بين التنوير والخصوصية: رحلة في فكر العقاد وعميد الأدب العربي.. المنجزات والخلافات

صورة الكاتب
بقلم: عبدالواسع السقاف
التاريخ: 29 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2141
بين التنوير والخصوصية: رحلة في فكر العقاد وعميد الأدب العربي.. المنجزات والخلافات

بين التنوير والخصوصية: رحلة في فكر العقاد وعميد الأدب العربي.. المنجزات والخلافات

يُمثّل عباس محمود العقاد وطه حسين قطبي الرحى في النهضة الأدبية العربية الحديثة؛ فرغم اشتراكهما في هدف “تحديث العقل العربي”، إلا أن كلاً منهما سلك درباً فكرياً ومنهجياً متبايناً، مما خلق حالة من الجدل الخلاق لم تقتصر آثارها على الساحة النقدية، بل امتدت لتلامس بنية التفكير الثقافي العربي ذاته.

أولاً: البطاقة التعريفية والمؤهلات

طه حسين (عميد الأدب العربي): أزهري النشأة، لكنه تمرّد على التقليد. حصل على أول دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية (1914) عن أبي العلاء المعري، ثم دكتوراه ثانية من “السوربون” بفرنسا. مؤهله الأساسي هو المنهج الأكاديمي الغربي (الشك الديكارتي) الممزوج بالثقافة العربية الكلاسيكية.

يقول طه حسين في كتاب “في الأدب الجاهلي”:
“إن التصديق المطلق والإنكار المطلق كلاهما من عوارض الجهل، أما العلم فلا يعرف إلا الشك الذي يمهد لليقين.”

وهذه العبارة لا تقف عند حدود التأصيل المنهجي، بل تكشف عن نزعة عقلانية حادة، تتوسل الشك أداةً لهدم اليقينيات الموروثة تمهيداً لإعادة بنائها؛ وهي النزعة ذاتها التي أثارت الجدل الواسع حول مشروعه النقدي، وجعلت من منهجه ساحة صراع بين أنصار التجديد وحراس التقليد، وربما كان هذا الصدام ثمناً لازماً لأي محاولة جادة لكسر السائد، خاصة بعد تشكيكه في كثير من المرويات المتعلقة بالشعر الجاهلي، وما أثاره ذلك من جدل واسع.

غير أن هذا الطرح يثير سؤالاً: هل كان الشك عند طه حسين أداة منهجية فحسب، أم أنه تحوّل أحياناً إلى موقف سابق يسبق البحث؟ وهو سؤال يتجاوز طه حسين نفسه إلى طبيعة المنهج النقدي العربي الحديث.

عباس محمود العقاد: لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، وهو “عصامي الثقافة” بامتياز. اعتمد على القراءة النهمة باللغتين العربية والإنجليزية. مؤهله الحقيقي هو عقلية تحليلية جبارة واطلاع واسع على الفلسفة والعلوم والآداب العالمية، فهو ناقد فكري/فلسفي، وصاحب موقف واضح من الحرية الفردية والعبقرية، مما جعله يقدّم نموذجاً مغايراً للمثقف، يقوم على التكوين الذاتي لا المسار الأكاديمي.

يقول العقاد في مقال “لماذا هويت القراءة”:
“القراءة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يكون الأدب مرآة تعكس شخصية الكاتب لا صدى لأصوات الآخرين.”

وهذه العبارة لا تعبّر فقط عن موقف نقدي، بل تؤسس لرؤية تجعل من “العبقرية الفردية” محور الإبداع، حيث يتحول الأدب من محاكاةٍ للتراث إلى تعبير عن تجربة إنسانية فريدة، وهو ما يفسّر موقفه الحاد من التقليد، ودفاعه المستمر عن الأصالة بوصفها قيمة نفسية قبل أن تكون فنية.

ثانياً: الإنجازات في نقد الأدب واللغة

* عصرنة النقد: أسهم طه حسين في ترسيخ المنهج العلمي الحديث، فدفع بالنقد من دائرة التذوق البلاغي إلى أفق البحث التاريخي والتحليل العقلي (كما في “في الشعر الجاهلي”)، بينما أسهم العقاد في نقله من الزخرف اللفظي إلى مفهوم “الوحدة العضوية” والعمق النفسي (كما في “مدرسة الديوان”)، حيث لم يعد النص مجموعة أبيات متفرقة، بل كياناً حيّاً ينبض بتجربة شعورية متكاملة.

* تطوير اللغة: دعا طه حسين إلى لغة عربية “سهلة ممتنعة” تقترب من الناس دون إسفاف، في محاولة لردم الهوة بين النخبة والجمهور، بينما حافظ العقاد على لغة قوية رصينة تميل إلى التجريد الفلسفي، انطلاقاً من إيمانه بأن اللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل وعاء للفكر العميق، وكائن حي يتطور بالاشتقاق لا بالتبسيط المفرط.

* المعارك الأدبية: وبفضل معاركهما الأدبية، لم يعد النقد نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل تحول إلى قضية رأي عام، تتقاطع فيها الصحافة مع الفكر، مما حفّز الأجيال اللاحقة على تجاوز سطحية القراءة نحو مساءلة النصوص وكشف بنياتها.

ثالثاً: أسباب الخلاف بينهما (الصراع بين المنهج والوجدان)

لم يكن الخلاف شخصياً بقدر ما كان اختلافاً في طريقة النظر إلى الحقيقة الأدبية ذاتها:

* المنهج: كان طه حسين يميل إلى قراءة الأدب في سياقه التاريخي والاجتماعي، حيث يصبح النص وثيقة قابلة للفحص والنقد، بينما نظر العقاد إلى الأدب بوصفه تعبيراً عن شخصية المبدع، فغلب على نقده البعد النفسي والفردي. ومع ذلك، فإن هذا التقابل ليس حاداً تماماً؛ إذ لم يخلُ منهج طه حسين من لمسات ذوقية، كما لم يكن العقاد بمنأى عن الوعي بالسياق التاريخي، مما يجعل الخلاف بينهما تداخلياً أكثر من كونه تقابلياً صرفاً.

* السياسة والفلسفة: وقد اختلفا رحمهما الله حول مفهوم “مستقبل الثقافة”؛ فبينما رأى طه حسين أن الانفتاح على الثقافة الغربية ضرورة تاريخية، عبّر عنها بانتماء “متوسطي”، كان العقاد أكثر تمسكاً بالخصوصية الثقافية، مؤمناً بأن النهضة الحقيقية تنبع من الداخل، لا من الاستعارة الخارجية.

* نقد شوقي: تجلّى هذا الخلاف في موقفهما من أمير الشعراء أحمد شوقي؛ إذ رأى فيه العقاد شاعرًا يميل إلى التقليد، بينما تعامل معه طه حسين بقدر أكبر من التوازن، خاصة في مراحله المتأخرة، مما أطلق سجالات نقدية كشفت عن اختلاف عميق في معايير التقييم الأدبي.

خاتمة:
وبين منهج الشك عند طه حسين وإيمان العقاد بالعبقرية الفردية، يتشكل أحد أهم أسئلة النهضة العربية: هل يبدأ التنوير من تفكيك الموروث أم من إعادة قراءته؟
لعل قيمة هذين العلمين لا تكمن في اتفاقهما، بل في هذا التوتر الخلاق بين العقل والتجربة، بين صرامة التحليل وحرارة الوجدان. وهو توترٌ ما يزال حتى اليوم يحفّز الفكر العربي على مراجعة نفسه، والبحث عن توازنه بين الانفتاح على العالم والوفاء لذاته

مراجع للاستزادة:
* “أضواء على الأدب العربي المعاصر” و “المعارك الأدبية” د. أنور الجندي
* “معارك العقاد الأدبية” – عامر العقاد
* “مع طه حسين” سامي الكيال
* “في الشعر الجاهلي” طه حسين
* “الديوان في الأدب والنقد” – العقاد والمازني

عن الکاتب / الکاتبة

عبدالواسع السقاف
عبدالواسع السقاف
کاتب وشاعر / الیمن

مقالات أخرى للكاتب

أدب الإنصاف: ظاهرة مدح العدو في الشعر العربي عبر العصور

أدب الإنصاف: ظاهرة مدح العدو في الشعر العربي عبر العصور

أدب الإنصاف: ظاهرة مدح العدو في الشعر العربي عبر العصور مقدمة: فلسفة الندية والاعتراف بالآخر…

صورة الكاتب عبدالواسع السقاف
6 أبريل 2026
اقرأ المزيد
من “موت المؤلف” إلى “استراحة المؤلف”: نحو قراءة عربية حرة للنص (رؤية نقدية)

من “موت المؤلف” إلى “استراحة المؤلف”: نحو قراءة عربية حرة للنص (رؤية نقدية)

من “موت المؤلف” إلى “استراحة المؤلف”: نحو قراءة عربية حرة للنص (رؤية نقدية) جذور المفهوم:…

صورة الكاتب عبدالواسع السقاف
3 أبريل 2026
اقرأ المزيد
وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟

وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟

وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟ في كل عام، ومع…

صورة الكاتب عبدالواسع السقاف
21 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بين التنوير والخصوصية: رحلة في فكر العقاد وعميد الأدب العربي.. المنجزات والخلافات

بقلم: عبدالواسع السقاف | التاريخ: 29 مارس 2026

التصنيف: الأدب

بين التنوير والخصوصية: رحلة في فكر العقاد وعميد الأدب العربي.. المنجزات والخلافات

يُمثّل عباس محمود العقاد وطه حسين قطبي الرحى في النهضة الأدبية العربية الحديثة؛ فرغم اشتراكهما في هدف “تحديث العقل العربي”، إلا أن كلاً منهما سلك درباً فكرياً ومنهجياً متبايناً، مما خلق حالة من الجدل الخلاق لم تقتصر آثارها على الساحة النقدية، بل امتدت لتلامس بنية التفكير الثقافي العربي ذاته.

أولاً: البطاقة التعريفية والمؤهلات

طه حسين (عميد الأدب العربي): أزهري النشأة، لكنه تمرّد على التقليد. حصل على أول دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية (1914) عن أبي العلاء المعري، ثم دكتوراه ثانية من “السوربون” بفرنسا. مؤهله الأساسي هو المنهج الأكاديمي الغربي (الشك الديكارتي) الممزوج بالثقافة العربية الكلاسيكية.

يقول طه حسين في كتاب “في الأدب الجاهلي”:
“إن التصديق المطلق والإنكار المطلق كلاهما من عوارض الجهل، أما العلم فلا يعرف إلا الشك الذي يمهد لليقين.”

وهذه العبارة لا تقف عند حدود التأصيل المنهجي، بل تكشف عن نزعة عقلانية حادة، تتوسل الشك أداةً لهدم اليقينيات الموروثة تمهيداً لإعادة بنائها؛ وهي النزعة ذاتها التي أثارت الجدل الواسع حول مشروعه النقدي، وجعلت من منهجه ساحة صراع بين أنصار التجديد وحراس التقليد، وربما كان هذا الصدام ثمناً لازماً لأي محاولة جادة لكسر السائد، خاصة بعد تشكيكه في كثير من المرويات المتعلقة بالشعر الجاهلي، وما أثاره ذلك من جدل واسع.

غير أن هذا الطرح يثير سؤالاً: هل كان الشك عند طه حسين أداة منهجية فحسب، أم أنه تحوّل أحياناً إلى موقف سابق يسبق البحث؟ وهو سؤال يتجاوز طه حسين نفسه إلى طبيعة المنهج النقدي العربي الحديث.

عباس محمود العقاد: لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، وهو “عصامي الثقافة” بامتياز. اعتمد على القراءة النهمة باللغتين العربية والإنجليزية. مؤهله الحقيقي هو عقلية تحليلية جبارة واطلاع واسع على الفلسفة والعلوم والآداب العالمية، فهو ناقد فكري/فلسفي، وصاحب موقف واضح من الحرية الفردية والعبقرية، مما جعله يقدّم نموذجاً مغايراً للمثقف، يقوم على التكوين الذاتي لا المسار الأكاديمي.

يقول العقاد في مقال “لماذا هويت القراءة”:
“القراءة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يكون الأدب مرآة تعكس شخصية الكاتب لا صدى لأصوات الآخرين.”

وهذه العبارة لا تعبّر فقط عن موقف نقدي، بل تؤسس لرؤية تجعل من “العبقرية الفردية” محور الإبداع، حيث يتحول الأدب من محاكاةٍ للتراث إلى تعبير عن تجربة إنسانية فريدة، وهو ما يفسّر موقفه الحاد من التقليد، ودفاعه المستمر عن الأصالة بوصفها قيمة نفسية قبل أن تكون فنية.

ثانياً: الإنجازات في نقد الأدب واللغة

* عصرنة النقد: أسهم طه حسين في ترسيخ المنهج العلمي الحديث، فدفع بالنقد من دائرة التذوق البلاغي إلى أفق البحث التاريخي والتحليل العقلي (كما في “في الشعر الجاهلي”)، بينما أسهم العقاد في نقله من الزخرف اللفظي إلى مفهوم “الوحدة العضوية” والعمق النفسي (كما في “مدرسة الديوان”)، حيث لم يعد النص مجموعة أبيات متفرقة، بل كياناً حيّاً ينبض بتجربة شعورية متكاملة.

* تطوير اللغة: دعا طه حسين إلى لغة عربية “سهلة ممتنعة” تقترب من الناس دون إسفاف، في محاولة لردم الهوة بين النخبة والجمهور، بينما حافظ العقاد على لغة قوية رصينة تميل إلى التجريد الفلسفي، انطلاقاً من إيمانه بأن اللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل وعاء للفكر العميق، وكائن حي يتطور بالاشتقاق لا بالتبسيط المفرط.

* المعارك الأدبية: وبفضل معاركهما الأدبية، لم يعد النقد نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل تحول إلى قضية رأي عام، تتقاطع فيها الصحافة مع الفكر، مما حفّز الأجيال اللاحقة على تجاوز سطحية القراءة نحو مساءلة النصوص وكشف بنياتها.

ثالثاً: أسباب الخلاف بينهما (الصراع بين المنهج والوجدان)

لم يكن الخلاف شخصياً بقدر ما كان اختلافاً في طريقة النظر إلى الحقيقة الأدبية ذاتها:

* المنهج: كان طه حسين يميل إلى قراءة الأدب في سياقه التاريخي والاجتماعي، حيث يصبح النص وثيقة قابلة للفحص والنقد، بينما نظر العقاد إلى الأدب بوصفه تعبيراً عن شخصية المبدع، فغلب على نقده البعد النفسي والفردي. ومع ذلك، فإن هذا التقابل ليس حاداً تماماً؛ إذ لم يخلُ منهج طه حسين من لمسات ذوقية، كما لم يكن العقاد بمنأى عن الوعي بالسياق التاريخي، مما يجعل الخلاف بينهما تداخلياً أكثر من كونه تقابلياً صرفاً.

* السياسة والفلسفة: وقد اختلفا رحمهما الله حول مفهوم “مستقبل الثقافة”؛ فبينما رأى طه حسين أن الانفتاح على الثقافة الغربية ضرورة تاريخية، عبّر عنها بانتماء “متوسطي”، كان العقاد أكثر تمسكاً بالخصوصية الثقافية، مؤمناً بأن النهضة الحقيقية تنبع من الداخل، لا من الاستعارة الخارجية.

* نقد شوقي: تجلّى هذا الخلاف في موقفهما من أمير الشعراء أحمد شوقي؛ إذ رأى فيه العقاد شاعرًا يميل إلى التقليد، بينما تعامل معه طه حسين بقدر أكبر من التوازن، خاصة في مراحله المتأخرة، مما أطلق سجالات نقدية كشفت عن اختلاف عميق في معايير التقييم الأدبي.

خاتمة:
وبين منهج الشك عند طه حسين وإيمان العقاد بالعبقرية الفردية، يتشكل أحد أهم أسئلة النهضة العربية: هل يبدأ التنوير من تفكيك الموروث أم من إعادة قراءته؟
لعل قيمة هذين العلمين لا تكمن في اتفاقهما، بل في هذا التوتر الخلاق بين العقل والتجربة، بين صرامة التحليل وحرارة الوجدان. وهو توترٌ ما يزال حتى اليوم يحفّز الفكر العربي على مراجعة نفسه، والبحث عن توازنه بين الانفتاح على العالم والوفاء لذاته

مراجع للاستزادة:
* “أضواء على الأدب العربي المعاصر” و “المعارك الأدبية” د. أنور الجندي
* “معارك العقاد الأدبية” – عامر العقاد
* “مع طه حسين” سامي الكيال
* “في الشعر الجاهلي” طه حسين
* “الديوان في الأدب والنقد” – العقاد والمازني