصري وثقافي متصل.

اذن لماذا تأخر التشكيل العربي عن اللحاق بالعالم؟ و كذلك يمكن إعادة تعريف هذا العالم نفسه داخل التجربة الفنية العربية بحيث لا يبقى هناك مركز واحد للحداثة ولا هامش مضطر دائمًا للمقارنة بل فضاء متعدد الأصوات تتجاور فيه التجربة المحلية مع التجربة العابرة للحدود دون أن تلغي إحداهما الأخرى.