حدود التأويل المسرحي بين سلطة المدونة وانفتاح الخشبة

صورة الكاتب
بقلم: حيدر عبدالله الشطري
التاريخ: 29 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3648
حدود التأويل المسرحي بين سلطة المدونة وانفتاح الخشبة

النص المسرحي كائن قلق، لا يشبه في هذا سائر الأجناس الأدبية فهو وحده ينتظر ولادة ثانية تتم على الخشبة في لغة الجسد والسينوغرافيا والضوء وهذا الانتقال من الورق إلى العرض الحي هو ما يفتح الباب واسعاً أمام التأويل لكن الباب المفتوح ليس فضاءً بلا جدران فثمة خط رفيع يفصل بين إضاءة النص وتزييفه وبين قراءة عميقة له وإسقاط تعسفي عليه.
تنبع حدود التأويل أولاً من بنية النص الدرامية نفسها، ومن سياقه الزماني والمكاني والنفسي. فكل نص مسرحي شبكة معقدة من العلاقات والصراعات، نشأت في بيئة محددة لا يمكن تجاهلها بسهولة والمخرج أو الناقد حين يقترب من هذه الشبكة يعمل كمن يفكّك آلة دقيقة ليعيد تركيبها فهو يستنطق المسكوت عنه ويفكّ شفرة الاستعارة لكنه إذا تجاوز منطق الشخصيات الداخلي أو هدم الانسجام البنيوي بحجة التحديث انزلق العمل نحو العبث فالبنية الدرامية بوصلة وإن غابت أو انطمست تاه العرض كله في فوضى لا قرار لها.
في النظرية النقدية، وخصوصاً عند مفكري التلقي كـ(أمبرتو إيكو) تحتدم جدلية بين سلطتين هما سلطة النص كمرجع ثابت وحرية المؤوِّل مخرجاً كان أم ناقداً. والنص المكتوب يملك حقوقاً تنبع من بنيته الصلبة وليس صفحة بيضاء تُشحن بأي فكرة عابرة تخطر على بال أحد. وفي المقابل يملك المخرج حقاً أصيلاً في ابتكار حلول بصرية تمنح النص نبضاً معاصراً. والرصانة تكمن في التفاوض بين الطرفين، وتنتهي حرية المخرج تماماً عند النقطة التي تبدأ فيها إبادة هوية النص فالتأويل الناجح يمد جسراً بين لحظة الكتابة ولحظة العرض لا يلغي إحداهما الأخرى.
ويجب أن ننظر الى مستويين متكاملين لفهم العملية، الاول فهم قصدي يلتفت إلى غايات المؤلف الأولى وسياقه، وهو الذي يمنع النص من الانفلات التام، والثاني فهم جوهري يتجه نحو الحقيقة الإنسانية المنكشفة في العمل وهذه حقيقة عابرة للأزمنة لا تخصّ زمن الكتابة وحده وحدود التأويل الرصين تقف بين هذين المستويين فالانغلاق على القصدية الحرفية يميت المسرح والانفلات في تأويل بلا مرجعية يحيله إلى شظايا لا يجمعها رابط فالحدود إذن وعي بأن النص يحمل أكثر مما قصده كاتبه لكن هذا الأكثر يبقى نبتة من تربة العمل نفسه لا غرساً غريباً عليها.
النص المسرحي ابن بيئة ثقافية بعينها فإذا انتقل عبر الترجمة أو الاقتباس إلى خشبة تنتمي لثقافة مغايرة ازدادت حدود التأويل حساسية وعلى المؤوِّل هنا أن يحافظ على المغزى الإنساني الشامل فقيمة المسرح التنويرية في مخاطبته المشترك بين البشر جميعاً، وأما إقحام إسقاطات سياسية فجّة بذريعة المحلية أو المعاصرة فغالباً ما ينتهي بتشويه وعي المتلقي وقطع صلته بعمق النص الفلسفي لأن التأويل الحق يترجم القيم الكونية بوعي محلي دون أن يسقط في التبسيط أو التزييف الثقافي.
ولنأخذ (هاملت) مثالاً فهي الأبرز في هذا الحقل. صُممت المسرحية ببنية تحتمل قراءات لا تُحصى لكنها وضعت في الوقت نفسه كوابح داخلية تحمي جوهرها فالنص مليء بفراغات منها تردد البطل وطبيعة الشبح وجنونه بين المفتعل والحقيقي ومع ذلك تقف الحدود عند عدة كوابح
فيمكن أن يُؤوَّل هاملت كقضية سياسية على السلطة في الدنمارك أو عقدة أوديبية تجاه الأم أو أزمة وجودية لكن التأويل يقف صارماً عند بقاء المحرك الأصلي؛ خلل كوني وأخلاقي وقع باغتيال الأب واغتصاب العرش ومحاولة لتطهير هذا الخلل فإن ألغى المخرج هذا الصراع الأخلاقي وحوّل هاملت إلى مجرم سادي لا يعنيه مقتل أبيه انهار النص وفقد هويته.
والكابح الاخر هو اتساق نفسي للشخصيات فقد تتحمل أوفيليا تأويلات تُخرجها من صورة الفتاة المستسلمة إلى ضحية القمع الأبوي والسياسي لكن التأويل يقف عند عجزها عن المواجهة ذلك العجز الذي يقودها إلى الجنون فالانتحار أما تحويلها إلى قائدة ثورية مسلحة داخل القصر فذلك يخرج من التأويل إلى إعادة كتابة كاملة، والكابح الاخير هو لغة النص وشعريتها فمونولوغات هاملت وفي مقدمتها (أكون أو لا أكون) أنساق فلسفية متكاملة يقف التأويل عند فك شفرة هذا القلق الإنساني أما إفراغها من حمولتها الفلسفية سعياً وراء صدمة بصرية عابرة أو تحويلها إلى شعارات سياسية مباشرة فذلك اعتداء على سلطة النص المعرفية.
ومع بروز جيل من المخرجين الطليعيين الذين أعادوا تعريف علاقة الخشبة بالنص انتقل المسرح من تفسير النص إلى كتابة العرض، ولم نعد أمام مؤوِّل يلتزم بحدود النص وانما أمام ذوبان شبه كامل للحدود بين كاتب النص وصانع العرض، فالنص، حتى لو كان هاملت نفسه لم يعد مقدساً أو غاية في ذاته وصار مادة أولية بين وسائط أخرى هي الإضاءة الموسيقى جسد الممثل والمخرج لا يخدم النص بقدر ما يستخدمه لخدمة رؤيته الخاصة.
فحين أخرج (أوسترمير) هاملت قام بتقليص الشخصيات إلى ستة وجعل الممثلين يتبادلون الأدوار على الخشبة وأقحم عناصر تفاعلية مع الجمهور بالكاميرات الحية والوحل ولم يعد وسيطاً ينقل أفكار شكسبير وأصبح شريكاً في التأليف عبر الحذف والإضافة وتفكيك اللغة لمصلحة الجسد والصورة وفي هذه المخاطرة حيوية آسرة تجعل العرض ابن لحظته لكنها قد تنزلق أيضاً إلى ديكتاتورية بصرية إن غاب الوعي الفكري فيتحول العرض إلى استعراض تقني مجرد من أي عمق إنساني.
ونص (هاملت) يثبت أن النص العظيم مرن بما يكفي ليتشكل بطرق شتى على الخشبة لكن حين تذوب الحدود تماماً في تجربة المخرج المؤلف لا يعود الرهان النقدي على أمانة المخرج للنص وانما على أصالة الرؤية الإنسانية التي خلقتها الخشبة بديلاً عن المدونة المكتوبة.
أما موقف المتلقي فهو قلب المعضلة الجمالية للمسرح المعاصر ولم يعد الجمهور مستهلكاً سلبياً يجلس في العتمة منتظراً توضيحاً لما قاله المؤلف وصار بفعل تجارب المخرج المؤلف شريكاً في إنتاج المعنى وأحياناً ضحية لغموض العرض.
ومن يذهب لمشاهدة هاملت يحمل في وعيه صوراً نمطية هي أمير وسيم وملابس مخملية وإلقاء شعري فخم فإذا رآه يتمرغ في الوحل أو يتحدث بالعامية أو يرتدي جينزاً ممزقاً كما فعل أوسترمير أصابته صدمة معرفية إذ يشعر بأن مرجعه البصري والنصي المستقر قد تهشّم فينشأ إحساس بالاغتراب ورفض للعرض، وفي المقابل يجد المتلقي المتحرر من تقديس النص متعة مضاعفة في هذا الذوبان فغياب التفسير الجاهز يجبره على تشغيل مخيلته النقدية فيصبح العرض أحجية لا تمنح إجابات بل تطرح أسئلة ويصير هو نفسه مؤلفاً ثالثاً يعيد ترتيب شظايا الصورة ويربط بين حركة الجسد المشوهة وصرخة هاملت الداخلية وفي هذه الحرية لذة فكرية لا يظفر بها في المسرح التفسيري التقليدي.
لقد أدى صعود المخرج المؤلف إلى تراجع سلطة الكلمة لمصلحة سلطة الصورة والسينوغرافيا وأعاد تشكيل حاسة المتلقي النقدية فبات يتلقى العرض بحواسه كلها لا بأذنه وحدها غير أن هذا التحول يحمل فخاً كامناً هو فخ الديكتاتورية البصرية حيث يقف المتلقي أحياناً عاجزاً أمام استعراض تقني مبهر بصرياً وفارغ فكرياً يُحرم فيه من أي عمق إنساني مقابل إبهار تكنولوجي محض فتُفرغ وظيفة المسرح التطهيرية والتنويرية من مضمونها.
وحدود التأويل في النص المسرحي سياجات تحمي الإبداع من التلاشي وتقف حارسة على النواة الفكرية الصلبة للنص لتذكّرنا بأن المسرح مع كونه فن الحرية والتحول يبقى محكوماً بأخلاقيات قراءة تحترم الكلمة وتجعل من الخشبة فضاءً لإحياء المعنى لا لقتله وموقف المتلقي في هذا كله هو موقف قلق بامتياز حيث تحول من قارئ يبحث عن مطابقة العرض لأصل مكتوب إلى مكتشف يبحر في فضاء علاماتي مفتوح وتكمن جدارة المخرج المؤلف في قدرته على قيادة هذا المكتشف نحو متعة صعبة متعة التفكير واكتشاف المعنى البديل دون أن يوقعه في بئر التيه والغموض العبثي.

عن الکاتب / الکاتبة

حيدر عبدالله الشطري
حيدر عبدالله الشطري
کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حدود التأويل المسرحي بين سلطة المدونة وانفتاح الخشبة

بقلم: حيدر عبدالله الشطري | التاريخ: 29 سبتمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

النص المسرحي كائن قلق، لا يشبه في هذا سائر الأجناس الأدبية فهو وحده ينتظر ولادة ثانية تتم على الخشبة في لغة الجسد والسينوغرافيا والضوء وهذا الانتقال من الورق إلى العرض الحي هو ما يفتح الباب واسعاً أمام التأويل لكن الباب المفتوح ليس فضاءً بلا جدران فثمة خط رفيع يفصل بين إضاءة النص وتزييفه وبين قراءة عميقة له وإسقاط تعسفي عليه.
تنبع حدود التأويل أولاً من بنية النص الدرامية نفسها، ومن سياقه الزماني والمكاني والنفسي. فكل نص مسرحي شبكة معقدة من العلاقات والصراعات، نشأت في بيئة محددة لا يمكن تجاهلها بسهولة والمخرج أو الناقد حين يقترب من هذه الشبكة يعمل كمن يفكّك آلة دقيقة ليعيد تركيبها فهو يستنطق المسكوت عنه ويفكّ شفرة الاستعارة لكنه إذا تجاوز منطق الشخصيات الداخلي أو هدم الانسجام البنيوي بحجة التحديث انزلق العمل نحو العبث فالبنية الدرامية بوصلة وإن غابت أو انطمست تاه العرض كله في فوضى لا قرار لها.
في النظرية النقدية، وخصوصاً عند مفكري التلقي كـ(أمبرتو إيكو) تحتدم جدلية بين سلطتين هما سلطة النص كمرجع ثابت وحرية المؤوِّل مخرجاً كان أم ناقداً. والنص المكتوب يملك حقوقاً تنبع من بنيته الصلبة وليس صفحة بيضاء تُشحن بأي فكرة عابرة تخطر على بال أحد. وفي المقابل يملك المخرج حقاً أصيلاً في ابتكار حلول بصرية تمنح النص نبضاً معاصراً. والرصانة تكمن في التفاوض بين الطرفين، وتنتهي حرية المخرج تماماً عند النقطة التي تبدأ فيها إبادة هوية النص فالتأويل الناجح يمد جسراً بين لحظة الكتابة ولحظة العرض لا يلغي إحداهما الأخرى.
ويجب أن ننظر الى مستويين متكاملين لفهم العملية، الاول فهم قصدي يلتفت إلى غايات المؤلف الأولى وسياقه، وهو الذي يمنع النص من الانفلات التام، والثاني فهم جوهري يتجه نحو الحقيقة الإنسانية المنكشفة في العمل وهذه حقيقة عابرة للأزمنة لا تخصّ زمن الكتابة وحده وحدود التأويل الرصين تقف بين هذين المستويين فالانغلاق على القصدية الحرفية يميت المسرح والانفلات في تأويل بلا مرجعية يحيله إلى شظايا لا يجمعها رابط فالحدود إذن وعي بأن النص يحمل أكثر مما قصده كاتبه لكن هذا الأكثر يبقى نبتة من تربة العمل نفسه لا غرساً غريباً عليها.
النص المسرحي ابن بيئة ثقافية بعينها فإذا انتقل عبر الترجمة أو الاقتباس إلى خشبة تنتمي لثقافة مغايرة ازدادت حدود التأويل حساسية وعلى المؤوِّل هنا أن يحافظ على المغزى الإنساني الشامل فقيمة المسرح التنويرية في مخاطبته المشترك بين البشر جميعاً، وأما إقحام إسقاطات سياسية فجّة بذريعة المحلية أو المعاصرة فغالباً ما ينتهي بتشويه وعي المتلقي وقطع صلته بعمق النص الفلسفي لأن التأويل الحق يترجم القيم الكونية بوعي محلي دون أن يسقط في التبسيط أو التزييف الثقافي.
ولنأخذ (هاملت) مثالاً فهي الأبرز في هذا الحقل. صُممت المسرحية ببنية تحتمل قراءات لا تُحصى لكنها وضعت في الوقت نفسه كوابح داخلية تحمي جوهرها فالنص مليء بفراغات منها تردد البطل وطبيعة الشبح وجنونه بين المفتعل والحقيقي ومع ذلك تقف الحدود عند عدة كوابح
فيمكن أن يُؤوَّل هاملت كقضية سياسية على السلطة في الدنمارك أو عقدة أوديبية تجاه الأم أو أزمة وجودية لكن التأويل يقف صارماً عند بقاء المحرك الأصلي؛ خلل كوني وأخلاقي وقع باغتيال الأب واغتصاب العرش ومحاولة لتطهير هذا الخلل فإن ألغى المخرج هذا الصراع الأخلاقي وحوّل هاملت إلى مجرم سادي لا يعنيه مقتل أبيه انهار النص وفقد هويته.
والكابح الاخر هو اتساق نفسي للشخصيات فقد تتحمل أوفيليا تأويلات تُخرجها من صورة الفتاة المستسلمة إلى ضحية القمع الأبوي والسياسي لكن التأويل يقف عند عجزها عن المواجهة ذلك العجز الذي يقودها إلى الجنون فالانتحار أما تحويلها إلى قائدة ثورية مسلحة داخل القصر فذلك يخرج من التأويل إلى إعادة كتابة كاملة، والكابح الاخير هو لغة النص وشعريتها فمونولوغات هاملت وفي مقدمتها (أكون أو لا أكون) أنساق فلسفية متكاملة يقف التأويل عند فك شفرة هذا القلق الإنساني أما إفراغها من حمولتها الفلسفية سعياً وراء صدمة بصرية عابرة أو تحويلها إلى شعارات سياسية مباشرة فذلك اعتداء على سلطة النص المعرفية.
ومع بروز جيل من المخرجين الطليعيين الذين أعادوا تعريف علاقة الخشبة بالنص انتقل المسرح من تفسير النص إلى كتابة العرض، ولم نعد أمام مؤوِّل يلتزم بحدود النص وانما أمام ذوبان شبه كامل للحدود بين كاتب النص وصانع العرض، فالنص، حتى لو كان هاملت نفسه لم يعد مقدساً أو غاية في ذاته وصار مادة أولية بين وسائط أخرى هي الإضاءة الموسيقى جسد الممثل والمخرج لا يخدم النص بقدر ما يستخدمه لخدمة رؤيته الخاصة.
فحين أخرج (أوسترمير) هاملت قام بتقليص الشخصيات إلى ستة وجعل الممثلين يتبادلون الأدوار على الخشبة وأقحم عناصر تفاعلية مع الجمهور بالكاميرات الحية والوحل ولم يعد وسيطاً ينقل أفكار شكسبير وأصبح شريكاً في التأليف عبر الحذف والإضافة وتفكيك اللغة لمصلحة الجسد والصورة وفي هذه المخاطرة حيوية آسرة تجعل العرض ابن لحظته لكنها قد تنزلق أيضاً إلى ديكتاتورية بصرية إن غاب الوعي الفكري فيتحول العرض إلى استعراض تقني مجرد من أي عمق إنساني.
ونص (هاملت) يثبت أن النص العظيم مرن بما يكفي ليتشكل بطرق شتى على الخشبة لكن حين تذوب الحدود تماماً في تجربة المخرج المؤلف لا يعود الرهان النقدي على أمانة المخرج للنص وانما على أصالة الرؤية الإنسانية التي خلقتها الخشبة بديلاً عن المدونة المكتوبة.
أما موقف المتلقي فهو قلب المعضلة الجمالية للمسرح المعاصر ولم يعد الجمهور مستهلكاً سلبياً يجلس في العتمة منتظراً توضيحاً لما قاله المؤلف وصار بفعل تجارب المخرج المؤلف شريكاً في إنتاج المعنى وأحياناً ضحية لغموض العرض.
ومن يذهب لمشاهدة هاملت يحمل في وعيه صوراً نمطية هي أمير وسيم وملابس مخملية وإلقاء شعري فخم فإذا رآه يتمرغ في الوحل أو يتحدث بالعامية أو يرتدي جينزاً ممزقاً كما فعل أوسترمير أصابته صدمة معرفية إذ يشعر بأن مرجعه البصري والنصي المستقر قد تهشّم فينشأ إحساس بالاغتراب ورفض للعرض، وفي المقابل يجد المتلقي المتحرر من تقديس النص متعة مضاعفة في هذا الذوبان فغياب التفسير الجاهز يجبره على تشغيل مخيلته النقدية فيصبح العرض أحجية لا تمنح إجابات بل تطرح أسئلة ويصير هو نفسه مؤلفاً ثالثاً يعيد ترتيب شظايا الصورة ويربط بين حركة الجسد المشوهة وصرخة هاملت الداخلية وفي هذه الحرية لذة فكرية لا يظفر بها في المسرح التفسيري التقليدي.
لقد أدى صعود المخرج المؤلف إلى تراجع سلطة الكلمة لمصلحة سلطة الصورة والسينوغرافيا وأعاد تشكيل حاسة المتلقي النقدية فبات يتلقى العرض بحواسه كلها لا بأذنه وحدها غير أن هذا التحول يحمل فخاً كامناً هو فخ الديكتاتورية البصرية حيث يقف المتلقي أحياناً عاجزاً أمام استعراض تقني مبهر بصرياً وفارغ فكرياً يُحرم فيه من أي عمق إنساني مقابل إبهار تكنولوجي محض فتُفرغ وظيفة المسرح التطهيرية والتنويرية من مضمونها.
وحدود التأويل في النص المسرحي سياجات تحمي الإبداع من التلاشي وتقف حارسة على النواة الفكرية الصلبة للنص لتذكّرنا بأن المسرح مع كونه فن الحرية والتحول يبقى محكوماً بأخلاقيات قراءة تحترم الكلمة وتجعل من الخشبة فضاءً لإحياء المعنى لا لقتله وموقف المتلقي في هذا كله هو موقف قلق بامتياز حيث تحول من قارئ يبحث عن مطابقة العرض لأصل مكتوب إلى مكتشف يبحر في فضاء علاماتي مفتوح وتكمن جدارة المخرج المؤلف في قدرته على قيادة هذا المكتشف نحو متعة صعبة متعة التفكير واكتشاف المعنى البديل دون أن يوقعه في بئر التيه والغموض العبثي.