لم يكن الفن يوماً ترفيهاً عابراً أو شيءً فائضاً عن الحاجة، الفن أو الفنون الجميلة مجتمعةً هي لغة الروح الأولى التي تعبر الحدود وتخاطب الوجدان البشري المشترك. حين نتأمل في جوهر الموسيقى والفنون الجميلة، ندرك أنها البوابة الأوسع لاكتشاف الذات واستخراج أجمل ما فيها من مواهب وإمكانيات. إن متعة الفنون الجميلة الحقيقية تكمن في قدرتها الساحرة على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، ليحيا ككائن مسالم، محب للخير، ومتناغم مع محيطه ومع الآخرين.
الموسيقى، بذبذباتها وتآلف إيقاعاتها، تغسل القلوب من درن الكراهية، وتزرع فيها بذور التعاطف والرحمة. من يتذوق الجمال ويتشرب الألحان لا يمكن أن يكون أداة للخراب أو صانعاً للموت. ولعل المتمعن في صفحات التاريخ وفي واقعنا يدرك حقيقة جلية ومؤلمة في آن واحد: إن من يحارب الفن والموسيقى ويقف في وجه الجمال، غالباً ما يعاني من تشوهات نفسية وعتمة داخلية تمنعه من رؤية النور. فالأرواح المريضة وحدها هي التي تخشى الصفاء الذي تمنحه الفنون. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: هل وجدت يوماً قاتلاً يحب الموسيقى بصدق؟ فهل وجدت مجرماً تحركه الألحان العذبة لفعل الخير؟ إن الجريمة والقسوة لا يجتمعان أبداً في قلب عامر بالجمال والإحساس. من يحارب الفنون إنما يحارب فطرته السليمة، لأن الفن يهذب الغرائز ويسمو بالروح عن سفاسف الأمور ونوازع الشر. وإذا ما ابتعدنا قليلاً عن الجانب الإنساني البحت، ونظرنا إلى الموروث الروحي والعقائدي، سنجد أن الفن والموسيقى كانا وما زالا الجناحين اللذين حلق بهما الدين عبر العصور ليصل إلى القلوب قبل العقول. لولا الفن لما وصل الدين إلينا بهذه المهابة والجمال؛ فالخط العربي الذي كُتبت به النصوص المقدسة هو فن خالص، والعمارة التي تجسدت في دور العبادة وتفاصيلها الزخرفية هي فن، والقصص والمواعظ صيغت بقوالب أدبية هي في صميمها فن. أكثر من ذلك، لولا الموسيقى لما تخلدت رموز الدين ومآثره في الوجدان الشعبي على مر الزمن. إن تلاوة النصوص المقدسة وتجويدها، والإنشاد الديني، وتراتيل المعابد، كلها تعتمد بشكل أساسي على الإيقاع الصوتي. المقامات التي نؤدي بها الأذان، والمراثي، والمدائح، هي هندسة موسيقية فائقة الدقة، جعلت المعاني الروحية تستقر في القلوب وتتوارثها الأجيال بشغف وخشوع.إن دائرة الفن تتسع لتشمل كل تفاصيل حياتنا، لتؤكد أننا نعيش داخل لوحة كبيرة تتعدد خطوطها وألوانها. الكتابة، بكلماتها التي تنسج عوالم من الخيال والواقع وتوثق نبض الإنسان، هي فن عظيم. تصميم الأزياء الذي يمنح أجسادنا هوية وجمالاً ويعكس ثقافتنا هو فن. الغناء والألحان التي ترافق أفراحنا وتواسي أحزاننا هي فنون تنطق بما تعجز عنه الحروف العادية. المقامات الموسيقية التي تتدرج بنا من الشجن إلى الفرح هي لغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم. وحتى التصوير، الذي يقتنص اللحظة الهاربة ليخلدها للأبد، والتمثيل الذي يعيد تجسيد التجربة الإنسانية على خشبة المسرح ليطهر أرواحنا، كلها فنون تتضافر لتجعلنا بشراً أعمق فهماً لحياتنا وأكثر تسامحاً. إن الحياة دون فن هي صحراء قاحلة لا نبت فيها ولا ماء. من يكتشف موهبته، سواء في كتابة نص، أو عزف لحن، أو الوقوف على خشبة مسرح، فإنه يعلن انحيازه المطلق لمعسكر الحياة والسلام. الفن هو الترياق الوحيد ضد القبح، والموسيقى هي الرسالة الصامتة التي تخبرنا كل يوم أن الإنسان خُلق ليكون صانعاً للجمال ومحباً لأخيه الإنسان.
دیار الخفاجي
التعليقات