القدرة على تقبّل الآخرين في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد نموذج المجتمع العراقي بعد العام 2003

صورة الكاتب
بقلم: سجاد الیاسري
التاريخ: 29 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2143
القدرة على تقبّل الآخرين في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد نموذج المجتمع العراقي بعد العام 2003

القدرة على تقبّل الآخرين في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد نموذج المجتمع العراقي بعد العام 2003
يُعدّ تقبّل الآخر من أبرز الاختبارات التي تواجه المجتمعات في مراحل التحول السياسي والاجتماعي، فالمجتمع لا يُقاس فقط بقدرته على الحفاظ على عاداته وتقاليده، بل أيضاً بقدرته على التعامل مع الاختلاف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة الإنسانية. وفي الحالة العراقية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد عام 2003، حين دخل المجتمع مرحلة واسعة من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأصبح الاختلاف أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية. اختلاف في الرأي، والانتماء، وطريقة التفكير، ونمط الحياة، وحتى في المواقف من القضايا العامة.

العادات والتقاليد بين الهوية والانغلاق

لا يمكن النظر إلى العادات والتقاليد العراقية بوصفها عائقاً أمام التطور بشكل مطلق؛ فهي تمثل جزءاً مهماً من الهوية الاجتماعية، وتحمل قيماً إيجابية مثل التكافل، وإكرام الضيف، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والوقوف إلى جانب الأسرة والمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض العادات من إطار اجتماعي اختياري إلى معيار للحكم على الآخرين، فيصبح المختلف عن السائد موضع انتقاد أو إقصاء، لمجرد أنه اختار أسلوباً مختلفاً في التفكير أو التعبير أو الحياة. وهنا يظهر السؤال الأهم: هل نحافظ على العادات والتقاليد لأنها تعبّر عن قيمنا، أم نستخدمها أحياناً لمنع الآخرين من أن يكونوا مختلفين؟

العراق بعد 2003.. مجتمع أمام تحولات متسارعة

بعد عام 2003، شهد العراق تغيرات عميقة في المجالين السياسي والاجتماعي، ورافق ذلك اتساع مساحة التعبير وظهور وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي جديدة، فضلاً عن انفتاح أكبر على تجارب وثقافات مختلفة. هذا الانفتاح لم يكن باتجاه واحد؛ فقد ساهم في زيادة التواصل بين العراقيين أنفسهم وبين المجتمعات الأخرى، لكنه في الوقت نفسه أظهر حجم الاختلافات الموجودة داخل المجتمع. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن قادراً على التعبير عن رأيه والوصول إلى جمهور واسع، إلا أن هذا التطور كشف أيضاً عن مشكلة أخرى، تتمثل في صعوبة إدارة الاختلاف. ففي بعض الأحيان يتحول النقاش من تبادل الأفكار إلى تجريح شخصي، ومن الاختلاف في الرأي إلى محاولة إلغاء الطرف الآخر.

هل الاختلاف تهديد للمجتمع؟

الاختلاف بحد ذاته ليس تهديداً للمجتمع، بل إن المجتمعات الطبيعية تقوم على تعدد وجهات النظر. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يعتقد طرف ما أن امتلاكه للحقيقة يمنحه الحق في إلغاء الآخرين. وفي المجتمع العراقي، تتداخل عوامل متعددة في تشكيل المواقف من الآخر، منها الأسرة، والبيئة الاجتماعية، والتعليم، والانتماءات المختلفة، فضلاً عن التجارب التي مر بها البلد خلال العقود الماضية. لذلك فإن بناء ثقافة تقبّل الآخر لا يعني التخلي عن الهوية أو القيم، وإنما يعني القدرة على الفصل بين احترام القيم الشخصية وفرضها على الآخرين.

الأسرة والتعليم.. البداية الحقيقية

إن تعزيز ثقافة التقبّل يبدأ من الأسرة والمدرسة قبل أن يصل إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن الاختلاف أمر طبيعي، وأن الإنسان يمكن أن يختلف مع صديقه أو زميله دون أن يتحول ذلك إلى خصومة، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع التنوع عندما يكبر. كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتشجيع الحوار والنقاش واحترام الرأي الآخر، بدلاً من تكريس ثقافة الإجابة الواحدة والحقيقة الواحدة في القضايا التي تحتمل تعدد وجهات النظر.

تقبّل الآخر لا يعني الاتفاق معه

من الأخطاء الشائعة الخلط بين التقبّل والموافقة. أن أتقبل شخصاً مختلفاً عني لا يعني بالضرورة أن أوافق على أفكاره، وإنما يعني أن أعترف بحقه في أن يكون له رأي مختلف، ما دام يمارس هذا الحق ضمن القانون ويحترم حقوق الآخرين. وهذا المبدأ يمكن أن يكون أساساً لعلاقة أكثر توازناً داخل المجتمع العراقي: أختلف معك، لكنني لا أكرهك بسبب اختلافك، ولا أحاول إقصاءك لمجرد أنك لا تشبهني.

نحو مجتمع يتسع للجميع

إن العراق يمتلك تاريخاً طويلاً من التنوع الاجتماعي والثقافي، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير على أساس الاحترام والحوار. ولا يعني الحفاظ على العادات والتقاليد تجميد المجتمع عند مرحلة معينة، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الهوية. التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين الاثنين: الحفاظ على القيم الإيجابية التي تشكل الذاكرة الاجتماعية، والانفتاح على الاختلاف والتطور.وفي النهاية، فإن قدرة المجتمع العراقي على تقبّل الآخر لن تُقاس بعدد الشعارات التي ترفع حول التسامح، وإنما بالطريقة التي نتعامل بها مع المختلف عنا في الحياة اليومية. فالمجتمع القوي ليس هو الذي يجعل أفراده متشابهين، بل هو الذي يستطيع أن يجمع المختلفين تحت مظلة واحدة، ويمنح كل إنسان مساحة ليكون نفسه، من دون أن يتحول الاختلاف إلى سبب للكراهية أو الإقصاء.إن تقبّل الآخر ليس تنازلاً عن الهوية، بل هو دليل على نضجها؛ وليس ضعفاً أمام الاختلاف، بل قدرة على تحويل التنوع إلى مساحة للحوار وبناء مجتمع أكثر تماسكاً.

عن الکاتب / الکاتبة

سجاد الیاسري
سجاد الیاسري
صحفي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


القدرة على تقبّل الآخرين في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد نموذج المجتمع العراقي بعد العام 2003

بقلم: سجاد الیاسري | التاريخ: 29 سبتمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

القدرة على تقبّل الآخرين في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد نموذج المجتمع العراقي بعد العام 2003
يُعدّ تقبّل الآخر من أبرز الاختبارات التي تواجه المجتمعات في مراحل التحول السياسي والاجتماعي، فالمجتمع لا يُقاس فقط بقدرته على الحفاظ على عاداته وتقاليده، بل أيضاً بقدرته على التعامل مع الاختلاف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة الإنسانية. وفي الحالة العراقية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد عام 2003، حين دخل المجتمع مرحلة واسعة من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأصبح الاختلاف أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية. اختلاف في الرأي، والانتماء، وطريقة التفكير، ونمط الحياة، وحتى في المواقف من القضايا العامة.

العادات والتقاليد بين الهوية والانغلاق

لا يمكن النظر إلى العادات والتقاليد العراقية بوصفها عائقاً أمام التطور بشكل مطلق؛ فهي تمثل جزءاً مهماً من الهوية الاجتماعية، وتحمل قيماً إيجابية مثل التكافل، وإكرام الضيف، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والوقوف إلى جانب الأسرة والمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض العادات من إطار اجتماعي اختياري إلى معيار للحكم على الآخرين، فيصبح المختلف عن السائد موضع انتقاد أو إقصاء، لمجرد أنه اختار أسلوباً مختلفاً في التفكير أو التعبير أو الحياة. وهنا يظهر السؤال الأهم: هل نحافظ على العادات والتقاليد لأنها تعبّر عن قيمنا، أم نستخدمها أحياناً لمنع الآخرين من أن يكونوا مختلفين؟

العراق بعد 2003.. مجتمع أمام تحولات متسارعة

بعد عام 2003، شهد العراق تغيرات عميقة في المجالين السياسي والاجتماعي، ورافق ذلك اتساع مساحة التعبير وظهور وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي جديدة، فضلاً عن انفتاح أكبر على تجارب وثقافات مختلفة. هذا الانفتاح لم يكن باتجاه واحد؛ فقد ساهم في زيادة التواصل بين العراقيين أنفسهم وبين المجتمعات الأخرى، لكنه في الوقت نفسه أظهر حجم الاختلافات الموجودة داخل المجتمع. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن قادراً على التعبير عن رأيه والوصول إلى جمهور واسع، إلا أن هذا التطور كشف أيضاً عن مشكلة أخرى، تتمثل في صعوبة إدارة الاختلاف. ففي بعض الأحيان يتحول النقاش من تبادل الأفكار إلى تجريح شخصي، ومن الاختلاف في الرأي إلى محاولة إلغاء الطرف الآخر.

هل الاختلاف تهديد للمجتمع؟

الاختلاف بحد ذاته ليس تهديداً للمجتمع، بل إن المجتمعات الطبيعية تقوم على تعدد وجهات النظر. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يعتقد طرف ما أن امتلاكه للحقيقة يمنحه الحق في إلغاء الآخرين. وفي المجتمع العراقي، تتداخل عوامل متعددة في تشكيل المواقف من الآخر، منها الأسرة، والبيئة الاجتماعية، والتعليم، والانتماءات المختلفة، فضلاً عن التجارب التي مر بها البلد خلال العقود الماضية. لذلك فإن بناء ثقافة تقبّل الآخر لا يعني التخلي عن الهوية أو القيم، وإنما يعني القدرة على الفصل بين احترام القيم الشخصية وفرضها على الآخرين.

الأسرة والتعليم.. البداية الحقيقية

إن تعزيز ثقافة التقبّل يبدأ من الأسرة والمدرسة قبل أن يصل إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن الاختلاف أمر طبيعي، وأن الإنسان يمكن أن يختلف مع صديقه أو زميله دون أن يتحول ذلك إلى خصومة، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع التنوع عندما يكبر. كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتشجيع الحوار والنقاش واحترام الرأي الآخر، بدلاً من تكريس ثقافة الإجابة الواحدة والحقيقة الواحدة في القضايا التي تحتمل تعدد وجهات النظر.

تقبّل الآخر لا يعني الاتفاق معه

من الأخطاء الشائعة الخلط بين التقبّل والموافقة. أن أتقبل شخصاً مختلفاً عني لا يعني بالضرورة أن أوافق على أفكاره، وإنما يعني أن أعترف بحقه في أن يكون له رأي مختلف، ما دام يمارس هذا الحق ضمن القانون ويحترم حقوق الآخرين. وهذا المبدأ يمكن أن يكون أساساً لعلاقة أكثر توازناً داخل المجتمع العراقي: أختلف معك، لكنني لا أكرهك بسبب اختلافك، ولا أحاول إقصاءك لمجرد أنك لا تشبهني.

نحو مجتمع يتسع للجميع

إن العراق يمتلك تاريخاً طويلاً من التنوع الاجتماعي والثقافي، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير على أساس الاحترام والحوار. ولا يعني الحفاظ على العادات والتقاليد تجميد المجتمع عند مرحلة معينة، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الهوية. التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين الاثنين: الحفاظ على القيم الإيجابية التي تشكل الذاكرة الاجتماعية، والانفتاح على الاختلاف والتطور.وفي النهاية، فإن قدرة المجتمع العراقي على تقبّل الآخر لن تُقاس بعدد الشعارات التي ترفع حول التسامح، وإنما بالطريقة التي نتعامل بها مع المختلف عنا في الحياة اليومية. فالمجتمع القوي ليس هو الذي يجعل أفراده متشابهين، بل هو الذي يستطيع أن يجمع المختلفين تحت مظلة واحدة، ويمنح كل إنسان مساحة ليكون نفسه، من دون أن يتحول الاختلاف إلى سبب للكراهية أو الإقصاء.إن تقبّل الآخر ليس تنازلاً عن الهوية، بل هو دليل على نضجها؛ وليس ضعفاً أمام الاختلاف، بل قدرة على تحويل التنوع إلى مساحة للحوار وبناء مجتمع أكثر تماسكاً.