العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

صورة الكاتب
بقلم: علاء احمد الشاهین
التاريخ: 18 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2868
العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

تمثل قصتا (المعطف) نشرت عام ١٨٤٢ و (الأنف) نشرت عام ١٨٣٦ للكاتب الروسي (نيكولاي غوغول) ذروة المشروع السردي الذي أسس به الكاتب الروسي حساسية أدبية جديدة، قوامها فضح الواقع الاجتماعي عبر السخرية السوداء، وتشريح الإنسان البسيط في مواجهة سلطة بيروقراطية عمياء. ففي هاتين القصتين تتداخل الفانتازيا بالواقع، ويتحول العبث إلى أداة نقدية نافذة تكشف اختلال العالم أكثر مما تهرب منه.
في (المعطف) يرسم غوغول شخصية (أكاكي أكاكيفيتش) الموظف الصغير الذي لا يملك من العالم سوى وظيفته ومعطفه المرتقب. المعطف هنا يتجاوز كونه قطعة لباس ليغدو رمزاً للكرامة الإنسانية المؤجلة، وللحلم البسيط الذي يتضخم في عالم يحرم أفراده من أبسط حقوق الاعتراف.
لغة السرد هادئة، متعاطفة في ظاهرها، لكنها تخفي قسوة لاذعة، إذ يترك الكاتب بطله وحيداً أمام آلة اجتماعية لا ترى فيه سوى رقم قابل للمحو. وحين يسلب المعطف، يسلب معه المعنى الأخير للحياة، فيتحول الفقد الفردي إلى إدانة أخلاقية لمجتمع لا يرحم الضعفاء.
أما (الأنف) فتتخذ مساراً أكثر راديكالية في العبث، حيث ينفصل الأنف عن صاحبه ويعيش حياة اجتماعية مستقلة، أعلى شأناً ومقاماً. هذا الحدث الغرائبي لا يقصد به الإدهاش فحسب، بل يستخدم لفضح جنون التصنيفات الاجتماعية والرتب الوظيفية، حيث تصبح القيمة الإنسانية مرهونة بالمظهر واللقب. السخرية هنا فاضحة، تكاد تبلغ حد الكرنفال، لكنها تظل محكومة بمنطق نقدي صارم يكشف هشاشة الهوية الفردية داخل نظام سلطوي يختزل الإنسان في شكله الخارجي.
اللافت في القصتين هو هذا التوازن الدقيق بين الكوميديا والتراجيديا. الضحك الذي تثيره مفارقات غوغول ليس بريئاً، بل مشوب بالمرارة إذ سرعان ما ينقلب إلى شعور بالشفقة والقلق. فالعالم الذي يضحك فيه القارئ هو نفسه عالم يشيئ الإنسان، ويحوله إلى كائن هامشي قابل للسخرية والنسيان.
في القصتين اعتمد (غوغول) على راوٍ يبدو محايداً، لكنه يتورط تدريجياً في السخرية من شخصياته ومن النظام الذي يحكمها، مما يمنح النص عمقاً مزدوجاً – حكاية بسيطة على السطح، ونقد اجتماعي لاذع في العمق- كما أن توظيف الفانتازيا لا يهدف إلى الهروب من الواقع، بل إلى تعريته، وجعله أكثر وضوحاً عبر تشويهه المتعمد.
تشكل قصتي (المعطف) و (الأنف) بياناً أدبياً مبكراً عن اغتراب الإنسان الحديث، وعن مأزق الفرد في عالم تحكمه البيروقراطية والسطحية، لقد مهد (نيكولاي غوغول) عبر هاتين القصتين الطريق أمام الأدب الروسي اللاحق – وهذا ما يؤكده (تورغينيف) بمقولته الشهيرة: (كلنا خرجنا من معطف غوغول)- حيث أصبح العبث والسخرية وسيلتين جادتين لفهم المأساة الإنسانية، لا للهروب منها.

 

عن الکاتب / الکاتبة

علاء احمد الشاهین
علاء احمد الشاهین
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس)..

إعادة تعريف العلاقة بين الأدب و الفلسفة في رواية (سنة موت ريكاردو ريس).. تُعد رواية…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
12 أبريل 2026
اقرأ المزيد
نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..   تتشكل رواية (على رصيف العمر) للكاتب السوري الفلسطيني حسن…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
9 أبريل 2026
اقرأ المزيد
تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية) رواية (كل شيء هادئ…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
6 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

بقلم: علاء احمد الشاهین | التاريخ: 18 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

العبث و السخرية.. كوسيلة لفهم المأساة الانسانية

تمثل قصتا (المعطف) نشرت عام ١٨٤٢ و (الأنف) نشرت عام ١٨٣٦ للكاتب الروسي (نيكولاي غوغول) ذروة المشروع السردي الذي أسس به الكاتب الروسي حساسية أدبية جديدة، قوامها فضح الواقع الاجتماعي عبر السخرية السوداء، وتشريح الإنسان البسيط في مواجهة سلطة بيروقراطية عمياء. ففي هاتين القصتين تتداخل الفانتازيا بالواقع، ويتحول العبث إلى أداة نقدية نافذة تكشف اختلال العالم أكثر مما تهرب منه.
في (المعطف) يرسم غوغول شخصية (أكاكي أكاكيفيتش) الموظف الصغير الذي لا يملك من العالم سوى وظيفته ومعطفه المرتقب. المعطف هنا يتجاوز كونه قطعة لباس ليغدو رمزاً للكرامة الإنسانية المؤجلة، وللحلم البسيط الذي يتضخم في عالم يحرم أفراده من أبسط حقوق الاعتراف.
لغة السرد هادئة، متعاطفة في ظاهرها، لكنها تخفي قسوة لاذعة، إذ يترك الكاتب بطله وحيداً أمام آلة اجتماعية لا ترى فيه سوى رقم قابل للمحو. وحين يسلب المعطف، يسلب معه المعنى الأخير للحياة، فيتحول الفقد الفردي إلى إدانة أخلاقية لمجتمع لا يرحم الضعفاء.
أما (الأنف) فتتخذ مساراً أكثر راديكالية في العبث، حيث ينفصل الأنف عن صاحبه ويعيش حياة اجتماعية مستقلة، أعلى شأناً ومقاماً. هذا الحدث الغرائبي لا يقصد به الإدهاش فحسب، بل يستخدم لفضح جنون التصنيفات الاجتماعية والرتب الوظيفية، حيث تصبح القيمة الإنسانية مرهونة بالمظهر واللقب. السخرية هنا فاضحة، تكاد تبلغ حد الكرنفال، لكنها تظل محكومة بمنطق نقدي صارم يكشف هشاشة الهوية الفردية داخل نظام سلطوي يختزل الإنسان في شكله الخارجي.
اللافت في القصتين هو هذا التوازن الدقيق بين الكوميديا والتراجيديا. الضحك الذي تثيره مفارقات غوغول ليس بريئاً، بل مشوب بالمرارة إذ سرعان ما ينقلب إلى شعور بالشفقة والقلق. فالعالم الذي يضحك فيه القارئ هو نفسه عالم يشيئ الإنسان، ويحوله إلى كائن هامشي قابل للسخرية والنسيان.
في القصتين اعتمد (غوغول) على راوٍ يبدو محايداً، لكنه يتورط تدريجياً في السخرية من شخصياته ومن النظام الذي يحكمها، مما يمنح النص عمقاً مزدوجاً – حكاية بسيطة على السطح، ونقد اجتماعي لاذع في العمق- كما أن توظيف الفانتازيا لا يهدف إلى الهروب من الواقع، بل إلى تعريته، وجعله أكثر وضوحاً عبر تشويهه المتعمد.
تشكل قصتي (المعطف) و (الأنف) بياناً أدبياً مبكراً عن اغتراب الإنسان الحديث، وعن مأزق الفرد في عالم تحكمه البيروقراطية والسطحية، لقد مهد (نيكولاي غوغول) عبر هاتين القصتين الطريق أمام الأدب الروسي اللاحق – وهذا ما يؤكده (تورغينيف) بمقولته الشهيرة: (كلنا خرجنا من معطف غوغول)- حيث أصبح العبث والسخرية وسيلتين جادتين لفهم المأساة الإنسانية، لا للهروب منها.