تمرين ساخن للموت .. دراسة تحليلية نقدية لمسرحية ( تمرين مقرف ) للكاتب علي العبادي

صورة الكاتب
بقلم: د. طالب هاشم بدن
التاريخ: 10 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3771
تمرين ساخن للموت .. دراسة تحليلية نقدية لمسرحية ( تمرين مقرف ) للكاتب علي العبادي

 

يعد الكاتب العراقي علي العبادي ايقونة من ايقونات الادب العراقي المعاصر الذي اجتهد في كتابته للنصوص الجمالية الابداعية الخلاقة التي تحيل المتلقي الى عوالم من الخيال والتفكير في اعماق النص الدرامي ، إذ مزج بين الايهامي والسردي من جهة وبين العبثي والبوهيمي من جهة اخرى ، وهذا ما لمسناه في نصوصه الجدلية التي اعتاد على تقديمها برؤى مغايرة في تناوله حركة حبكة الصراع .
بيد ان تأثره في كتاب العبث واللامعقول اضفى على مؤلفاته بعداً جمالياً معرفياً استقى ونهل منه الشيء الكثير ، الامر الذي بات واضحاً في نصه (تمرين مقرف ) إذ وضع لمساته المهمة في صياغة حواراته داخل النص الانف الذكر . ولو تطرقنا الى كتاب مسرح العبث واللامعقول لوجدنا ان عددا كبيرا منهم تناول حواراته بشكل متقطع يكاد يكون غير مترابط وغير مفهوم ، وخير مثال على ذلك ما قدمه ( صموئيل بيكت ) في مسرحية ( في انتظار كودو ) تظهر شخصية كودو على ألسن الشخصيات ولا تظهر على النص ، في حين يعتبر الدافع الاساسي لوجود وتأسيس المسرحية على الانتظار بلا جدوى والذي لا ولن يظهر في المسرحية ، بوصف ان المسرحية مادتها الانتظار الذي لا ينتهي بمجيء كودو ، وهنا يحيلنا تساؤل مهم ؟ ماذا ينتظر وما فائدة الانتظار لمن لا يأتي أصلاً ؟ ويكمن الجواب في ان ثيمة العمل الدرامي هو حيرة النص والفكرة التأسيسية لواقع غير مفهوم وغير ممكن الحدوث ، وهي مفارقة علنية للاجدوى الوجود الذي عرف ضمن مسرح العبث واللامعقول . هنا يتكرر المشهد ضمن رؤية مؤلفنا ( العبادي ) وهو يطرح فكرة الانتحار ضمن نصه المقنن والمكثف المختزل بحواراته العميقة عبر شخصياته (الاول ، والثاني ) التي جاءت على وفق السياق الحداثوي ضمن تسميتها عند كتاب العبث واللامعقول وفقدت الشخصية اسمها وعادت الى درجة الصفر عبر الاشارة الى وظيفتها أو ما تقوم به ضمن وضعها الاسري في المنزل أو سنها وفقدت وضعها الاجتماعي ، اما بيئة النص فقد وضع لنا المؤلف بيئة حدث خالية من الناس ووضع محور الصراع بين الاول والثاني فيما أهمل شخصية (السائق ) الذي وضعه ضمن تسلسل الشخصيات غير انه لا دور له ولا حوار ، ولربما تعمد ذلك في اشارة واضحة لطبيعة النص الدرامي وهو المقابل الموضوعي لـ( كودو) أما المدينة المهجورة فهي اشبه بمحطة لا تغني ولا تسمن بوصفها عتبة من عتبات النص يتكرر ضمنها المشهد الحواري المتبادل بين الشخصيتين دون نهاية تذكر . لقد حول كتاب العبث الشخصية الى هيكل اجتماعي واخلاقي ونفسي ، وحرموها من الماضي والمستقبل ، وعزلوها عن الجماعة التي تنتمي اليها وقطعوا كل صلة بينها وبين الاخرين ، واصبحت شخصيات مسرح العبث قابلة للتبادل فيما بينها ، ، واصبح ادائها آلياً وكلماتها تكراراً عابثاً ، بمعنى ان كلماتها تحولت الى دمى . وقد يحدث في المسرحية شيء ما لكنه يحدث خلالها لا بواسطتها ابداً ، بيد ان الشخصية صارت عاجزة عن التحكم في لغتها وبخاصة في اللحظة التي تتجه فيها الى التحلل ، وبالوقت ذاته اصبحت غير قادرة على تقديم الحلول ووضوح الفكرة والارادة والوعي بالذات ، واما وجهها وجسمها صارا عنصرين لا يصوران شخصاً بعينه بل شخصاً مجهولاً أو اكثر ، فيما ان الصفة المشتركة في مسرحيات كتاب العبث هي عدم وجود اي علاقة بينها وبين الانسان العادي الذي يفعل شيئاً ما ويفكر وينجز ويشعر ويحس ..
تلك النظرة الفاحصة للنص الدرامي ومرجعيات مسرح العبث تظهر جليا في نص ( تمرين مقرف) إذ ان طبيعة التمرين هنا والتسمية بحد ذاتها تبعث على الغرابة وعبثية التسمية التي سلط كاتبنا الضوء عليها بوصفها حوارية قدمت انموذجا مختلفاً عن الحياة وسيرورتها وطرائق الموت التي بحث عنها شخوص النص ( الاول والثاني ) ناهيك عن تداخل الافكار وعمق الصورة التعبيرية الرمزية في انتقال الحوار بينهما .
الثاني : متى سنموت ؟ سؤال يعد لغزاً محيراً دأب على طرحه عدد غير قليل من البشر وهو حتمية مؤجلة لا يعلمها الا الله الخالق . وهي رحلة بين الزمن الافتراضي الذي نعيشه وعالم الحياة التي تأكل من اعمارنا سنينها شيئاً فشيئا . اما طبيعة الاقتراح الذي صاغه كاتبنا على لسان الشخصيات فهو اللاجدوى من الوجود والعدمية التي طالما بقيت شاخصة عن البعض وعدم امتلاك زمام الامور والقرار فيما نحن فيه وعليه ، وهو عالم من الجدل المبني على تساؤلات غير منقطعة وتبحث عن اجابة منطقية .
حاول المؤلف اضفاء روح الدعابة على النص عبر التلاعب بالكلمات والالفاظ وهي مرحلة مهمة من مراحل بنائية النص والهدم الدرامي وتشابك المعنى ، إذ يتجلى ذلك في حوار الاول ( الاول : إذا كان الامر يتعلق بهذا الموضوع ، فكلي آذان طاغية ) الثاني : ( متفاجئاً : ماذا … طاغية ، ما علاقة الطغيان بالاصغاء ؟ .. ) خالقاً روحا اضافية للنص مازجا الكوميديا السوداء بالعبث وهي التفاتة مهمة وحيوية لسيرورة النص المقروء . وقد توحي لنا بعض مفاتيح النص الدرامي فكرة انتلجنيسيا النص التي تعني القدرة على التفكير ورجاحة العقل عبر شبكة محكمة من المعالجات الافتراضية الراسخة بين الابهار والاضحاك والفنتازيا في طرح أسئلة غير مبررة واجوبة غير مترابطة ولا مقنعة ، إذ تخلل الموت الانتحار والرصاص والمشنقة غير ان الطريقة لم تتحقق لعدم وجود عنصر التفسير لتلك المفارقات والقدرة على تنفيذه فمن يبدأ ومن يحرك عجلة المسير بتشييع الجنائز ومن هو أسبق مِن مَن ؟؟ إذن هناك فكرة بالمقابل غير ممكنة الحدوث وهذا هو بناء النص غير المترابط المفكك ولا يوجد من يساعد في اتمام العملية . المدينة منقطعة عن العالم معتمة لا وصف لها سوى انها غائبة عن الوجود ، فما هي ومن أين تبدأ وكيف تكون بها النهايات ، النهايات مفتوحة عائمة واشكالية الحوادث متناقضة تنتهي مع بداية كل كلمة وتبدأ من حيث انتهى الاول والثاني مع حضور الصمت وغياب ايقاعية الشخصية ولا وجود لمن يأتي للمساعدة في الانتحار وكل الامور بنيت على التخمين وتحكم الشخصيتين مسميات (الابله ،المهرج ، الفاشل ، الحطاب ، البائس ) كل تلك المسميات من خيال الكاتب وهي ذات ايحاءات تعزز مكامن قوة وفعالية النص الدرامي مع غياب الحلول ( الثاني : ان الحياة مع البائسين مستحيلة ..
الاول : وتعتقد ان الحياة مع الفاشلين ممكن ان تستقيم ؟ ) نحن نتعامل مع منظومة من الكلمات ذات العمق الدلالي والمسكوت عنه وقول ما لا يمكن قوله في تشفير المعنى ومشكلة دون حلول تذكر ..
الزمن في النص يمثل اشكالية فهو حاضر غائب يتلاشى هنا ويظهر هناك عبر تداخل المعنى وتشابك الالفاظ يمشي كالسلحفاة ، بوصف ان درامية النص تعد مجموعة من المرادفات فيها بعداً اركيولوجياً ( علم دراسة ماضي الانسان وتطور حضاراته خلال التنقيب عن البقايا المادية وتحليلها) التي تعيد دراسة واقع الانسان وحفريات الماضي وظفها كاتبنا وسلط عليها الضوء لتعرية المجتمع الحالي ( الاول : اختلفنا فيه كثيراً حتى ابتعدنا عنه أكثر ) فلسفة الوجود والعدم وهي مناجاة الله التي لا جدوى منها يعزو ذلك لسبب الابتعاد عنه فلا يجيب ، بوصف ان الله تعالى طلب من العبد الدعاء ( ادعوني استجب ) غير ان ما يرتكبه البشر من معصية وحماقات تحول بينه وبين صلة الوصل مع الخالق وهنا تكمن المفارقة في قول شخصية الاول وهو مدرك ان الابتعاد عن الله سبب لهم عدم قبول ما يصبون اليه ، ترجمها بلغة يسيرة كاتبنا وهذا ما حصدته ايادينا .
تكمن فكرة التمرين بوصفها تحريضاً على التمرد والخروج عن المألوف ، إذ ان كثير من الناس يحاولون ايجاد بدائل عن الموت ولربما سبب مقنع للحياة مبتعدين عن فكرة ان الموت آت لا محال ( الاول : ما هو رأيك لو مات الجميع وما بقيت انت وشخص اخر كأن اكون انا ؟ ) وكأن لسان حال الشخصية تريد ان تقول ( لا اريد الموت ) مثل ذلك السؤال الذي يضع المتلقي في خانة من التفكير الجاد والحلول الطوباوية ليرد عليه الثاني ( اكاد أجن ، أيعني هناك من يشاركنا الحياة ؟) وكأن الحياة والموت فصلت لهما دون منازع الامر الذي يحيلنا الى سؤال مهم : لو كان الموت والحياة يتحكم به البشر ولهم سلطان عليه ما هي النتائج وماذا يحل بالبشرية ؟ سؤال يصعب الاجابة عليه ولربما يلخص بكلمة (مجتمع الغاب) الذي لا حياة للضعيف فيه ولا مأمن للقوي من خطره .
وضعنا مؤلف النص في مجموعة من الافتراضات والتساؤلات التي لابد منها ويبدو انه اتقن لعبة صياغة النص وجدلية الوجود ، غير ان هنالك بعض الملاحظات التي من الواجب ذكرها ألا وهي : ان القسم بالله غير واجب ضمن هكذا نصوص جدلية واتمنى من المؤلف الابتعاد عنها واتاحة الفرصة للمتلقي الوقوف امام النص وتعويمه بدل فرض مساحة ربما تجيب على جهة ما ضمن حدود النص ، إذ ان النص شمولي وفيه من الافكار والتداخلات ما يجعله اكثر نضجاً ، إضافة الى ان النص تناول اكثر من فكرة ولربما تأثر المؤلف بعدد من القراءات الحداثية ابرزها (مسرحية في انتظار كودو ، مسرحية الباب ليوسف الصائغ ، وغيرهما ) ومن المؤكد يبقى هذا رأيي كمتلقي ، وملاحظة اخيرة هي في تسمية النص فلو كان النص تحت عنوان تمرين افتراضي للموت لربما – من وجهة نظري – اكثر بلاغة وقوة للمتلقي ..
ختاما ً: يعد العبادي من الكتاب المهمين والبارزين وله باع كبير في كتابة النصوص الجدلية المغايرة التي طالما شدتني الى التفكير والتي أشعر بمسؤولية كبيرة عند قراءتها وتحليلها وتوخي الدقة فيما يتناوله فيها بوصفها نصوصاً ذات ابعاد فلسفية فكرية سياسية يتجلى فيها الصراع الخفي القادر على تحريك الذهن وتقويض العقل الناضج وتحاكي قضايا المجتمع بتعبيرية حاذقة وحذرة .. هنيئا لنا بكم اديبنا المتميز وانت تكتب متجاوزا الذهنية التقليدية …

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. طالب هاشم بدن
د. طالب هاشم بدن
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تمرين ساخن للموت .. دراسة تحليلية نقدية لمسرحية ( تمرين مقرف ) للكاتب علي العبادي

بقلم: د. طالب هاشم بدن | التاريخ: 10 أكتوبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

 

يعد الكاتب العراقي علي العبادي ايقونة من ايقونات الادب العراقي المعاصر الذي اجتهد في كتابته للنصوص الجمالية الابداعية الخلاقة التي تحيل المتلقي الى عوالم من الخيال والتفكير في اعماق النص الدرامي ، إذ مزج بين الايهامي والسردي من جهة وبين العبثي والبوهيمي من جهة اخرى ، وهذا ما لمسناه في نصوصه الجدلية التي اعتاد على تقديمها برؤى مغايرة في تناوله حركة حبكة الصراع .
بيد ان تأثره في كتاب العبث واللامعقول اضفى على مؤلفاته بعداً جمالياً معرفياً استقى ونهل منه الشيء الكثير ، الامر الذي بات واضحاً في نصه (تمرين مقرف ) إذ وضع لمساته المهمة في صياغة حواراته داخل النص الانف الذكر . ولو تطرقنا الى كتاب مسرح العبث واللامعقول لوجدنا ان عددا كبيرا منهم تناول حواراته بشكل متقطع يكاد يكون غير مترابط وغير مفهوم ، وخير مثال على ذلك ما قدمه ( صموئيل بيكت ) في مسرحية ( في انتظار كودو ) تظهر شخصية كودو على ألسن الشخصيات ولا تظهر على النص ، في حين يعتبر الدافع الاساسي لوجود وتأسيس المسرحية على الانتظار بلا جدوى والذي لا ولن يظهر في المسرحية ، بوصف ان المسرحية مادتها الانتظار الذي لا ينتهي بمجيء كودو ، وهنا يحيلنا تساؤل مهم ؟ ماذا ينتظر وما فائدة الانتظار لمن لا يأتي أصلاً ؟ ويكمن الجواب في ان ثيمة العمل الدرامي هو حيرة النص والفكرة التأسيسية لواقع غير مفهوم وغير ممكن الحدوث ، وهي مفارقة علنية للاجدوى الوجود الذي عرف ضمن مسرح العبث واللامعقول . هنا يتكرر المشهد ضمن رؤية مؤلفنا ( العبادي ) وهو يطرح فكرة الانتحار ضمن نصه المقنن والمكثف المختزل بحواراته العميقة عبر شخصياته (الاول ، والثاني ) التي جاءت على وفق السياق الحداثوي ضمن تسميتها عند كتاب العبث واللامعقول وفقدت الشخصية اسمها وعادت الى درجة الصفر عبر الاشارة الى وظيفتها أو ما تقوم به ضمن وضعها الاسري في المنزل أو سنها وفقدت وضعها الاجتماعي ، اما بيئة النص فقد وضع لنا المؤلف بيئة حدث خالية من الناس ووضع محور الصراع بين الاول والثاني فيما أهمل شخصية (السائق ) الذي وضعه ضمن تسلسل الشخصيات غير انه لا دور له ولا حوار ، ولربما تعمد ذلك في اشارة واضحة لطبيعة النص الدرامي وهو المقابل الموضوعي لـ( كودو) أما المدينة المهجورة فهي اشبه بمحطة لا تغني ولا تسمن بوصفها عتبة من عتبات النص يتكرر ضمنها المشهد الحواري المتبادل بين الشخصيتين دون نهاية تذكر . لقد حول كتاب العبث الشخصية الى هيكل اجتماعي واخلاقي ونفسي ، وحرموها من الماضي والمستقبل ، وعزلوها عن الجماعة التي تنتمي اليها وقطعوا كل صلة بينها وبين الاخرين ، واصبحت شخصيات مسرح العبث قابلة للتبادل فيما بينها ، ، واصبح ادائها آلياً وكلماتها تكراراً عابثاً ، بمعنى ان كلماتها تحولت الى دمى . وقد يحدث في المسرحية شيء ما لكنه يحدث خلالها لا بواسطتها ابداً ، بيد ان الشخصية صارت عاجزة عن التحكم في لغتها وبخاصة في اللحظة التي تتجه فيها الى التحلل ، وبالوقت ذاته اصبحت غير قادرة على تقديم الحلول ووضوح الفكرة والارادة والوعي بالذات ، واما وجهها وجسمها صارا عنصرين لا يصوران شخصاً بعينه بل شخصاً مجهولاً أو اكثر ، فيما ان الصفة المشتركة في مسرحيات كتاب العبث هي عدم وجود اي علاقة بينها وبين الانسان العادي الذي يفعل شيئاً ما ويفكر وينجز ويشعر ويحس ..
تلك النظرة الفاحصة للنص الدرامي ومرجعيات مسرح العبث تظهر جليا في نص ( تمرين مقرف) إذ ان طبيعة التمرين هنا والتسمية بحد ذاتها تبعث على الغرابة وعبثية التسمية التي سلط كاتبنا الضوء عليها بوصفها حوارية قدمت انموذجا مختلفاً عن الحياة وسيرورتها وطرائق الموت التي بحث عنها شخوص النص ( الاول والثاني ) ناهيك عن تداخل الافكار وعمق الصورة التعبيرية الرمزية في انتقال الحوار بينهما .
الثاني : متى سنموت ؟ سؤال يعد لغزاً محيراً دأب على طرحه عدد غير قليل من البشر وهو حتمية مؤجلة لا يعلمها الا الله الخالق . وهي رحلة بين الزمن الافتراضي الذي نعيشه وعالم الحياة التي تأكل من اعمارنا سنينها شيئاً فشيئا . اما طبيعة الاقتراح الذي صاغه كاتبنا على لسان الشخصيات فهو اللاجدوى من الوجود والعدمية التي طالما بقيت شاخصة عن البعض وعدم امتلاك زمام الامور والقرار فيما نحن فيه وعليه ، وهو عالم من الجدل المبني على تساؤلات غير منقطعة وتبحث عن اجابة منطقية .
حاول المؤلف اضفاء روح الدعابة على النص عبر التلاعب بالكلمات والالفاظ وهي مرحلة مهمة من مراحل بنائية النص والهدم الدرامي وتشابك المعنى ، إذ يتجلى ذلك في حوار الاول ( الاول : إذا كان الامر يتعلق بهذا الموضوع ، فكلي آذان طاغية ) الثاني : ( متفاجئاً : ماذا … طاغية ، ما علاقة الطغيان بالاصغاء ؟ .. ) خالقاً روحا اضافية للنص مازجا الكوميديا السوداء بالعبث وهي التفاتة مهمة وحيوية لسيرورة النص المقروء . وقد توحي لنا بعض مفاتيح النص الدرامي فكرة انتلجنيسيا النص التي تعني القدرة على التفكير ورجاحة العقل عبر شبكة محكمة من المعالجات الافتراضية الراسخة بين الابهار والاضحاك والفنتازيا في طرح أسئلة غير مبررة واجوبة غير مترابطة ولا مقنعة ، إذ تخلل الموت الانتحار والرصاص والمشنقة غير ان الطريقة لم تتحقق لعدم وجود عنصر التفسير لتلك المفارقات والقدرة على تنفيذه فمن يبدأ ومن يحرك عجلة المسير بتشييع الجنائز ومن هو أسبق مِن مَن ؟؟ إذن هناك فكرة بالمقابل غير ممكنة الحدوث وهذا هو بناء النص غير المترابط المفكك ولا يوجد من يساعد في اتمام العملية . المدينة منقطعة عن العالم معتمة لا وصف لها سوى انها غائبة عن الوجود ، فما هي ومن أين تبدأ وكيف تكون بها النهايات ، النهايات مفتوحة عائمة واشكالية الحوادث متناقضة تنتهي مع بداية كل كلمة وتبدأ من حيث انتهى الاول والثاني مع حضور الصمت وغياب ايقاعية الشخصية ولا وجود لمن يأتي للمساعدة في الانتحار وكل الامور بنيت على التخمين وتحكم الشخصيتين مسميات (الابله ،المهرج ، الفاشل ، الحطاب ، البائس ) كل تلك المسميات من خيال الكاتب وهي ذات ايحاءات تعزز مكامن قوة وفعالية النص الدرامي مع غياب الحلول ( الثاني : ان الحياة مع البائسين مستحيلة ..
الاول : وتعتقد ان الحياة مع الفاشلين ممكن ان تستقيم ؟ ) نحن نتعامل مع منظومة من الكلمات ذات العمق الدلالي والمسكوت عنه وقول ما لا يمكن قوله في تشفير المعنى ومشكلة دون حلول تذكر ..
الزمن في النص يمثل اشكالية فهو حاضر غائب يتلاشى هنا ويظهر هناك عبر تداخل المعنى وتشابك الالفاظ يمشي كالسلحفاة ، بوصف ان درامية النص تعد مجموعة من المرادفات فيها بعداً اركيولوجياً ( علم دراسة ماضي الانسان وتطور حضاراته خلال التنقيب عن البقايا المادية وتحليلها) التي تعيد دراسة واقع الانسان وحفريات الماضي وظفها كاتبنا وسلط عليها الضوء لتعرية المجتمع الحالي ( الاول : اختلفنا فيه كثيراً حتى ابتعدنا عنه أكثر ) فلسفة الوجود والعدم وهي مناجاة الله التي لا جدوى منها يعزو ذلك لسبب الابتعاد عنه فلا يجيب ، بوصف ان الله تعالى طلب من العبد الدعاء ( ادعوني استجب ) غير ان ما يرتكبه البشر من معصية وحماقات تحول بينه وبين صلة الوصل مع الخالق وهنا تكمن المفارقة في قول شخصية الاول وهو مدرك ان الابتعاد عن الله سبب لهم عدم قبول ما يصبون اليه ، ترجمها بلغة يسيرة كاتبنا وهذا ما حصدته ايادينا .
تكمن فكرة التمرين بوصفها تحريضاً على التمرد والخروج عن المألوف ، إذ ان كثير من الناس يحاولون ايجاد بدائل عن الموت ولربما سبب مقنع للحياة مبتعدين عن فكرة ان الموت آت لا محال ( الاول : ما هو رأيك لو مات الجميع وما بقيت انت وشخص اخر كأن اكون انا ؟ ) وكأن لسان حال الشخصية تريد ان تقول ( لا اريد الموت ) مثل ذلك السؤال الذي يضع المتلقي في خانة من التفكير الجاد والحلول الطوباوية ليرد عليه الثاني ( اكاد أجن ، أيعني هناك من يشاركنا الحياة ؟) وكأن الحياة والموت فصلت لهما دون منازع الامر الذي يحيلنا الى سؤال مهم : لو كان الموت والحياة يتحكم به البشر ولهم سلطان عليه ما هي النتائج وماذا يحل بالبشرية ؟ سؤال يصعب الاجابة عليه ولربما يلخص بكلمة (مجتمع الغاب) الذي لا حياة للضعيف فيه ولا مأمن للقوي من خطره .
وضعنا مؤلف النص في مجموعة من الافتراضات والتساؤلات التي لابد منها ويبدو انه اتقن لعبة صياغة النص وجدلية الوجود ، غير ان هنالك بعض الملاحظات التي من الواجب ذكرها ألا وهي : ان القسم بالله غير واجب ضمن هكذا نصوص جدلية واتمنى من المؤلف الابتعاد عنها واتاحة الفرصة للمتلقي الوقوف امام النص وتعويمه بدل فرض مساحة ربما تجيب على جهة ما ضمن حدود النص ، إذ ان النص شمولي وفيه من الافكار والتداخلات ما يجعله اكثر نضجاً ، إضافة الى ان النص تناول اكثر من فكرة ولربما تأثر المؤلف بعدد من القراءات الحداثية ابرزها (مسرحية في انتظار كودو ، مسرحية الباب ليوسف الصائغ ، وغيرهما ) ومن المؤكد يبقى هذا رأيي كمتلقي ، وملاحظة اخيرة هي في تسمية النص فلو كان النص تحت عنوان تمرين افتراضي للموت لربما – من وجهة نظري – اكثر بلاغة وقوة للمتلقي ..
ختاما ً: يعد العبادي من الكتاب المهمين والبارزين وله باع كبير في كتابة النصوص الجدلية المغايرة التي طالما شدتني الى التفكير والتي أشعر بمسؤولية كبيرة عند قراءتها وتحليلها وتوخي الدقة فيما يتناوله فيها بوصفها نصوصاً ذات ابعاد فلسفية فكرية سياسية يتجلى فيها الصراع الخفي القادر على تحريك الذهن وتقويض العقل الناضج وتحاكي قضايا المجتمع بتعبيرية حاذقة وحذرة .. هنيئا لنا بكم اديبنا المتميز وانت تكتب متجاوزا الذهنية التقليدية …