وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟
في كل عام، ومع اقتراب مواسم الجوائز الأدبية الكبرى، يتحول المشهد الثقافي العربي من “حلقة نقاشية” إلى “بورصة مضاربات”. فجأة، تُصبح الرواية التي لم يسمع عنها أحد “فتحاً مبيناً”، وتتحول دور النشر إلى مؤسسات “علاقات عامة” تُروِّج لمنتجاتها بشراسة تليق بسوق العقارات لا بسوق الأفكار. هذا المشهد يضعنا أمام سؤال جوهري لم يعد من الممكن تأجيله: هل الجائزة اليوم معيار للجودة الفنية، أم أنها مجرد أداة للاتجار أو ما يُسمى “تسليع” الأدب وتحويله إلى منتج يخضع لموضات سياسية واجتماعية عابرة؟
الأدب تحت مقصلة “القالب الجاهز”
المشكلة الحقيقية لا تكمن في قيمة الجائزة المادية، بل في “الأثر الرَّجعي” الذي تتركه في وعي الكاتب. لقد بدأنا نشهد ظهور ما يمكن تسميته بـ “رواية الجوائز”؛ وهي نُصوص تُكتب بوعي مسبق لما تحبه لجان التحكيم. يختار الكاتب بعناية موضوعات “الاستشراق الجديد”: مثل الصراعات العرقية، أو نقد “التابوهات” بشكل سطحي، وهي المواضيع التي يتجنب المجتمع الخوض فيها عادةً لأسباب اجتماعية، دينية، أو سياسية في الثقافة العربية.
بالمقابل، لو عُدنا بالذاكرة إلى نجيب محفوظ، سنجد أن “نوبل” هي التي سَعَت إليه في منطقتهِ الجمالية، ولم يسعَ هو لتغيير “محلية” نصه الصَّارخة ليُرضي ذائقة الأكاديمية السُويدية. محفوظ كتب عن “قصر الشوق” و”خان الخليلي” بإخلاصٍ محلي مُطلق، فصار عالمياً. بينما نرى اليوم روايات مثل “سيدات القمر” للعمانية جوخة الحارثي و”خبز على طاولة الخال ميلاد” لليبي محمد النعاس (رغم قيمتها) أو الأعمال التي تتسابق على القوائم القصيرة، تُوضع فوراً في مختبر “القابلية للترجمة”، وكأن النَّص لا يكتسب شرعيته إلا إذا صُودق عليه بختم “المان بوكر: The Man Booker Prize” أو “الشيخ زايد”.
سطوة “الغلاف” وموت الناقد
لقد سحبت الجوائز البِساط من تحت أقدام النَّاقد الحقيقي. فقديماً، كان مقال واحد من علي الراعي أو طه حسين كفيلاً برفع كاتب إلى مصافِ النجوم أو إعادته إلى مقاعد الدراسة. أما اليوم، فإن “الشريط الملون” الذي يلف غلاف الرواية الفائزة هو الذي يقرر نيابة عن القارئ. هذا الاستلاب الثقافي حوّل القراء إلى “مستهلكين” يركضون خلف “الترند” الثقافي.
أين نحن من عباقرة مثل بدر شاكر السياب الذي مات غريباً وفقيراً، لكن “أنشودة المطر” ظلت شامخة رغم أنف لجان التحكيم في عصره؟ أو غسان كنفاني الذي لم يكتب لينال درعاً، بل ليحفر قضية شعب في وجدان التاريخ؟ هؤلاء أنصفهم النقد الأدبي الرصين والزمن، لا شيكات المصارف.
احتضار “المبضع” وسطوة “المداحين”: أين اختفى الناقد الحقيقي؟
إن الغياب المريب للنَّاقد “الجَرَّاح” عن المشهد الأدبي اليوم يطرح تساؤلاً مريراً: هل نضب مَعين الكفاءات النقدية، أم أن الناقد آثر السلامة وتصالح مع “النظام الجاري”؟ الحقيقة أننا نعيش عصر”الناقد الموظف” أو “الناقد المجامل”. فبعد أن كان النقد مشرحةً أدبية تُفكك النَّص لتبني الوعي، تحول في ظل الجوائز إلى “مُلحق دعائي” لدار النشر.
لقد غاب العمالقة من طراز شكري عياد وإحسان عباس ومحمود أمين العالم؛ أولئك الذين كانوا يمتلكون أدوات معرفية تجعل من قراءتهم للنص عملاً إبداعياً موازياً. أما اليوم، فحلّ مكانهم “صُنّاع المحتوى” في “السوشيال ميديا”، أو أكاديميون يخشون مخالفة “موجة” الجوائز حتى لا يُتهموا بالانعزال. الناقد الحقيقي اليوم في مأزق؛ فإما أن يسير في ركاب “الترند” ليبقى تحت الضوء، أو أن يقول كلمة الحق في نصٍ “مُجمَّلٍ بالجوائز” فيجد نفسه منبوذاً من دور النشر ومهرجانات التكريم. لقد استبدلنا “المِبضَع” الذي يُشرِّح ويحلل النص بـ “البخور” الذي يُعطِّره ويمدحه، والنتيجة هي تضخم الأنا لدى كتاب “الجوائز” وفقر القيمة الفنية في نصوصهم.
الترجمة كفخّ للغة
الأمر الأكثر خطورة في جدلية التسليع هو “تنميط اللغة”. فلكي تضمن الرواية عبوراً سهلاً للمترجم، يلجأ بعض الكتاب إلى لغة “منزوعة الدسم”، خالية من التعقيدات البلاغية والخصوصيات المحلية. إنهم يكتبون لغة قابلة للترجمة الآلية.
انظر إلى نص لإدوار الخراط أو للمنفلوطي، حيث اللغة هي “البطل”، لغة تحتفي بجزالتها وعنفوانها. هل يجرؤ كاتب “جوائز” اليوم على كتابة نص بلغة أبي حيان التوحيدي كما كانوا يفعلون؟ الإجابة غالباً: لا، لأن المترجم سيتعثر، واللجنة قد تراه نصاً “نخبوياً” لا يخدم سياسات التسويق العالمي.
تيه البوصلة: القارئ في مهب “التضليل الجمالي”
إن الضحية الأكبر في مثلث (الجوائز، الكاتب، الناقد) هو الوعي الثقافي المجتمعي. لقد أدت سطوة “التسليع” إلى إرباك بوصلة القارئ العربي، الذي وجد نفسه مُجبراً على استهلاك ذائقة مُعلبة تُفرض عليه من الأعلى.
وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟
وثن “البوكر” ولعنة الاتجار بالأدب: هل تقود الجوائز الأدب إلى المقصلة؟
في كل عام، ومع اقتراب مواسم الجوائز الأدبية الكبرى، يتحول المشهد الثقافي العربي من “حلقة نقاشية” إلى “بورصة مضاربات”. فجأة، تُصبح الرواية التي لم يسمع عنها أحد “فتحاً مبيناً”، وتتحول دور النشر إلى مؤسسات “علاقات عامة” تُروِّج لمنتجاتها بشراسة تليق بسوق العقارات لا بسوق الأفكار. هذا المشهد يضعنا أمام سؤال جوهري لم يعد من الممكن تأجيله: هل الجائزة اليوم معيار للجودة الفنية، أم أنها مجرد أداة للاتجار أو ما يُسمى “تسليع” الأدب وتحويله إلى منتج يخضع لموضات سياسية واجتماعية عابرة؟
الأدب تحت مقصلة “القالب الجاهز”
المشكلة الحقيقية لا تكمن في قيمة الجائزة المادية، بل في “الأثر الرَّجعي” الذي تتركه في وعي الكاتب. لقد بدأنا نشهد ظهور ما يمكن تسميته بـ “رواية الجوائز”؛ وهي نُصوص تُكتب بوعي مسبق لما تحبه لجان التحكيم. يختار الكاتب بعناية موضوعات “الاستشراق الجديد”: مثل الصراعات العرقية، أو نقد “التابوهات” بشكل سطحي، وهي المواضيع التي يتجنب المجتمع الخوض فيها عادةً لأسباب اجتماعية، دينية، أو سياسية في الثقافة العربية.
بالمقابل، لو عُدنا بالذاكرة إلى نجيب محفوظ، سنجد أن “نوبل” هي التي سَعَت إليه في منطقتهِ الجمالية، ولم يسعَ هو لتغيير “محلية” نصه الصَّارخة ليُرضي ذائقة الأكاديمية السُويدية. محفوظ كتب عن “قصر الشوق” و”خان الخليلي” بإخلاصٍ محلي مُطلق، فصار عالمياً. بينما نرى اليوم روايات مثل “سيدات القمر” للعمانية جوخة الحارثي و”خبز على طاولة الخال ميلاد” لليبي محمد النعاس (رغم قيمتها) أو الأعمال التي تتسابق على القوائم القصيرة، تُوضع فوراً في مختبر “القابلية للترجمة”، وكأن النَّص لا يكتسب شرعيته إلا إذا صُودق عليه بختم “المان بوكر: The Man Booker Prize” أو “الشيخ زايد”.
سطوة “الغلاف” وموت الناقد
لقد سحبت الجوائز البِساط من تحت أقدام النَّاقد الحقيقي. فقديماً، كان مقال واحد من علي الراعي أو طه حسين كفيلاً برفع كاتب إلى مصافِ النجوم أو إعادته إلى مقاعد الدراسة. أما اليوم، فإن “الشريط الملون” الذي يلف غلاف الرواية الفائزة هو الذي يقرر نيابة عن القارئ. هذا الاستلاب الثقافي حوّل القراء إلى “مستهلكين” يركضون خلف “الترند” الثقافي.
أين نحن من عباقرة مثل بدر شاكر السياب الذي مات غريباً وفقيراً، لكن “أنشودة المطر” ظلت شامخة رغم أنف لجان التحكيم في عصره؟ أو غسان كنفاني الذي لم يكتب لينال درعاً، بل ليحفر قضية شعب في وجدان التاريخ؟ هؤلاء أنصفهم النقد الأدبي الرصين والزمن، لا شيكات المصارف.
احتضار “المبضع” وسطوة “المداحين”: أين اختفى الناقد الحقيقي؟
إن الغياب المريب للنَّاقد “الجَرَّاح” عن المشهد الأدبي اليوم يطرح تساؤلاً مريراً: هل نضب مَعين الكفاءات النقدية، أم أن الناقد آثر السلامة وتصالح مع “النظام الجاري”؟ الحقيقة أننا نعيش عصر”الناقد الموظف” أو “الناقد المجامل”. فبعد أن كان النقد مشرحةً أدبية تُفكك النَّص لتبني الوعي، تحول في ظل الجوائز إلى “مُلحق دعائي” لدار النشر.
لقد غاب العمالقة من طراز شكري عياد وإحسان عباس ومحمود أمين العالم؛ أولئك الذين كانوا يمتلكون أدوات معرفية تجعل من قراءتهم للنص عملاً إبداعياً موازياً. أما اليوم، فحلّ مكانهم “صُنّاع المحتوى” في “السوشيال ميديا”، أو أكاديميون يخشون مخالفة “موجة” الجوائز حتى لا يُتهموا بالانعزال. الناقد الحقيقي اليوم في مأزق؛ فإما أن يسير في ركاب “الترند” ليبقى تحت الضوء، أو أن يقول كلمة الحق في نصٍ “مُجمَّلٍ بالجوائز” فيجد نفسه منبوذاً من دور النشر ومهرجانات التكريم. لقد استبدلنا “المِبضَع” الذي يُشرِّح ويحلل النص بـ “البخور” الذي يُعطِّره ويمدحه، والنتيجة هي تضخم الأنا لدى كتاب “الجوائز” وفقر القيمة الفنية في نصوصهم.
الترجمة كفخّ للغة
الأمر الأكثر خطورة في جدلية التسليع هو “تنميط اللغة”. فلكي تضمن الرواية عبوراً سهلاً للمترجم، يلجأ بعض الكتاب إلى لغة “منزوعة الدسم”، خالية من التعقيدات البلاغية والخصوصيات المحلية. إنهم يكتبون لغة قابلة للترجمة الآلية.
انظر إلى نص لإدوار الخراط أو للمنفلوطي، حيث اللغة هي “البطل”، لغة تحتفي بجزالتها وعنفوانها. هل يجرؤ كاتب “جوائز” اليوم على كتابة نص بلغة أبي حيان التوحيدي كما كانوا يفعلون؟ الإجابة غالباً: لا، لأن المترجم سيتعثر، واللجنة قد تراه نصاً “نخبوياً” لا يخدم سياسات التسويق العالمي.
تيه البوصلة: القارئ في مهب “التضليل الجمالي”
إن الضحية الأكبر في مثلث (الجوائز، الكاتب، الناقد) هو الوعي الثقافي المجتمعي. لقد أدت سطوة “التسليع” إلى إرباك بوصلة القارئ العربي، الذي وجد نفسه مُجبراً على استهلاك ذائقة مُعلبة تُفرض عليه من الأعلى.
التعليقات