إيران
عبدالحسين بريسم
1
يزدحمُ الشهداءُ والملائكةُ
على عتباتِ تاريخكِ الأزليّ،
كأن الزمنَ كلَّهُ
توقّفَ هنا
ليصغي إلى وقعِ خطاكِ
وهي تعبرُ من فجرِ الخليقة
حتى آخرِ الحكاية.
ويشعُّ نوركِ
منذ أن تعلّمتِ النارُ
كيف تكونُ دفئًا
لا احتراقًا،
ومنذ أن صار الترابُ
كتابًا يُقرأُ
بأصابعِ العارفين.
لم تغبْ
حتى حين تكاثرتْ عليكِ
ليالي العتمة،
كنتِ تضيئينَ من داخلكِ،
كأن في قلبكِ
سرًّا من نورٍ
لا ينطفئ.
كأنكِ عليٌّ
واقفٌ على تخومِ المعنى،
لا يتركُ للحقِّ
سوى سيفهِ
وصوتَهُ
وطريقهِ الممتدّ
بين السماء والأرض.
وكأنكِ، مثله،
تعرفينَ أن الأبوابَ
لا تُفتحُ دائمًا بالمفاتيح،
بل تُقتلعُ
حين يكونُ العدلُ
أسيرًا خلفها.
فكنتِ تقلعينَ أبوابَ
الشركِ والعدوانِ والوثن،
وتعيدينَ للريحِ
اتجاهها الأول،
وللكلمةِ
طهارتها الأولى.
2
يقولُ الرسولُ
في زمنٍ يضيقُ بالصوتِ الصادق:
إنكم حملةُ الرسالةِ واليقين،
وأنّ الطريقَ
وإن طالَ
فإنهُ لا يضيعُ
ما دام فيكم
من يعرفُ كيف يسير.
يا رايةَ آخرِ الزمان،
يا سوادًا
لا يشبهُ العتمة،
بل يشبهُ الليلَ
حين يحتضنُ النجوم.
سوداءُ
لكنها تُجلّي السواد،
وتكشفُ ما اختبأ
في مرايا الخوف،
وتعيدُ تعريفَ الضوء
في عيونِ المنهكين.
تسيرينَ
وفي خطاكِ
صدى الذين مضوا،
وفي راياتكِ
أسماءٌ لم تمت،
وفي دمكِ
حكاياتُ أرضٍ
رفضتْ أن تُكتبَ
بمدادِ الغزاة.
تواجهينَ
بني صهيون،
لا كجغرافيا
بل كفكرةٍ
تُراكمُ الظلَّ
وتخافُ من شمسِ الحقيقة.
وتقولينَ:
إن الأرضَ
لا تتسعُ للزيفِ طويلًا،
وإن التاريخَ
وإن انحنى
فإنهُ لا ينكسر.
3
يا إيران،
يا لغةً تمشي على نارِ التجربة
ولا تحترق،
يا جسدًا من صبرٍ
وروحًا من يقين،
كم مرّت عليكِ
جيوشٌ
تظنُّ أن الحديدَ
أبقى من الإنسان،
فانكسرتْ
وبقيتِ.
وكم حاولوا
أن يعيدوا رسمكِ
بمقاييسهم الضيقة،
فكنتِ أوسعَ
من خرائطهم،
وأعمقَ
من حساباتهم.
فيكِ شيءٌ
يشبهُ النبوءة،
وشيءٌ
يشبهُ الحكاياتِ الأولى
حين كان الإنسانُ
يتعلّمُ كيف يكونُ
إنسانًا.
4
وها أنتِ
تمضينَ
بين حدَّين:
حدِّ الألم
وحدِّ الرجاء،
تحملينَ
رسالةً ثقيلة،
لكنكِ تعرفينَ
أن من اعتادَ السيرَ
في طرقِ السماء
لا يخافُ
وعورةَ الأرض.
وفي آخرِ الطريق،
حين تختلطُ الأصوات،
وتضيعُ المعاني،
تبقينَ
أنتِ
ذلك السؤالُ الكبير:
كيف يمكنُ للنور
أن يخرجَ
من قلبِ كلِّ هذا الظلام؟
يحيى السماوي
سامي الجابري
حمید الساعدي
التعليقات