لا تتوقف اللوحة التشكيلية عند حدود ما تراه العين، بل تبدأ دلالاتها الحقيقية حين تتحول الأشكال والألوان والحركات إلى لغة رمزية تثير الأسئلة وتفتح أبواب التأويل. وفي لوحتين للفنان التشكيلي هاشم الشطري، نواجه عالمين مختلفين في مضمونهما، لكنهما يلتقيان في قدرتهما على استدراج المتلقي من المشاهدة المباشرة إلى التفكير في المعاني التي تختبئ خلف الصورة. الأولى تضعنا أمام شخصيتين معصوبتي العينين، والثانية تقدم امرأة توظف جسدها وإيماءاتها في مشهد تتداخل فيه الأنوثة بالإغراء ونظرة الآخر.
اللوحة الأولى: أعمى يقود عمياء
تجمع اللوحة رجلاً وامرأة معصوبي العينين، يقف الرجل خلف المرأة واضعاً يديه على كتفيها، وكأنه يتولى قيادتها أو توجيه مسارها. لكن كيف يستطيع من حجبت عنه الرؤية أن يقود شخصاً آخر لا يرى؟ هنا تتشكل المفارقة الأساسية في العمل، وتستدعي إلى الذاكرة المثل القائل: “أعمى يقود أعمى”، بما يحمله من دلالات تتصل بالجهل والضياع وفقدان القدرة على التمييز. لا يبدو العمى في هذه اللوحة مجرد حالة جسدية، بل يمكن قراءته بوصفه رمزاً لعمى البصيرة، حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية الحقيقة أو اختيار الطريق الصحيح. وقد يكون الرجل والمرأة صورتين لعلاقة تقوم على التبعية، أحدهما يتوهم أنه يقود، والآخر يسلم له أمره، مع أن كليهما يفتقد القدرة على معرفة الوجهة. وهكذا تتحول العلاقة بين الشخصيتين إلى سؤال عن القيادة والمسؤولية، وعن جدوى اتباع من لا يمتلك الرؤية.
وتمنحنا الألوان دلالات إضافية، فاللون الأحمر في ثوب المرأة، بما يحمله من قوة وحرارة، يقابله اللون الداكن في ملابس الرجل، بينما تتسع خلفهما مساحة زرقاء توحي بالسماء والانفتاح. غير أن هذا الاتساع البصري لا يبدد الإحساس بالضياع، لأن الشخصيتين محرومتان من رؤية ما يحيط بهما. إنهما تقفان في فضاء مفتوح، لكن انفتاح المكان لا يعني بالضرورة امتلاك الحرية أو معرفة الطريق.
أما السلم الظاهر في الجانب الأيمن من اللوحة، فيمثل عنصراً رمزياً بالغ الأهمية. فهو يتجه نحو فتحة علوية، لكنه يبدو متعرجاً وغير مستقر في مساره، وكأن الوصول إلى الغاية ليس أمراً سهلاً أو مضموناً. والسلم في دلالته المألوفة رمز للصعود والارتقاء، إلا أن وجوده إلى جانب شخصيتين معصوبتي العينين يقلب هذه الدلالة إلى سؤال: هل يقود الطريق إلى الخلاص، أم أن الصعود نفسه قد يصبح مغامرة محفوفة بالضياع حين يغيب الوعي؟
وتكتمل المفارقة بزهرة عباد الشمس التي يظهر في قلبها وجه بشري وعين مفتوحة. فبينما حجبت عينا الرجل والمرأة، تبدو عين الزهرة مفتوحة على العالم، وكأن الطبيعة تمتلك بصيرتها في الوقت الذي يفقد فيه الإنسان قدرته على الرؤية. ويمكن أن نقرأ هذا العنصر بوصفه إشارة إلى أن النور ليس حكراً على البشر، وأن الإنسان قد يعجز عن إدراك ما تستطيع الطبيعة أن تكشفه له. كما يتيح وجه الزهرة احتمالاً آخر: أن يكون الإنسان نفسه مصدراً للنور، لكنه يفقد هذه القدرة حين يستسلم للعمى الفكري أو يتنازل عن استقلاله في التفكير. إن قوة اللوحة تكمن في جمعها بين عناصر تبدو متباعدة: العمى، والقيادة، والسلم، والزهرة ذات العين المفتوحة. ومن خلال هذا التناقض، لا يقدم هاشم الشطري حكاية مكتملة بقدر ما يصوغ مشهداً يدعو إلى مساءلة الواقع الإنساني، ويترك للمتلقي حرية الربط بين الرموز واستنتاج ما وراءها.
اللوحة الثانية: هل تراني أم ترى جسدي؟
في اللوحة الثانية، تنتقل الرؤية من سؤال البصيرة والقيادة إلى الجسد بوصفه لغة للتعبير والإغراء. تظهر امرأة بملامح واضحة وعينين مفتوحتين، ترتدي ثوباً أزرق يكشف جزءاً من كتفها، وترفع إحدى ذراعيها خلف رأسها في حركة تسترعي الانتباه إلى الرقبة والذراع وانحناءات الجسد. ويمنحها ميل الرأس ونظرتها المباشرة حضوراً يجمع بين الثقة والإيحاء، بينما يبرز اللون الأزرق في الثوب والخلفية، متداخلاً مع درجات البشرة الدافئة.
إن حركة الذراع ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من بناء الصورة؛ فهي تصنع قوساً بصرياً يحيط بالرأس ويقود عين المتلقي نحو الوجه والرقبة والكتف. أما النظرة المباشرة فتمنح المرأة حضوراً مختلفاً عن شخصيتي اللوحة الأولى: فهنا لا توجد عصابة تحجب الرؤية بل عينان تنظران إلى المتلقي، وكأن الشخصية تعرف أنها موضع نظر، وتشارك في توجيه هذا النظر.
ومن هذه العلاقة يمكن الانطلاق إلى تأويل نقدي يتجاوز الإغراء الجسدي. فكأن المرأة تسأل من يراها: هل تهتم بي بوصفـي إنسانة لها شخصيتها ووعيها، أم أنك تختزلني في جسدي وما يثيره من رغبة؟ إنها قراءة تجعل اللوحة مساحة للتفكير في نظرة الآخر وفي الحدود الفاصلة بين الجمال بوصفه قيمة فنية والجسد حين يتحول إلى موضوع للاستهلاك البصري.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمل الصورة حكماً أخلاقياً جاهزاً فالإغراء ليس بالضرورة انتقاصاً من المرأة كما أن إبراز الجسد لا يعني وحده اختزال الشخصية فيه. إن ما يمنح التأويل قوته هو العلاقة بين وضعية الجسد والنظرة وتكوين الصورة، وهي عناصر تسمح بقراءة المرأة بوصفها صاحبة حضور بصري واعٍ، لا مجرد موضوع سلبي للمشاهدة.
وتضيف اللوحة الصغيرة المرسومة داخل إطار في الخلفية طبقة أخرى من المعنى إذ يبدو المشهد الطبيعي داخلها منفصلاً عن فضاء المرأة، وكأنه صورة داخل صورة. ويمكن النظر إلى هذا العنصر بوصفه إشارة إلى تعدد مستويات الرؤية، أو إلى التباين بين الطبيعة المؤطرة في مشهد محدود والجسد الذي يحتل المساحة الأساسية من اللوحة. لكنه يظل احتمالاً تأويلياً لا يمكن الجزم بقصديته من دون معرفة الفنان ورؤيته.
*من السريالية إلى تعدد المعنى
تتيح اللوحتان قراءة تستفيد من الروح السريالية، حيث تتجاور العناصر الواقعية مع علاقات غير مألوفة، فتكتسب الأشياء معاني تتجاوز وظائفها المباشرة. ففي اللوحة الأولى، تصبح زهرة عباد الشمس ذات العين البشرية والسلم المتعرج جزءاً من مشهد رمزي يربك العلاقة بين الرؤية والضياع. وفي الثانية، تتحول حركة الجسد والنظرة إلى خطاب بصري مفتوح على أسئلة الجمال والرغبة ونظرة المجتمع إلى المرأة.
ولا تتوقف القيمة الفنية عند العثور على تفسير واحد لكل رمز، بل في قدرة التكوين على إنتاج أكثر من معنى. فالمتلقي ليس مشاهد يتلقى رسالة جاهزة فحسب، بل شريك في بناء الدلالة، يستعين بخبرته وثقافته ويعيد وصل العناصر بعضها ببعض. ومن هنا تظل القراءة النقدية اقتراحاً للحوار مع اللوحة، لا حكماً نهائياً على نيات الفنان.
في المحصلة، تضعنا اللوحتان أمام مفارقتين إنسانيتين: في الأولى: قد يفقد الإنسان بصيرته حتى وهو يسير في فضاء مفتوح، وفي الثانية: قد تصبح الرؤية نفسها موضع مساءلة حين تختزل الآخر في مظهره الجسدي. وبين العمى والإغراء، ينجح هاشم الشطري في إثارة أسئلة تتجاوز حدود الصورة، ويمنح المتلقي فرصة للتأمل في معنى أن نرى، وأن نُرى، وأن نفهم ما وراء ما تقع عليه أعيننا.
بين عمى البصيرة وإغراء الجسد قراءة تشكيلية في لوحتين للفنان هاشم الشطري
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
بين عمى البصيرة وإغراء الجسد قراءة تشكيلية في لوحتين للفنان هاشم الشطري
لا تتوقف اللوحة التشكيلية عند حدود ما تراه العين، بل تبدأ دلالاتها الحقيقية حين تتحول الأشكال والألوان والحركات إلى لغة رمزية تثير الأسئلة وتفتح أبواب التأويل. وفي لوحتين للفنان التشكيلي هاشم الشطري، نواجه عالمين مختلفين في مضمونهما، لكنهما يلتقيان في قدرتهما على استدراج المتلقي من المشاهدة المباشرة إلى التفكير في المعاني التي تختبئ خلف الصورة. الأولى تضعنا أمام شخصيتين معصوبتي العينين، والثانية تقدم امرأة توظف جسدها وإيماءاتها في مشهد تتداخل فيه الأنوثة بالإغراء ونظرة الآخر.
اللوحة الأولى: أعمى يقود عمياء
تجمع اللوحة رجلاً وامرأة معصوبي العينين، يقف الرجل خلف المرأة واضعاً يديه على كتفيها، وكأنه يتولى قيادتها أو توجيه مسارها. لكن كيف يستطيع من حجبت عنه الرؤية أن يقود شخصاً آخر لا يرى؟ هنا تتشكل المفارقة الأساسية في العمل، وتستدعي إلى الذاكرة المثل القائل: “أعمى يقود أعمى”، بما يحمله من دلالات تتصل بالجهل والضياع وفقدان القدرة على التمييز. لا يبدو العمى في هذه اللوحة مجرد حالة جسدية، بل يمكن قراءته بوصفه رمزاً لعمى البصيرة، حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية الحقيقة أو اختيار الطريق الصحيح. وقد يكون الرجل والمرأة صورتين لعلاقة تقوم على التبعية، أحدهما يتوهم أنه يقود، والآخر يسلم له أمره، مع أن كليهما يفتقد القدرة على معرفة الوجهة. وهكذا تتحول العلاقة بين الشخصيتين إلى سؤال عن القيادة والمسؤولية، وعن جدوى اتباع من لا يمتلك الرؤية.
وتمنحنا الألوان دلالات إضافية، فاللون الأحمر في ثوب المرأة، بما يحمله من قوة وحرارة، يقابله اللون الداكن في ملابس الرجل، بينما تتسع خلفهما مساحة زرقاء توحي بالسماء والانفتاح. غير أن هذا الاتساع البصري لا يبدد الإحساس بالضياع، لأن الشخصيتين محرومتان من رؤية ما يحيط بهما. إنهما تقفان في فضاء مفتوح، لكن انفتاح المكان لا يعني بالضرورة امتلاك الحرية أو معرفة الطريق.
أما السلم الظاهر في الجانب الأيمن من اللوحة، فيمثل عنصراً رمزياً بالغ الأهمية. فهو يتجه نحو فتحة علوية، لكنه يبدو متعرجاً وغير مستقر في مساره، وكأن الوصول إلى الغاية ليس أمراً سهلاً أو مضموناً. والسلم في دلالته المألوفة رمز للصعود والارتقاء، إلا أن وجوده إلى جانب شخصيتين معصوبتي العينين يقلب هذه الدلالة إلى سؤال: هل يقود الطريق إلى الخلاص، أم أن الصعود نفسه قد يصبح مغامرة محفوفة بالضياع حين يغيب الوعي؟
وتكتمل المفارقة بزهرة عباد الشمس التي يظهر في قلبها وجه بشري وعين مفتوحة. فبينما حجبت عينا الرجل والمرأة، تبدو عين الزهرة مفتوحة على العالم، وكأن الطبيعة تمتلك بصيرتها في الوقت الذي يفقد فيه الإنسان قدرته على الرؤية. ويمكن أن نقرأ هذا العنصر بوصفه إشارة إلى أن النور ليس حكراً على البشر، وأن الإنسان قد يعجز عن إدراك ما تستطيع الطبيعة أن تكشفه له. كما يتيح وجه الزهرة احتمالاً آخر: أن يكون الإنسان نفسه مصدراً للنور، لكنه يفقد هذه القدرة حين يستسلم للعمى الفكري أو يتنازل عن استقلاله في التفكير. إن قوة اللوحة تكمن في جمعها بين عناصر تبدو متباعدة: العمى، والقيادة، والسلم، والزهرة ذات العين المفتوحة. ومن خلال هذا التناقض، لا يقدم هاشم الشطري حكاية مكتملة بقدر ما يصوغ مشهداً يدعو إلى مساءلة الواقع الإنساني، ويترك للمتلقي حرية الربط بين الرموز واستنتاج ما وراءها.
اللوحة الثانية: هل تراني أم ترى جسدي؟
في اللوحة الثانية، تنتقل الرؤية من سؤال البصيرة والقيادة إلى الجسد بوصفه لغة للتعبير والإغراء. تظهر امرأة بملامح واضحة وعينين مفتوحتين، ترتدي ثوباً أزرق يكشف جزءاً من كتفها، وترفع إحدى ذراعيها خلف رأسها في حركة تسترعي الانتباه إلى الرقبة والذراع وانحناءات الجسد. ويمنحها ميل الرأس ونظرتها المباشرة حضوراً يجمع بين الثقة والإيحاء، بينما يبرز اللون الأزرق في الثوب والخلفية، متداخلاً مع درجات البشرة الدافئة.
إن حركة الذراع ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من بناء الصورة؛ فهي تصنع قوساً بصرياً يحيط بالرأس ويقود عين المتلقي نحو الوجه والرقبة والكتف. أما النظرة المباشرة فتمنح المرأة حضوراً مختلفاً عن شخصيتي اللوحة الأولى: فهنا لا توجد عصابة تحجب الرؤية بل عينان تنظران إلى المتلقي، وكأن الشخصية تعرف أنها موضع نظر، وتشارك في توجيه هذا النظر.
ومن هذه العلاقة يمكن الانطلاق إلى تأويل نقدي يتجاوز الإغراء الجسدي. فكأن المرأة تسأل من يراها: هل تهتم بي بوصفـي إنسانة لها شخصيتها ووعيها، أم أنك تختزلني في جسدي وما يثيره من رغبة؟ إنها قراءة تجعل اللوحة مساحة للتفكير في نظرة الآخر وفي الحدود الفاصلة بين الجمال بوصفه قيمة فنية والجسد حين يتحول إلى موضوع للاستهلاك البصري.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمل الصورة حكماً أخلاقياً جاهزاً فالإغراء ليس بالضرورة انتقاصاً من المرأة كما أن إبراز الجسد لا يعني وحده اختزال الشخصية فيه. إن ما يمنح التأويل قوته هو العلاقة بين وضعية الجسد والنظرة وتكوين الصورة، وهي عناصر تسمح بقراءة المرأة بوصفها صاحبة حضور بصري واعٍ، لا مجرد موضوع سلبي للمشاهدة.
وتضيف اللوحة الصغيرة المرسومة داخل إطار في الخلفية طبقة أخرى من المعنى إذ يبدو المشهد الطبيعي داخلها منفصلاً عن فضاء المرأة، وكأنه صورة داخل صورة. ويمكن النظر إلى هذا العنصر بوصفه إشارة إلى تعدد مستويات الرؤية، أو إلى التباين بين الطبيعة المؤطرة في مشهد محدود والجسد الذي يحتل المساحة الأساسية من اللوحة. لكنه يظل احتمالاً تأويلياً لا يمكن الجزم بقصديته من دون معرفة الفنان ورؤيته.
*من السريالية إلى تعدد المعنى
تتيح اللوحتان قراءة تستفيد من الروح السريالية، حيث تتجاور العناصر الواقعية مع علاقات غير مألوفة، فتكتسب الأشياء معاني تتجاوز وظائفها المباشرة. ففي اللوحة الأولى، تصبح زهرة عباد الشمس ذات العين البشرية والسلم المتعرج جزءاً من مشهد رمزي يربك العلاقة بين الرؤية والضياع. وفي الثانية، تتحول حركة الجسد والنظرة إلى خطاب بصري مفتوح على أسئلة الجمال والرغبة ونظرة المجتمع إلى المرأة.
ولا تتوقف القيمة الفنية عند العثور على تفسير واحد لكل رمز، بل في قدرة التكوين على إنتاج أكثر من معنى. فالمتلقي ليس مشاهد يتلقى رسالة جاهزة فحسب، بل شريك في بناء الدلالة، يستعين بخبرته وثقافته ويعيد وصل العناصر بعضها ببعض. ومن هنا تظل القراءة النقدية اقتراحاً للحوار مع اللوحة، لا حكماً نهائياً على نيات الفنان.
في المحصلة، تضعنا اللوحتان أمام مفارقتين إنسانيتين: في الأولى: قد يفقد الإنسان بصيرته حتى وهو يسير في فضاء مفتوح، وفي الثانية: قد تصبح الرؤية نفسها موضع مساءلة حين تختزل الآخر في مظهره الجسدي. وبين العمى والإغراء، ينجح هاشم الشطري في إثارة أسئلة تتجاوز حدود الصورة، ويمنح المتلقي فرصة للتأمل في معنى أن نرى، وأن نُرى، وأن نفهم ما وراء ما تقع عليه أعيننا.
د. طالب هاشم بدن
التعليقات