ماذا لو لم يكن الاستعمار قد انتهى تمامًا برحيل الجيوش وإعلان الاستقلال؟
وماذا لو بقي جزء منه حيًّا في اللغة، وفي المعرفة، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم؟
وماذا لو كانت بعض المفاهيم التي نظنها محايدة وعالمية قد تشكّلت أصلًا داخل منظومة جعلت من الغرب مركزًا للمعرفة، ومن الآخر موضوعًا لها؟
من هذه الأسئلة يدخل كتاب( النظرية الديكولونيالية: العصيان المعرفي وتجاوز الحداثة الأورومركزية) للمؤلف الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي إلى منطقة معرفية شديدة الحساسية؛ منطقة لا تكتفي بسؤال: كيف مارس الاستعمار سلطته؟. بل تذهب إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف استمر الاستعمار داخل المعرفة بعد أن انتهى بوصفه احتلالًا ماديًا؟
فالكتاب لا يتعامل مع الديكولونيالية بوصفها مصطلحًا جديداً أو امتداداً بسيطاً للدراسات ما بعد الكولونيالية، وإنما يجعل من الاختلاف بين المشروعين مدخلًا أساسيًا لفهم خصوصية التفكير الديكولونيالي.
فبينما تنشغل ما بعد الكولونيالية بكشف آثار الاستعمار ونقدها وتفكيكها، يدفع المشروع الديكولونيالي باتجاه آخر: التجاوز، وفك الارتباط، وإنتاج إمكانات معرفية لا تجعل المرجعية الغربية شرطًا وحيداً للتفكير.
وهنا تكمن جاذبية الكتاب الحقيقية؛ إذ إنه لا يسأل فقط: من يملك السلطة؟ بل يضيف سؤالًا أكثر إرباكًا: من يملك الحق في إنتاج المعرفة؟.
إن القاريء الحصيف لهذا الكتاب يمكنه تتبع مسارات معرفية ، تفصح عن جدلية ديكولونيالية ، تمثل ثيمة مهمة للتحول المعرفي ، الذي لابد ان يتميز به العقل الإنساني لبلوغ قيمه ، وعدم اندثاره بركام الحضارة الغربية . ولعل من ضمن المسارات الراكزة التي لابد من القاء الضوء عليها :
أولاً ـــ التحول من استعمار الأرض إلى استعمار العقل
و هنا ، يبدأ الكتاب من المفاهيم التي كثيرًا ما تختلط في الخطاب الثقافي: الإمبراطورية، والاستعمار، والإمبريالية، والكولونيالية، وما بعد الكولونيالية والديكولونيالية. ولا تأتي هذه العودة إلى المفاهيم من باب الترف الاصطلاحي، وإنما من محاولة لفك الاشتباك بينها والكشف عن طبيعة السلطة التي تختبئ خلفها.
فالمشكلة، كما يكشف مسار الكتاب، ليست في أن قوة ما احتلت أرضاً فحسب؛ وإنما في أن هذه القوة استطاعت أن تمتد إلى التعليم والثقافة والهوية واللغة والمعرفة، وأن تجعل تصوراتها عن العالم تبدو وكأنها التصورات الطبيعية والوحيدة الممكنة. وهنا ينتقل الاستعمار من احتلال المكان إلى احتلال المعنى.
ولذلك فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست بالضرورة تلك التي تُرى بالسلاح، بل تلك التي تجعل الإنسان ينظر إلى ذاته من خلال عين الآخر، ويقيس ثقافته وفق معيار لم يصنعه، ويبحث عن شرعية وجوده داخل منظومة معرفية تضعه أصلًا في موقع التابع.
ثانياً ــ العصيان المعرفي: أن تقول ـــ لا ـــ بطريقة أخرى:
في قلب المشروع الذي يقدمه الكتاب يقف مفهوم العصيان المعرفي؛ وهو المفهوم الذي يمنح الديكولونيالية خصوصيتها الأوضح.
إن الأمر هنا لا يتعلق برفض المعرفة الغربية بصورة ساذجة، ولا باستبدال مركزية بمركزية أخرى، وإنما بمحاولة فك الارتباط الإبستيمي الذي يجعل تاريخًا واحدًا للمعرفة معيارًا للحقيقة كلها. فالكتاب يوضح أن العصيان المعرفي يتجاوز مجرد الإصلاح؛ لأنّ الإصلاح قد يبقي البنية ذاتها، بينما يطمح الخيار الديكولونيالي إلى إحداث تحول في شروط إنتاج المعرفة نفسها.
وهذا هو السؤال الذي يجعل الكتاب جديرًا بالقراءة:
هل نستطيع أن نفكر من خارج المركز الذي تعودنا أن نفكر من خلاله؟
ثالثاً ـــ ستة مفكرين… ومشروع واحد للانفصال عن المركز
لا يقدم الكتاب الديكولونيالية بوصفها فكرة مجردة، وإنما يتتبع مساراتها عبر مجموعة من أبرز مفكريها: والتر د. مينيولو، إنريكي دوسيل، رامون غروسفوغل، بيدرو بابلو غوميز، أنيبال كيخانو، وسانتياغو كاسترو غوميز.
ومن خلال هؤلاء لا نقرأ نظرية واحدة مغلقة، بل نكتشف شبكة من الأسئلة حول المعرفة والسلطة والهوية والعنصرية والجسد والجغرافيا السياسية للمعرفة والتعدد الإبستيمي والجماليات.
فمع مينيولو يصبح فك الارتباط والعصيان المعرفي مدخلًا للتفكير في بدائل تتجاوز المركزية المعرفية. ومع دوسيل تنكشف صورة (الآخر) التي صنعتها الحداثة الأورومركزية. ومع غروسفوغل تتقدم مسألة العنصرية وإنتاج المعرفة الكولونيالية إلى الواجهة. أما كيخانو فيربط بين استعمار السلطة وإنتاج المعرفة، بينما يفتح بيدرو بابلو غوميز أفقًا مهمًا يتمثل في الجمالية الديكولونيالية والتعدد الإبستيمي.
ثم يأتي سانتياغو كاسترو غوميز بمفهوم (غطرسة النقطة الصفر)، ليكشف كيف يمكن لنقطة نظر محددة تاريخيًا وثقافيًا أن تتقدم بوصفها نقطة محايدة وعالمية تقيس العالم كله.
رابعاً ــــ حين تصل الديكولونيالية إلى الجمال…
ربما هنا يصبح الكتاب أكثر إثارة للقارئ المهتم بالفن والثقافة.
لأنّ الديكولونيالية لا تتوقف عند السياسة أو الفلسفة أو المعرفة، بل تمتد إلى الجمال نفسه. فالكتاب يتوقف عند مشروع الجمالية الديكولونيالية في مقابل الجمالية الكولونيالية، ليطرح سؤالين بالغي الأهمية:
من قال إن هذا هو الجميل؟ .
ومن منح نموذجًا جماليًا بعينه حق أن يصبح معيارًا عالميًا؟
بهذا المعنى يصبح التحرر الديكولونيالي أوسع من مجرد تفكيك نظرية؛ إنه محاولة لتحرير الإحساس الجمالي ذاته من القوالب التي فرضتها المركزية الكولونيالية، وفتح المجال أمام تعدد التجارب والحساسيات والرؤى.
وهنا يمكن للقارئ أن يكتشف أن الديكولونيالية ليست قضية تخص المؤرخ أو عالم الاجتماع أو الفيلسوف وحده، بل يمكن أن تمس الفن والمسرح والأدب والنقد والجماليات، وكل مجال تُطرح فيه أسئلة: من يتكلم؟ من يمثل؟ من ينتج المعنى؟ ومن يملك حق تعريف الجمال والحقيقة؟
نحن إزاء كتاب لا يطلب منّا أن نحفظ مصطلحاً… بل أنْ نعيد النظر في موقعنا.
قيمة هذا الكتاب أنه يضع القارئ أمام تجربة فكرية أكثر من وضعه أمام مجموعة من التعريفات.
إنه يدعوه إلى مراجعة المسلمات التي تبدو بديهية:
أن المعرفة محايدة.
أن الحداثة مسار واحد.
أن المركز ينتج النظرية والهامش يطبقها.
أن الغرب هو نقطة الانطلاق الطبيعية لكل تفكير كوني.
وأن الآخر لا يصبح مرئيًا إلا حين تضيئه أدوات المركز.
لكن الكتاب، في المقابل، لا يقترح إلغاء الآخر أو إقامة جدار معرفي جديد، بل يفتح أفقًا يقوم على التعدد والحوار وفك الهيمنة؛ أي الانتقال من عالم معرفي ذي مركز واحد إلى فضاء تتجاور فيه مراكز متعددة لإنتاج المعرفة.
ومن هنا يصبح عنوان الكتاب نفسه مفتاحًا للقراءة:
(العصيان المعرفي) ليس عصيانًا ضد المعرفة، بل عصيانٌ ضد احتكار المعرفة.
و(تجاوز الحداثة الأورومركزية) ليس رفضًا للحداثة لمجرد الرفض، بل محاولة لإعادة النظر في شروطها ومركزيتها وحدودها.
أخيراً ـــ نعود للتأكيد ــ لماذا يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ؟
لأن السؤال الذي يطرحه ليس سؤال الماضي وحده. إنه سؤال الحاضر.
ففي عالم ما زالت فيه المعرفة موزعة بصورة غير متكافئة، وما زالت بعض النماذج الفكرية والجمالية والثقافية تُقدم بوصفها عالمية، تأتي الديكولونيالية لتقول إن الاختلاف ليس نقصاً، والتعدد ليس فوضى، والهامش ليس بالضرورة موقعًا للتابع، والمعرفة ليست ملكاً لمركز واحد.
ولهذا يمكن النظر إلى كتاب محمد كريم الساعدي بوصفه محاولة لإدخال القارئ إلى واحدة من أكثر القضايا الفكرية إثارة في الدراسات الثقافية المعاصرة:
كيف يمكن أن نتحرر من الهيمنة لا على مستوى الأرض والسلطة فقط، بل على مستوى التفكير نفسه؟
وربما تكون الرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب لدى قارئه هي:
إن التحرر الحقيقي لا يبدأ حين نخرج من سلطة الآخر فقط، بل حين نتعلم كيف نفكر من دون أن نحتاج إلى أن يكون الآخر مركزاً لتفكيرنا.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
النظرية الديكولونيالية حين يصبح التفكير نفسه فعلَ مقاومة
ماذا لو لم يكن الاستعمار قد انتهى تمامًا برحيل الجيوش وإعلان الاستقلال؟
وماذا لو بقي جزء منه حيًّا في اللغة، وفي المعرفة، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم؟
وماذا لو كانت بعض المفاهيم التي نظنها محايدة وعالمية قد تشكّلت أصلًا داخل منظومة جعلت من الغرب مركزًا للمعرفة، ومن الآخر موضوعًا لها؟
من هذه الأسئلة يدخل كتاب( النظرية الديكولونيالية: العصيان المعرفي وتجاوز الحداثة الأورومركزية) للمؤلف الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي إلى منطقة معرفية شديدة الحساسية؛ منطقة لا تكتفي بسؤال: كيف مارس الاستعمار سلطته؟. بل تذهب إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف استمر الاستعمار داخل المعرفة بعد أن انتهى بوصفه احتلالًا ماديًا؟
فالكتاب لا يتعامل مع الديكولونيالية بوصفها مصطلحًا جديداً أو امتداداً بسيطاً للدراسات ما بعد الكولونيالية، وإنما يجعل من الاختلاف بين المشروعين مدخلًا أساسيًا لفهم خصوصية التفكير الديكولونيالي.
فبينما تنشغل ما بعد الكولونيالية بكشف آثار الاستعمار ونقدها وتفكيكها، يدفع المشروع الديكولونيالي باتجاه آخر: التجاوز، وفك الارتباط، وإنتاج إمكانات معرفية لا تجعل المرجعية الغربية شرطًا وحيداً للتفكير.
وهنا تكمن جاذبية الكتاب الحقيقية؛ إذ إنه لا يسأل فقط: من يملك السلطة؟ بل يضيف سؤالًا أكثر إرباكًا: من يملك الحق في إنتاج المعرفة؟.
إن القاريء الحصيف لهذا الكتاب يمكنه تتبع مسارات معرفية ، تفصح عن جدلية ديكولونيالية ، تمثل ثيمة مهمة للتحول المعرفي ، الذي لابد ان يتميز به العقل الإنساني لبلوغ قيمه ، وعدم اندثاره بركام الحضارة الغربية . ولعل من ضمن المسارات الراكزة التي لابد من القاء الضوء عليها :
أولاً ـــ التحول من استعمار الأرض إلى استعمار العقل
و هنا ، يبدأ الكتاب من المفاهيم التي كثيرًا ما تختلط في الخطاب الثقافي: الإمبراطورية، والاستعمار، والإمبريالية، والكولونيالية، وما بعد الكولونيالية والديكولونيالية. ولا تأتي هذه العودة إلى المفاهيم من باب الترف الاصطلاحي، وإنما من محاولة لفك الاشتباك بينها والكشف عن طبيعة السلطة التي تختبئ خلفها.
فالمشكلة، كما يكشف مسار الكتاب، ليست في أن قوة ما احتلت أرضاً فحسب؛ وإنما في أن هذه القوة استطاعت أن تمتد إلى التعليم والثقافة والهوية واللغة والمعرفة، وأن تجعل تصوراتها عن العالم تبدو وكأنها التصورات الطبيعية والوحيدة الممكنة. وهنا ينتقل الاستعمار من احتلال المكان إلى احتلال المعنى.
ولذلك فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست بالضرورة تلك التي تُرى بالسلاح، بل تلك التي تجعل الإنسان ينظر إلى ذاته من خلال عين الآخر، ويقيس ثقافته وفق معيار لم يصنعه، ويبحث عن شرعية وجوده داخل منظومة معرفية تضعه أصلًا في موقع التابع.
ثانياً ــ العصيان المعرفي: أن تقول ـــ لا ـــ بطريقة أخرى:
في قلب المشروع الذي يقدمه الكتاب يقف مفهوم العصيان المعرفي؛ وهو المفهوم الذي يمنح الديكولونيالية خصوصيتها الأوضح.
إن الأمر هنا لا يتعلق برفض المعرفة الغربية بصورة ساذجة، ولا باستبدال مركزية بمركزية أخرى، وإنما بمحاولة فك الارتباط الإبستيمي الذي يجعل تاريخًا واحدًا للمعرفة معيارًا للحقيقة كلها. فالكتاب يوضح أن العصيان المعرفي يتجاوز مجرد الإصلاح؛ لأنّ الإصلاح قد يبقي البنية ذاتها، بينما يطمح الخيار الديكولونيالي إلى إحداث تحول في شروط إنتاج المعرفة نفسها.
وهذا هو السؤال الذي يجعل الكتاب جديرًا بالقراءة:
هل نستطيع أن نفكر من خارج المركز الذي تعودنا أن نفكر من خلاله؟
ثالثاً ـــ ستة مفكرين… ومشروع واحد للانفصال عن المركز
لا يقدم الكتاب الديكولونيالية بوصفها فكرة مجردة، وإنما يتتبع مساراتها عبر مجموعة من أبرز مفكريها: والتر د. مينيولو، إنريكي دوسيل، رامون غروسفوغل، بيدرو بابلو غوميز، أنيبال كيخانو، وسانتياغو كاسترو غوميز.
ومن خلال هؤلاء لا نقرأ نظرية واحدة مغلقة، بل نكتشف شبكة من الأسئلة حول المعرفة والسلطة والهوية والعنصرية والجسد والجغرافيا السياسية للمعرفة والتعدد الإبستيمي والجماليات.
فمع مينيولو يصبح فك الارتباط والعصيان المعرفي مدخلًا للتفكير في بدائل تتجاوز المركزية المعرفية. ومع دوسيل تنكشف صورة (الآخر) التي صنعتها الحداثة الأورومركزية. ومع غروسفوغل تتقدم مسألة العنصرية وإنتاج المعرفة الكولونيالية إلى الواجهة. أما كيخانو فيربط بين استعمار السلطة وإنتاج المعرفة، بينما يفتح بيدرو بابلو غوميز أفقًا مهمًا يتمثل في الجمالية الديكولونيالية والتعدد الإبستيمي.
ثم يأتي سانتياغو كاسترو غوميز بمفهوم (غطرسة النقطة الصفر)، ليكشف كيف يمكن لنقطة نظر محددة تاريخيًا وثقافيًا أن تتقدم بوصفها نقطة محايدة وعالمية تقيس العالم كله.
رابعاً ــــ حين تصل الديكولونيالية إلى الجمال…
ربما هنا يصبح الكتاب أكثر إثارة للقارئ المهتم بالفن والثقافة.
لأنّ الديكولونيالية لا تتوقف عند السياسة أو الفلسفة أو المعرفة، بل تمتد إلى الجمال نفسه. فالكتاب يتوقف عند مشروع الجمالية الديكولونيالية في مقابل الجمالية الكولونيالية، ليطرح سؤالين بالغي الأهمية:
من قال إن هذا هو الجميل؟ .
ومن منح نموذجًا جماليًا بعينه حق أن يصبح معيارًا عالميًا؟
بهذا المعنى يصبح التحرر الديكولونيالي أوسع من مجرد تفكيك نظرية؛ إنه محاولة لتحرير الإحساس الجمالي ذاته من القوالب التي فرضتها المركزية الكولونيالية، وفتح المجال أمام تعدد التجارب والحساسيات والرؤى.
وهنا يمكن للقارئ أن يكتشف أن الديكولونيالية ليست قضية تخص المؤرخ أو عالم الاجتماع أو الفيلسوف وحده، بل يمكن أن تمس الفن والمسرح والأدب والنقد والجماليات، وكل مجال تُطرح فيه أسئلة: من يتكلم؟ من يمثل؟ من ينتج المعنى؟ ومن يملك حق تعريف الجمال والحقيقة؟
نحن إزاء كتاب لا يطلب منّا أن نحفظ مصطلحاً… بل أنْ نعيد النظر في موقعنا.
قيمة هذا الكتاب أنه يضع القارئ أمام تجربة فكرية أكثر من وضعه أمام مجموعة من التعريفات.
إنه يدعوه إلى مراجعة المسلمات التي تبدو بديهية:
أن المعرفة محايدة.
أن الحداثة مسار واحد.
أن المركز ينتج النظرية والهامش يطبقها.
أن الغرب هو نقطة الانطلاق الطبيعية لكل تفكير كوني.
وأن الآخر لا يصبح مرئيًا إلا حين تضيئه أدوات المركز.
لكن الكتاب، في المقابل، لا يقترح إلغاء الآخر أو إقامة جدار معرفي جديد، بل يفتح أفقًا يقوم على التعدد والحوار وفك الهيمنة؛ أي الانتقال من عالم معرفي ذي مركز واحد إلى فضاء تتجاور فيه مراكز متعددة لإنتاج المعرفة.
ومن هنا يصبح عنوان الكتاب نفسه مفتاحًا للقراءة:
(العصيان المعرفي) ليس عصيانًا ضد المعرفة، بل عصيانٌ ضد احتكار المعرفة.
و(تجاوز الحداثة الأورومركزية) ليس رفضًا للحداثة لمجرد الرفض، بل محاولة لإعادة النظر في شروطها ومركزيتها وحدودها.
أخيراً ـــ نعود للتأكيد ــ لماذا يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ؟
لأن السؤال الذي يطرحه ليس سؤال الماضي وحده. إنه سؤال الحاضر.
ففي عالم ما زالت فيه المعرفة موزعة بصورة غير متكافئة، وما زالت بعض النماذج الفكرية والجمالية والثقافية تُقدم بوصفها عالمية، تأتي الديكولونيالية لتقول إن الاختلاف ليس نقصاً، والتعدد ليس فوضى، والهامش ليس بالضرورة موقعًا للتابع، والمعرفة ليست ملكاً لمركز واحد.
ولهذا يمكن النظر إلى كتاب محمد كريم الساعدي بوصفه محاولة لإدخال القارئ إلى واحدة من أكثر القضايا الفكرية إثارة في الدراسات الثقافية المعاصرة:
كيف يمكن أن نتحرر من الهيمنة لا على مستوى الأرض والسلطة فقط، بل على مستوى التفكير نفسه؟
وربما تكون الرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب لدى قارئه هي:
إن التحرر الحقيقي لا يبدأ حين نخرج من سلطة الآخر فقط، بل حين نتعلم كيف نفكر من دون أن نحتاج إلى أن يكون الآخر مركزاً لتفكيرنا.
التعليقات