تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة

صورة الكاتب
بقلم: عبدالکریم حمزة عباس
التاريخ: 2 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2572
تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة

تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة.

كثيرون يظنون أن التأويل يعني ببساطة أن نشرح النص، أو نوضح ما يقصده الكاتب،وكأن المعنى موجود داخل الكلمات مثل شيء مخبأ، وكل ما علينا هو إخراجه.
لكن الأمر أعمق من ذلك. فالتأويل ليس مجرد شرح، بل هو موقف نتخذه من النص، نحن لا نقرأ فقط، بل نحمل معنا تجاربنا وأفكارنا وأسئلتنا، لذلك فإن كل قراءة تضيف شيئًا جديدًا، ولا تكتفي باكتشاف شيء جاهز.
في البداية، ارتبط التأويل بمحاولة فهم النصوص الدينية والقانونيةو كان الهدف هو الوصول إلى معنى صحيح و واضح يجب الالتزام به.
ثم تطور الأمر مع الفلسفةالحديثة،المفكر الألماني(شلايرماخر )رأى أن التأويل ليس خاصًا بنوع معين من النصوص، بل هو طريقة عامة للفهم، وكان يعتقد أن فهم النص يعني محاولة فهم نفسية الكاتب وظروفه، لكن هذه الفكرة كانت تضع الكاتب في المركز، وكأن الوصول إلى نيته الأصلية هو الهدف النهائي.

بعد ذلك، بدأت فكرة جديدة تظهر: النص ليس مجرد كلمات، بل تعبير عن تجربة إنسانية،لذلك لفهمه نحن مطالبون أن نفهم الواقع التي خرج منه، والظروف التي كُتب فيها.
هذه خطوة مهمة، لأنها وسّعت مجال التأويل، لكن ظل هناك اعتقاد بأن للنص معنى أصليًا يمكن الوصول إليه إذا بحثنا جيدًا.
( أن النصوص الأدبية هي ذاتها نقدية ،لكنها متعامية ،وتحاول القراءة النقدية للنقاد أن تفكك هذا العمى) 1.

مع الفيلسوف( مارتن هايدغر )تغيّرت النظرة بشكل كبير حيث بين أن الفهم ليس مجرد أداة نستخدمها، بل هو جزء من وجودنا في العالم، فنحن نفهم لأننا نعيش ونتفاعل مع الأشياء، لا لأننا نملك طريقة خاصة للفهم، وهذا يعني أنه لا يوجد فهم “نقي” أو خالٍ من التأثيرات. كل قراءة تحمل خلفية القارئ وتجربته، نحن لا نقرأ من خارج النص، بل من داخل عالمنا الخاص.
جاء بعده الفيلسوف( هانس غيورغ غادامير ) و طوّر هذه الفكرة. قال إن القراءة تشبه الحوار،حيث هناك “أفق” للنص أي زمنه وظروفه، وهناك “أفق” للقارئ، وعندما نقرأ يلتقي الأفقان ويتأثر كل واحد منهما بالآخر.
من هذا يتضح أن قوة النص ليست في حمله معنى ثابتًا، بل لأنه يُعاد فهمه في كل زمن بطريقة جديدة.

الناقد هنا لا يكتفي بالشرح بل يقدّم قراءة جديدة، يفتح زاوية لم ينتبه لها القاريء العادي، وهذا لا يعني أنه يغيّر النص، بل يعني أنه يكشف جانبًا منه.
في الأدب، يعتبر التأويل عاملا مهما جدًا،فالرواية أو القصيدة ليست تقريرًا علميًا له معنى واحد محدد،أي أن النص الأدبي بطبيعته مفتوح، ويمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة.
قد يسأل البعض: إذا كان المعنى مفتوحًا، فهل يمكن أن نفسر النص كما نشاء؟
الإجابة: بالتأكيد لا، فعلى الرغم من أن النص يحتمل أكثر من قراءة لكنه ليس بلا حدود، فهناك كلمات، وسياق، وبنية داخلية،لذلك لا يمكن أن نفسر النص تفسيرًا يناقضه تمامًا.

التأويل إذن ليس فوضى، بل مسؤولية. يحتاج إلى حرية، لكن أيضًا إلى إحترام النص.
هناك جانب آخر مهم: ليست كل القراءات تُعامل بالطريقة نفسها. أحيانًا تعتمد المؤسسات أو الجامعات قراءة معينة وتهمّش غيرها، هنا يظهر أن التأويل ليس مسألة فكرية فقط، بل قد يكون له بعد اجتماعي أو سياسي،
بعض المفكرين، مثل( ميشيل فوكو)، لفتوا الانتباه إلى العلاقة بين المعرفة والسلطةحيث بين أن السؤال لا يكون فقط: ما معنى النص؟ بل أيضًا: من يملك حق تحديد هذا المعنى؟
( النقد التفاعلي المرتبط بنظريات الخطاب و التأويل و جمالية التلقي التي استندت إلى نظريات و مفاهيم التأويلية و الظاهراتية و التحليل النفسي و نظرية الفعل ورد الفعل ، ونقلت الاهتمام من المرجع و النص إلى المتلقي و آليات ومستويات تفاعله مع النص لإبراز دوره في إنتاج دلالته وتأويله،على اعتبار أن النص الأدبي لا وجود له خارج ذهن القاريء، وهو الذي ينتقل به إلى حالة الإنجاز و الاشتغال و يحوله من وضعية النص الى وضعية الخطاب)2.

خاتمة
التأويل ليس نهاية الفهم، بل بدايته. كل قراءة هي محاولة جديدة للإقتراب من النص، دون أن نزعم أننا امتلكناه بالكامل.
النقد الأدبي يصبح هنا تفكيرًا عميقًا في معنى الفهم نفسه: كيف نفهم؟ ولماذا نختلف؟ وأين تنتهي حرية القراءة وتبدأ مسؤوليتها؟
لهذا فالتأويل ليس مجرد مهارة، بل طريقة في النظر إلى النص والواقع معا.
—————————————————
1–العمى و البصيرة –مقالات في بلاغة النقد المعاصر – بول دي مان –ترجمة سعيد الغانمي- منشورات المجمع الثقافي –أبو ظبي –الأمارات-ط1-1995- ص140.
2-إشكالية المنهج في نقد الشعر العربي المعاصر – د. عبدالله شريق – رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة – 2015-ص259.

عبد الكريم حمزة عباس
================

عن الکاتب / الکاتبة

عبدالکریم حمزة عباس
عبدالکریم حمزة عباس
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

مفارقة

مفارقة

مفارقة الكل يكتب لكن ليس هنالك من يقرأ . تتجلى المفارقة حين ننظر إلى النخبة…

صورة الكاتب عبدالکریم حمزة عباس
2 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة

بقلم: عبدالکریم حمزة عباس | التاريخ: 2 مارس 2026

التصنيف: الأدب

تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة.

كثيرون يظنون أن التأويل يعني ببساطة أن نشرح النص، أو نوضح ما يقصده الكاتب،وكأن المعنى موجود داخل الكلمات مثل شيء مخبأ، وكل ما علينا هو إخراجه.
لكن الأمر أعمق من ذلك. فالتأويل ليس مجرد شرح، بل هو موقف نتخذه من النص، نحن لا نقرأ فقط، بل نحمل معنا تجاربنا وأفكارنا وأسئلتنا، لذلك فإن كل قراءة تضيف شيئًا جديدًا، ولا تكتفي باكتشاف شيء جاهز.
في البداية، ارتبط التأويل بمحاولة فهم النصوص الدينية والقانونيةو كان الهدف هو الوصول إلى معنى صحيح و واضح يجب الالتزام به.
ثم تطور الأمر مع الفلسفةالحديثة،المفكر الألماني(شلايرماخر )رأى أن التأويل ليس خاصًا بنوع معين من النصوص، بل هو طريقة عامة للفهم، وكان يعتقد أن فهم النص يعني محاولة فهم نفسية الكاتب وظروفه، لكن هذه الفكرة كانت تضع الكاتب في المركز، وكأن الوصول إلى نيته الأصلية هو الهدف النهائي.

بعد ذلك، بدأت فكرة جديدة تظهر: النص ليس مجرد كلمات، بل تعبير عن تجربة إنسانية،لذلك لفهمه نحن مطالبون أن نفهم الواقع التي خرج منه، والظروف التي كُتب فيها.
هذه خطوة مهمة، لأنها وسّعت مجال التأويل، لكن ظل هناك اعتقاد بأن للنص معنى أصليًا يمكن الوصول إليه إذا بحثنا جيدًا.
( أن النصوص الأدبية هي ذاتها نقدية ،لكنها متعامية ،وتحاول القراءة النقدية للنقاد أن تفكك هذا العمى) 1.

مع الفيلسوف( مارتن هايدغر )تغيّرت النظرة بشكل كبير حيث بين أن الفهم ليس مجرد أداة نستخدمها، بل هو جزء من وجودنا في العالم، فنحن نفهم لأننا نعيش ونتفاعل مع الأشياء، لا لأننا نملك طريقة خاصة للفهم، وهذا يعني أنه لا يوجد فهم “نقي” أو خالٍ من التأثيرات. كل قراءة تحمل خلفية القارئ وتجربته، نحن لا نقرأ من خارج النص، بل من داخل عالمنا الخاص.
جاء بعده الفيلسوف( هانس غيورغ غادامير ) و طوّر هذه الفكرة. قال إن القراءة تشبه الحوار،حيث هناك “أفق” للنص أي زمنه وظروفه، وهناك “أفق” للقارئ، وعندما نقرأ يلتقي الأفقان ويتأثر كل واحد منهما بالآخر.
من هذا يتضح أن قوة النص ليست في حمله معنى ثابتًا، بل لأنه يُعاد فهمه في كل زمن بطريقة جديدة.

الناقد هنا لا يكتفي بالشرح بل يقدّم قراءة جديدة، يفتح زاوية لم ينتبه لها القاريء العادي، وهذا لا يعني أنه يغيّر النص، بل يعني أنه يكشف جانبًا منه.
في الأدب، يعتبر التأويل عاملا مهما جدًا،فالرواية أو القصيدة ليست تقريرًا علميًا له معنى واحد محدد،أي أن النص الأدبي بطبيعته مفتوح، ويمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة.
قد يسأل البعض: إذا كان المعنى مفتوحًا، فهل يمكن أن نفسر النص كما نشاء؟
الإجابة: بالتأكيد لا، فعلى الرغم من أن النص يحتمل أكثر من قراءة لكنه ليس بلا حدود، فهناك كلمات، وسياق، وبنية داخلية،لذلك لا يمكن أن نفسر النص تفسيرًا يناقضه تمامًا.

التأويل إذن ليس فوضى، بل مسؤولية. يحتاج إلى حرية، لكن أيضًا إلى إحترام النص.
هناك جانب آخر مهم: ليست كل القراءات تُعامل بالطريقة نفسها. أحيانًا تعتمد المؤسسات أو الجامعات قراءة معينة وتهمّش غيرها، هنا يظهر أن التأويل ليس مسألة فكرية فقط، بل قد يكون له بعد اجتماعي أو سياسي،
بعض المفكرين، مثل( ميشيل فوكو)، لفتوا الانتباه إلى العلاقة بين المعرفة والسلطةحيث بين أن السؤال لا يكون فقط: ما معنى النص؟ بل أيضًا: من يملك حق تحديد هذا المعنى؟
( النقد التفاعلي المرتبط بنظريات الخطاب و التأويل و جمالية التلقي التي استندت إلى نظريات و مفاهيم التأويلية و الظاهراتية و التحليل النفسي و نظرية الفعل ورد الفعل ، ونقلت الاهتمام من المرجع و النص إلى المتلقي و آليات ومستويات تفاعله مع النص لإبراز دوره في إنتاج دلالته وتأويله،على اعتبار أن النص الأدبي لا وجود له خارج ذهن القاريء، وهو الذي ينتقل به إلى حالة الإنجاز و الاشتغال و يحوله من وضعية النص الى وضعية الخطاب)2.

خاتمة
التأويل ليس نهاية الفهم، بل بدايته. كل قراءة هي محاولة جديدة للإقتراب من النص، دون أن نزعم أننا امتلكناه بالكامل.
النقد الأدبي يصبح هنا تفكيرًا عميقًا في معنى الفهم نفسه: كيف نفهم؟ ولماذا نختلف؟ وأين تنتهي حرية القراءة وتبدأ مسؤوليتها؟
لهذا فالتأويل ليس مجرد مهارة، بل طريقة في النظر إلى النص والواقع معا.
—————————————————
1–العمى و البصيرة –مقالات في بلاغة النقد المعاصر – بول دي مان –ترجمة سعيد الغانمي- منشورات المجمع الثقافي –أبو ظبي –الأمارات-ط1-1995- ص140.
2-إشكالية المنهج في نقد الشعر العربي المعاصر – د. عبدالله شريق – رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة – 2015-ص259.

عبد الكريم حمزة عباس
================