«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي
في المركز الثقافي البغدادي
مقدمة
في سياق الحراك الثقافي الذي تشهده بغداد، تواصل المؤسسات الأدبية احتفاءها بالمنجز السردي العراقي بوصفه مرآة للتحولات الاجتماعية والجمالية. ومن هذا المنطلق، جاءت الجلسة النقدية التي خصصت لقراءة تجربة القاص خضير فليح الزيدي، لتفتح أفقاً تأملياً في اشتغالاته السردية، ولا سيما مجموعته «عرضحال بغدادي».
*تجربة غنية تنطوي على وعي
احتفى ملتقى السرد الروائي، بالتعاون مع المركز الثقافي البغدادي، بالقاص خضير فليح الزيدي ومنجزه القصصي «عرضحال بغدادي»، وذلك خلال جلسة نقدية أُقيمت يوم الجمعة الموافق 17 نيسان 2026، على قاعة الدكتور حسين علي محفوظ، بحضور نخبة من النقاد والأدباء والمهتمين بالشأن السردي.
أدار الجلسة القاص رياض داخل، الذي قدم قراءة تحليلية للعمل، توقف فيها عند تعقيد بنيته السردية وثراء اشتغاله على تقنيات التنصيص، مشيراً إلى أن الزيدي يقدم تجربة فنية تنطوي على وعي عميق بأدوات السرد، وتمزج بين البعد الجمالي والاشتغال التقني.
وفي مداخلاتهم، تناول النقاد أبرز السمات الأسلوبية التي تميز نصوص الزيدي، مؤكدين انطلاقها من الواقع العراقي، حيث يتخذ المكان دوراً محورياً في بناء النص، بوصفه فضاءً حيوياً تتحرك فيه الشخصيات وتتفاعل داخله الرؤى الاجتماعية. كما أشاروا إلى قدرة الكاتب على تفكيك هذا الواقع وإعادة تركيبه ضمن إطار سردي معاصر.
ورأى المتداخلون أن تجربة الزيدي تمثل توليفة فنية تجمع بين حساسية الحداثة واستحضار رموز الذاكرة الثقافية، إذ يعمد إلى إحياء شخصيات وأسماء أدبية ومنحها حياة جديدة داخل النص، عبر تقنيات سردية متجددة تضفي على أعماله بعداً إنسانياً وثقافياً لافتاً.
وتأتي هذه الجلسة ضمن سلسلة الأنشطة التي يحتضنها المركز الثقافي البغدادي، دعماً للحراك السردي وتعزيزاً لحضور القصة العراقية في المشهد الثقافي.
*مداخلتي في الجلسة
تندرج هذه القراءة ضمن تأمل تجربة القاص خضير فليح الزيدي، ولا سيما قصته «عرضحال بغدادي»، حيث تتقاطع الذاكرة السردية مع تقنيات ما بعد الحداثة، في محاولة لإعادة إنتاج الرموز الأدبية داخل نص معاصر يمنحها حياة جديدة.
ينطلق الزيدي من هاجس سردي يتمثل في إحياء شخصيات أدبية وثقافية من الماضي، وإعادة دمجها داخل نسيج نصوصه، سواء في القصة القصيرة أم الرواية. فهو لا يستدعي أسماء مثل غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، وغالب هلسا بوصفهم شخوصاً تاريخية جامدة، بل بوصفهم كائنات سردية قابلة للتجدد والاستمرار داخل فضاء التخييل.
ويعكس هذا التوجه وعياً عميقاً بوظيفة الكاتب، الذي لا يكتفي بنقل الواقع، بل يسهم في إعادة خلقه عبر شخصيات قد تتجاوز في حضورها وحدودها وجودها الواقعي. وفي بعض الأحيان، يتجاوز الزيدي ذلك إلى إعادة توظيف شخصيات روائية ضمن سياقات جديدة، بما يمنحها أبعاداً دلالية مغايرة.
في قصة «عرضحال»، تتجسد هذه التقنية بوضوح، إذ يستدعي الكاتب عدداً من الأسماء الأدبية إلى فضاء حكائي واحد هو “حانة دانيال”، التي تتحول إلى نقطة التقاء بين عالمين: عالم المثقفين وعالم الناس البسطاء.
في هذا الفضاء، تتداخل الأصوات على نحو لافت:
فالكتاب ينصتون إلى هموم الناس اليومية،
فيما يلتقط “العرضحالجي” أصداء النقاشات الفكرية والحداثية.
هنا تتجلى تقنية الميتاسرد بوصفها أداة تجريبية، حيث يصبح النص واعياً بذاته، وتتحول الشخصيات إلى وسائط حوار بين مستويين: ثقافي وشعبي. ويخلق هذا التداخل نوعاً من التوتر بين المركز والهامش، بين النخبة والعامة، وهو توتر لا ينتهي إلى قطيعة، بل يفتح أفقاً لتكامل التجربتين.
وفي لحظة سردية دالة، يمنح الكاتب بعض شخصياته سلطة إعادة تشكيل النص، كما في حالة غالب هلسا، حيث تتداخل أدوار الخلق وإعادة الخلق، في إشارة إلى وعي حداثي بطبيعة الكتابة وحدود سلطة المؤلف.
محاور التحليل النقدي
يمكن تلخيص أبرز مرتكزات هذه القراءة في النقاط الآتية:
*هاجس الإحياء السردي:
يتجلى في سعي النص إلى مقاومة النسيان الثقافي عبر استحضار رموز أدبية وإعادة إدماجها في سياق معاصر، بما يمنح العمل بعداً جمالياً وتوثيقياً.
*الميتاسرد بوصفه أداة تساؤل:
لا يستخدم الميتاسرد هنا كحيلة شكلية، بل كوسيلة لطرح أسئلة جوهرية حول الكتابة: من يكتب؟ ومن يُكتب؟ وكيف تتشكل الحقيقة داخل النص؟
*تداخل العوالم (النخبة والهامش):
عبر الجمع بين العرضحالجي والمثقفين، يخلق النص فضاءً حوارياً يجمع بين خطاب يومي واقعي وخطاب ثقافي تنظيري.
*تحولات سلطة السرد:
تلمح التجربة إلى إمكانية تقاسم السلطة بين الكاتب وشخصياته، في إطار وعي سردي حديث يعيد النظر في مركزية المؤلف.
«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي
«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي
في المركز الثقافي البغدادي
مقدمة
في سياق الحراك الثقافي الذي تشهده بغداد، تواصل المؤسسات الأدبية احتفاءها بالمنجز السردي العراقي بوصفه مرآة للتحولات الاجتماعية والجمالية. ومن هذا المنطلق، جاءت الجلسة النقدية التي خصصت لقراءة تجربة القاص خضير فليح الزيدي، لتفتح أفقاً تأملياً في اشتغالاته السردية، ولا سيما مجموعته «عرضحال بغدادي».
*تجربة غنية تنطوي على وعي
احتفى ملتقى السرد الروائي، بالتعاون مع المركز الثقافي البغدادي، بالقاص خضير فليح الزيدي ومنجزه القصصي «عرضحال بغدادي»، وذلك خلال جلسة نقدية أُقيمت يوم الجمعة الموافق 17 نيسان 2026، على قاعة الدكتور حسين علي محفوظ، بحضور نخبة من النقاد والأدباء والمهتمين بالشأن السردي.
أدار الجلسة القاص رياض داخل، الذي قدم قراءة تحليلية للعمل، توقف فيها عند تعقيد بنيته السردية وثراء اشتغاله على تقنيات التنصيص، مشيراً إلى أن الزيدي يقدم تجربة فنية تنطوي على وعي عميق بأدوات السرد، وتمزج بين البعد الجمالي والاشتغال التقني.
وفي مداخلاتهم، تناول النقاد أبرز السمات الأسلوبية التي تميز نصوص الزيدي، مؤكدين انطلاقها من الواقع العراقي، حيث يتخذ المكان دوراً محورياً في بناء النص، بوصفه فضاءً حيوياً تتحرك فيه الشخصيات وتتفاعل داخله الرؤى الاجتماعية. كما أشاروا إلى قدرة الكاتب على تفكيك هذا الواقع وإعادة تركيبه ضمن إطار سردي معاصر.
ورأى المتداخلون أن تجربة الزيدي تمثل توليفة فنية تجمع بين حساسية الحداثة واستحضار رموز الذاكرة الثقافية، إذ يعمد إلى إحياء شخصيات وأسماء أدبية ومنحها حياة جديدة داخل النص، عبر تقنيات سردية متجددة تضفي على أعماله بعداً إنسانياً وثقافياً لافتاً.
وتأتي هذه الجلسة ضمن سلسلة الأنشطة التي يحتضنها المركز الثقافي البغدادي، دعماً للحراك السردي وتعزيزاً لحضور القصة العراقية في المشهد الثقافي.
*مداخلتي في الجلسة
تندرج هذه القراءة ضمن تأمل تجربة القاص خضير فليح الزيدي، ولا سيما قصته «عرضحال بغدادي»، حيث تتقاطع الذاكرة السردية مع تقنيات ما بعد الحداثة، في محاولة لإعادة إنتاج الرموز الأدبية داخل نص معاصر يمنحها حياة جديدة.
ينطلق الزيدي من هاجس سردي يتمثل في إحياء شخصيات أدبية وثقافية من الماضي، وإعادة دمجها داخل نسيج نصوصه، سواء في القصة القصيرة أم الرواية. فهو لا يستدعي أسماء مثل غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، وغالب هلسا بوصفهم شخوصاً تاريخية جامدة، بل بوصفهم كائنات سردية قابلة للتجدد والاستمرار داخل فضاء التخييل.
ويعكس هذا التوجه وعياً عميقاً بوظيفة الكاتب، الذي لا يكتفي بنقل الواقع، بل يسهم في إعادة خلقه عبر شخصيات قد تتجاوز في حضورها وحدودها وجودها الواقعي. وفي بعض الأحيان، يتجاوز الزيدي ذلك إلى إعادة توظيف شخصيات روائية ضمن سياقات جديدة، بما يمنحها أبعاداً دلالية مغايرة.
في قصة «عرضحال»، تتجسد هذه التقنية بوضوح، إذ يستدعي الكاتب عدداً من الأسماء الأدبية إلى فضاء حكائي واحد هو “حانة دانيال”، التي تتحول إلى نقطة التقاء بين عالمين: عالم المثقفين وعالم الناس البسطاء.
في هذا الفضاء، تتداخل الأصوات على نحو لافت:
فالكتاب ينصتون إلى هموم الناس اليومية،
فيما يلتقط “العرضحالجي” أصداء النقاشات الفكرية والحداثية.
هنا تتجلى تقنية الميتاسرد بوصفها أداة تجريبية، حيث يصبح النص واعياً بذاته، وتتحول الشخصيات إلى وسائط حوار بين مستويين: ثقافي وشعبي. ويخلق هذا التداخل نوعاً من التوتر بين المركز والهامش، بين النخبة والعامة، وهو توتر لا ينتهي إلى قطيعة، بل يفتح أفقاً لتكامل التجربتين.
وفي لحظة سردية دالة، يمنح الكاتب بعض شخصياته سلطة إعادة تشكيل النص، كما في حالة غالب هلسا، حيث تتداخل أدوار الخلق وإعادة الخلق، في إشارة إلى وعي حداثي بطبيعة الكتابة وحدود سلطة المؤلف.
محاور التحليل النقدي
يمكن تلخيص أبرز مرتكزات هذه القراءة في النقاط الآتية:
*هاجس الإحياء السردي:
يتجلى في سعي النص إلى مقاومة النسيان الثقافي عبر استحضار رموز أدبية وإعادة إدماجها في سياق معاصر، بما يمنح العمل بعداً جمالياً وتوثيقياً.
*الميتاسرد بوصفه أداة تساؤل:
لا يستخدم الميتاسرد هنا كحيلة شكلية، بل كوسيلة لطرح أسئلة جوهرية حول الكتابة: من يكتب؟ ومن يُكتب؟ وكيف تتشكل الحقيقة داخل النص؟
*تداخل العوالم (النخبة والهامش):
عبر الجمع بين العرضحالجي والمثقفين، يخلق النص فضاءً حوارياً يجمع بين خطاب يومي واقعي وخطاب ثقافي تنظيري.
*تحولات سلطة السرد:
تلمح التجربة إلى إمكانية تقاسم السلطة بين الكاتب وشخصياته، في إطار وعي سردي حديث يعيد النظر في مركزية المؤلف.
التعليقات