دور الشباب العربي في مشروع النهضة الثقافية المعاصرة 

صورة الكاتب
بقلم: عدي عدنان البلداوي
التاريخ: 6 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3429
دور الشباب العربي في مشروع النهضة الثقافية المعاصرة 

الشباب لفظ يُراد منه بالمفهوم البيولوجي ، العمر الزمني ، ويقصد به عدد سنوات العمر التي يبلغها الشخص . فيقال عن فلان انه شاب في العشرين من العمر ، والرقم صفة عامة يشترك بها كل من يبلغ عدداً معيناً من سنوات العمر من الجنس البشري، ذكوراً واناثاً ، بغض النظر عن محتوى الشخص ومؤهلاته وملكاته وقدراته ومهاراته وشخصيته وميوله وثقافته .
هناك تعريف آخر ، اوسع مدى من التعريف البيولوجي . انه التعريف السيكولوجي ، يطلق عليه العمر النفسي ، وهو اصطلاح يستخدمه علم النفس للإشارة الى الحالة المعنوية التي عليها الشخص، فعلم النفس لا يشترط عدداً معيناً من سنوات العمر لوصف الشاب بقدر ما يشترط الحالة المعنوية ، مثل استعداد الشاب للتطور ، وحبّه للحياة ، ومقدار حماسته ورغبته في تكوين ذاته واثبات ذاته وبناء شخصيته وطاقة الخير التي لديه .
إذا أضفنا التحصيل التعليمي والمؤهل العلمي الى رصيد عمر الشخص ، سنقف عند رصيد حياتي مهم يمتلكه اليوم عدد كبير جداً من الشباب العربي بحكم السياق العام لحياة كثيرين متمثلاً باتمام الدراسة الجامعية .
إذا قارنّا هذا الرصيد الحياتي الشامل للعمر والتحصيل التعليمي والمعرفي ، بين جيل اليوم والأجيال السابقة في القرن العشرين مثلاً ، سنجد ان هذا الرصيد كان كافياً لمتطلبات حياة تلك المرحلة، لكنه اليوم لم يعد كافياً لمتطلبات حياة المرحلة الحالية التي يعيشها جيل الشباب العربي في ظل عصر التقنية المتطورة ، مع ان القرن العشرين كان عصر تطور علمي ، كما هو عصرنا اليوم ، لكن الفارق بين الاثنين، هو ان التطور العلمي اليوم اخذ يسير بسرعات كبيرة قياساً الى ما كان في السابق.. هذا التطور المتسارع يقتضي تطوراً في ثقافة المجتمع لكي يستطيع افراد المجتمع ان يستوعبوا هذا التطور الحاصل في العالم ، ولأن هذا التطور الثقافي لم يحصل في مجتمعاتنا العربية بموازاة التطور العلمي في الغرب ، فقد ظهرت الآثار السلبية للتطور التقني ، حيث ازدادت متطلبات الحياة ، وكثرت المشاكل الاجتماعية، والمشاكل الأسرية ، والمشاكل الشخصية .. مما اقتضى من المفكرين والباحثين الوقوف على امكانية معالجة هذا الحال ، فرأيتُ ان أضيف الى رصيد عمر الشباب الزمني والنفسي والتعليمي الذي تطرقت اليه ، رصيداً جديداً اطلقت عليه العمر الثقافي ، ولا اقصد بالثقافي هنا ما هو متداول من ان المثقف هو ذلك الشخص الذي يتمتع باطلاع واسع ومعرفة متنوعة ، وهو الذي يعرف شيئاً عن كـل شـيئ ، فـهـذا الـفـهـم الاجـتـمـــاعـي لاصـــطلاح الـثـــقـــافــة مــتــداول ،
ولعله أوسع تداولاً اليوم في ظل التطور العلمي والتقني ، حين صار لدينا مطابع حديثة ، واصدارات كثيرة ومتنوعة من كتب ومجلات ونشرات . وصار بمقدور كل شخص ان يحمّل بواسطة جهاز موبايله الخاص عشرات ومئات الكتب والمعلومات ، وصار بمقدوره ان يقرأ عشرات الكتب ، وعندما دخلت التقنية على خط منافسة الانسان في قدرة الذاكرة على حفظ المعلومات والبيانات والارقام إذ صار بمقدور الحاسوب الشخصي ان يحفظ في ذاكرته الرقمية ما يفوق قدرة ذاكرة الانسان الحية بأضعاف المرات ، لذا صار من الضروري البحث عن مفهوم أوسع للثقافة ، وارى ان هذا الأمر يتحقق من خلال علم الانسان – الانثروبولوجيا – لاهتمامه واشتغاله بكل ما له علاقة بطبيعة وثقافة الانسان ، فهو يتناول تأثير اللغة في الفرد ، ويتناول تأثير الدين في حياة الفرد والمجتمع ، ويأخذ بنظر الاعتبار كل من العادات والتقاليد والتراث الشعبي ، حيث يقوم الباحث الانثروبولوجي بتدوين الحدث الحياتي بتفاصيله كما وقعت ثم يخضعها للتحليل والتأمل والتفكير من اجل التحسين والتطوير والمعالجة .
في القرن العشرين كان اكتشاف الحاسوب يمثل تطوراً علمياً كبيراً ، لكنه لم يؤثر سلباً على طبيعة حياة الفرد والمجتمع كما يحصل مع الموبايل وتطبيقات الانترنت وتقنية الذكاء الاصطناعي .
في القرن العشرين كنا اذا اردنا ان نتعامل مع الحاسوب ، احتجنا الى تعلم لغة من لغات البرمجة ، اعقبتها مرحلة اكتشاف نظام (الوندوز) الذي اغنى كثيرين عن تعلم لغة من لغات البرمجة لأجل التمكن من استخدام الحاسبة ، فكان يكفي ان يجتاز دورة تعليمية تشرح له كيفية استخدام النظام الجديد ، وبمقدور أي شخص دخول هكذا دورات تعليمية والانتفاع بمادتها العلمية ، لكن ما حصل في القرن الواحد والعشرين هو أن العلم عمل على أن يجعل التطور التقني والمنتجات الرقمية المتطورة في خدمة الجميع وفي متناول الجميع بغض النظر عما اذا كان المستخدم يعرف أو لا يعرف شيئاً عن علم الحاسبات أو علم التقنية الرقمية أو علم الاتصالات .
هذا التقدّم العلمي الكبير اتاح للجميع بغض النظر عن اعمارهم ومداركهم ومؤهلاتهم ، ان يستخدموا هذه التقنية المتطورة ما داموا قادرين على اقتنائها .. وهذا التوسع الكبير في استخدام اجهزة التقنية الرقمية المرتبطة بشبكة الانترنت ، يترتب عليه توسعاً كبيراً في المادة التي يتم تقديمها عبر تلك اجهزة تلك التقنية ، والحديث عن مادة ثقافية بهذا الحجم الكبير يشتمل بكل حال من الاحوال على ما هو جيد وما هو رديئ ، والحديث عن هذه الثنائية ليس جديداً ، فالخير والشر .. والحقيقي والمزيف .. الصح والخطأ .. ثنائية لازمت الانسان طوال حياته .. اختلف الأمر اليوم عندما اتاحت التقنية مديات من التطور يراها مختصون في مجال التقنية انها بدأت تتدخل في حياة الانسان ، وانه سيتعذر عليه التمييز بين الصح والخطأ ، والحقيقي والمزيف في المادة التي تعرضها تطبيقات التقنية ، الى حدّ قد يصعب على المثقف أيضاً ان يميز بينهما ، وهنا تبدأ عملية القلق التي تفرض على المفكرين والمعنيين الاهتمام بالرصيد الحياتي للشباب والتفكير بطريقة استثمار جديدة تكفل للشاب العربي تحقيق عائدات مربحة لرصيده الحياتي والتعليمي والثقافي والتربوي .
ان علاقة الانسان بالآلة علاقة قديمة ترجع الى ملايين السنين ، حوالي خمسة ملايين سنة ، منذ الفأس الحجري ، وكانت هذه العلاقة تتحرك في حدود الوجود الطبيعي للإنسان في الحياة ، فكان يغير الأشياء من حوله من أجل أن يتمكن من تخطّي صعوبات معينة تعترضه في حياته ، لكن هذه العلاقة اليوم تأخذ مفهوماً جديداً وصل حدّ تدخل الآلة في حياة الانسان .. فمجرّد اتاحة استخدام التقنية غير المشروط وغير المقنن للجميع ترتّب عليه كثير من الاعراض الجانبية الضارة بطبيعة المجتمع ، فكثرت المشاكل الاجتماعية والشخصية بشكل ملفت ومخيف لأنها أخذت تهدّد استقرار الحياة، وهنا تأتي أهمية استثمار الرصيد الثقافي والحياتي الذي تحدثنا عنه في مشروع جديد يخدم تنمية وتطوير المجتمع ، وهو مشروع نهضة ثقافية بصناعة وعي نقابل بها التطور الصناعي العالمي في الغرب .
الشباب العربي بالرصيد الذي تطرقنا الى تفاصيله ، يمثل افضل استثمار في انجاح مشروعنا النهضوي الثقافي ، لأن الشباب يمثلون القوة الذاتية المحركة لجسم المجتمع ، وهذه القوة ضامنة لنجاح المشروع لأنها تتوافر على عدّة عناصر اساسية تحتاجها خطوات عمل المشروع النهضوي الثقافي في المجتمع ، وهذه العناصر الأساسية هي :
– عنصر الأصالة
– عنصر الانتاج
– عنصر الإبداع
– عنصر الإستثمار
أول هذه العناصر هو عنصر الأصالة ومعناه ان الشاب العربي هو ابن المجتمع ، وهذا يعني انه قادم من تربية أسرية تشهد طبيعة المجتمع العربي بسلامة تربية الأسرة العربية ، وهذه البيئة السليمة للتربية تهيئ للعنصر الآخر من عناصر المشروع آنفة الذكر ، وهو عنصر الإنتاج الذي يعني ان ابن المجتمع المتحدر من تربية أسرية صالحة وسليمة سيقدّم إنتاجاً إيجابياً في صناعة الوعي يمكنه أن ينهض بثقافة ذلك المجتمع وتحسين ظروفه ، وهذا العنصر يؤدي بنا الى العنصر الثالث وهو عنصر الإبداع ، فمن خلال الرصيد الحياتي المتضمن فئة الحالة المعنوية فإن الدافع الذاتي للشاب يحمله على الابداع ليثبت ذاته ويبني شخصيته ، وهذه العناصر الثلاثة تأخذنا الى العنصر الرابع وهو عنصر الاستثمار الذي يعني ان صناعة الوعي لن تنتهي في مرحلة ومنية معينة ما دامت موادها الأولية متوافرة وبهذه الجودة العالية التي ذكرناها ، وهذا يضمن لها مستقبلاً واعداً وهو ما نرجوه من هدف كتابنا هذا .
لكي يبدأ الشاب العربي مشروع النهضة الثقافية يحتاج الى ثلاثة انواع من الاتصالات الأساسية:
– الاتصال بالنفس
– الاتصال بالله
– الاتصال بالمجتمع
إتصال الشخص بنفسه تؤمنه له معرفته بنفسه ، والنفس هي مفتاح وعي الذات ، ومفتاح الاتصال بالنفس هو التأمل .. والنفس هي البصمة الخاصة بكل شخص ، التي يتحقق بها تواصل العقل والقلب والنفس .. والــنــفــس في الــقـرآن الكريم : ( لوّامة ) و ( مطمئنة ) و (أمارة بالسوء ) في الآيات الكريمة :
( ولا اقسم بالنفس اللوّامة ) آية 2 سورة القيامة
( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية ) آية 27 سورة الفجر.
(وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ) آية 53 سورة يوسف
فالنفس ( لوّامة ) بمعنى الضمير الحي ، وهي ( مطمئنة ) بمعنى المصالحة مع صاحبها ، وهي ( أمارة بالسوء ) بمعنى الشهوة والأنانية.
والنفس في قول الإمام علي عليه السلام ( فارغة فاشغلها بما يصلحها وإلا شغلتك بما يفسدك ) ، ونقصد بالوعي الذاتي هو إحاطة الشاب معرفة بنفسه كمشاعر وافكار ورغبات وإعتقادات وقيم .
تأتي اهمية اتصال الشخص بنفسه وتأمينه بالشكل الذي يتحقق معه تفاهم ومصالحة ، في تأهيل الشخص للنوع الثاني من الاتصال وهو الاتصال بالله سبحانه وتعالى ، وفي ذلك يقول الإمام علي عليه السلام ( عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه ) ، فكيف يعرف الشخص نفسه لينجح في اتصاله بربه ؟ يحدث ذلك عن طريق التأمل .. التامل فكرة قديمة ارتبطت بالمعتقدات الدينية ثم تطوّرت الى اسلوب من اساليب العلم الحديث في الطب لمعالجة المرضى .
أفادت دراسات علمية ان بضع دقائق يومياً من التأمل البسيط حيث يترك الانسان كل مشاغله ومشاكله ويدعها جانباً ويختلي بنفسه لدقائق معدودة يومياً لمدّة خمس دقائق مثلاً في جوّ هادئ ، تفيد في إحداث توازن في جوانب الشخصية النفسية والسلوكية والعقلية والاخلاقية ، وهي حاجة ضرورية لبداية مشروع نهضة صحيحة ، حيث التأمل يفتح مجالات واسعة لإستفهامات كثيرة تخصّ أحداث وسلوكيات ومواقف يومية ، ويفيد التأمل في تخفيف التوتّر وحالات القلق التي تسببها ضغوطات الحياة ، وتفعّل التركيز وتقوّي حضور الذهن ، والتأمل من الأدوات الفعّالة في نجاح صناعة الوعي الذاتي ، فكلّما تحقّق التوازن الداخلي تحقّقت الجودة في العمل ، فإذا تحققت حالة التوازن هذه وصل الشاب الى درجة المصالحة مع النفس ، وهي مرحلة النفس المطمئنة ، ووصول الشاب الى هذه المرحلة سيؤهله بنجاح الى مرحلة الاتصال بالله سبحانه وتعالى .
من شأن الإتصال بالله سبحانه وتعالى انه يفعّل البعد الروحي في حياة الشخص القائمة على الروح والمادة وعليه ان يتحرك في حياته على اساس تحقيق التوازن بين هذين المكونين ، لأن أي خلل في معادلة التوازن بين الروح والمادة يترتب عليه مشاكل كثيرة تقلق او تهدد استقرار واستمرار الحياة كالتطرف والتخلف والتعصب و..
يـأتي الاتـصـال بالله سـبـحـانـه عـن طـرق عـدّة مـنـهـا العبادة والاستغفار
والعمل الصالح والتفكر ، والعقل هو من افضل طرق التقرب الى الله وفي الحديث النبوي تأكيد على اهمية التفكير ( ان تفكر ساعة خير من سنة عبادة او من سبعين سنة عبادة ) وكثير من آيات القرآن الكريم تحث على التفكير والتدبر والتعقل .
بتحقق هذين النوعين من الاتصال بالنفس وبالله ، يرتقي الشاب الى النوع الثالث وهو الاتصال بالآخرين ، وهو اتصال ضروري لابد منه ، لأن الانسان كائن اجتماعي لا يعيش بمعزل عن الآخرين .. والاتصال بالآخرين يعني مواجهة ثنائية الخير والشر التي تطرقنا اليها ، وما يساعد الشاب على معرفة الخير من الشر ، والصح من الخطأ ، هو نجاحه في تأمين الإتصالين الأوليين : مع النفس ، ومع الله .
بسلامة تحقيق هذه الانواع الثلاثة من الاتصال سيتمكن جيل الشباب في عصر التقنية المتطورة وتطبيقات الذكاء الإصطناعي من التواصل مع العالم الافتراضي حيث تواجهه انواع مختلفة من المحتويات ، منها المحتوى الهابط الذي يسيئ الى الاخلاق والقيم والضوابط الاجتماعية ، او المحتوى السيئ والمحتوى التافه الذي لا يحفز على التفكير والتطوير .. فنحن لا نستطيع أن نمنع الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ في امتلاك رصيد حياتي سليم كالذي تطرقنا اليه ، من صنع محتوياتهم الهابطة ونشرها ، لكننا نستطيع ان نحصّن انفسنا من ان تخدعنا او تحرفنا المادة الموجودة في تلك المحتويات الهابطة من المضي في مشروع النهضة الثقافية المرجوّة . فإذا صنع الشباب المتعلم في المدارس والجامعات شبكة محتويات هادفة ينشرون من خلالها مادة ايجابية نافعة ، امكن حماية طبقات المجتمع البسيطة من الوقوع في فخ المحتويات الهابطة ، وامكن تهيئة مساحة جيدة للمفكرين والمثقفين يشتغلون عليها في اعداد منهاج ثقافي يوفر مستلزمات تمكين المجتمع ثقافياً ، وهكذا بالتدريج حتى يصبح للثقافة قوة حضور فاعلة ومؤثرة .
بدون دور الشباب المتعلم هذا ، سيعتاد ابناء المجتمع على تقبل ما تعرضه المحتويات الهابطة والتافهة على انها مادة ثقافة العصر ، وهو ما يهدّد ويهدم بناء المجتمع ويحول دون تمكنه ثقافياً ، خصوصاً عندما يتطور عمل تلك المحتويات السيئة ليقدّم اشخاصاً على انهم من المثقفين ومن حملة الشهادات العليا .. يحاولون من خلال محتوياتهم السيئة غير المباشرة النيل من رموز وشخصيات ثقافية وتاريخية ودينية ، لها حضورها المعنوي الايجابي في وجدان الناس ، بهدف زعزعة اطمئنان البسطاء منهم بتعريض ثقتهم برموزهم التاريخية والثقافية الى الضعف الذي من شأنه ان يسهّل على تلك الأجندات السيئة إعادة تشكيل المحتوى الثقافي للناس بما يخدم مشاريعهم السياسية والإقتصادية والثقافية التي لا يبدو من خــلال الـعـقــديــن الـمــاضــيــيــن مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـواحــد والــعــشــريــن انــهــا
مشاريع انسانية هادفة ، قدر ما يبدو عليها انها مشاريع تجارية اقتصادية مادية تستثمر في كل شيء حتى انسانية الانسان وثقافته وتراثه ودينه وتاريخه .. فمن خلال الامتيازات التي تتيحها شركات منتجة للتقنية الرقمية عبر تطبيقاتها تسمح فيها لمستخدميها بجني الأموال من خلال تقديمهم محتوايات تحظى بأعداد كبيرة عدد من الاعجابات والمتابعات بغض النظر عن طبيعة تلك المحتويات ، الأمر الذي حفّز كثيرين من ذوي الرصيد الحياتي والتعليمي والتثقيفي القليل ، على تقديم محتويات إن لم تكن سيئة ، فهي غير نافعة .. وبسبب الرصيد الثقافي والتعليمي القليل لكثير من الناس فقد اخذت تظهر على الساحة شخصيات تافهة ، او غير مؤهلة لأن تكون في الواجهة ، اخذت تتحول الى ( ترند ) أي الى شخصيات لها شعبيتها ومتابعيها ومقلديها ، واخذوا يجنون أموالاً واربحاً من نشر محتوياتهم تلك ، وعندما يمتلك هؤلاء المال والشعبية ، ستتمكن اجندات المشاريع الخاصة من تمرير ما تريده من خلال هؤلاء ، دون ان يمتلك المتلقي رصيداً كافياً يؤهله لمعرفة الجيد من الرديئ ، والصح من الخطأ ، والحقيقة من الوهم .
في السابق جاء الإهتمام بإنتاج السلعة من أجل استخدامها ، ثم صار الإهتمام بانتاج السلعة من أجل بيعها ، ثم من أجل بيع اكبر عدد ممكن منها ، ثم من أجل استمرار انتاج السلع واستهلاكها من اجل المزيد من كسب المال .. وكان كسب المال في السابق من أجل تلبية الإحتياجات ، ثم صار كسب المال من أجل المال فقط ، ثم من أجل النفوذ والسلطة ، ومن هذا صار إنتاج السلع من أجل التحكم بالمستهلك ، لأن مشاريع الاقتصاد الصناعي العالمي صارت تبحث وتستثمر في مجالات اوسع من التجارة والصناعة ، فتوسعت الى الاستثمار في الثقافة أيضاً ، وجاء هذا النوع من الإستثمار على حساب طبيعة الفرد والمجتمع

عن الکاتب / الکاتبة

عدي عدنان البلداوي
عدي عدنان البلداوي
باحث وکاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الأسرة في عصر التقنية الرقمية  قراءة في واقع الأحداث

الأسرة في عصر التقنية الرقمية قراءة في واقع الأحداث

  الحديث عن الأسرة في القرن الواحد والعشرين ، حديث أكثر تشعباً وتعقيداً عما كان…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
26 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟ من حق المجتمع ان يفتقد حضور المثقف…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
22 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية

“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية

“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية عدي…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
16 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


دور الشباب العربي في مشروع النهضة الثقافية المعاصرة 

بقلم: عدي عدنان البلداوي | التاريخ: 6 أكتوبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

الشباب لفظ يُراد منه بالمفهوم البيولوجي ، العمر الزمني ، ويقصد به عدد سنوات العمر التي يبلغها الشخص . فيقال عن فلان انه شاب في العشرين من العمر ، والرقم صفة عامة يشترك بها كل من يبلغ عدداً معيناً من سنوات العمر من الجنس البشري، ذكوراً واناثاً ، بغض النظر عن محتوى الشخص ومؤهلاته وملكاته وقدراته ومهاراته وشخصيته وميوله وثقافته .
هناك تعريف آخر ، اوسع مدى من التعريف البيولوجي . انه التعريف السيكولوجي ، يطلق عليه العمر النفسي ، وهو اصطلاح يستخدمه علم النفس للإشارة الى الحالة المعنوية التي عليها الشخص، فعلم النفس لا يشترط عدداً معيناً من سنوات العمر لوصف الشاب بقدر ما يشترط الحالة المعنوية ، مثل استعداد الشاب للتطور ، وحبّه للحياة ، ومقدار حماسته ورغبته في تكوين ذاته واثبات ذاته وبناء شخصيته وطاقة الخير التي لديه .
إذا أضفنا التحصيل التعليمي والمؤهل العلمي الى رصيد عمر الشخص ، سنقف عند رصيد حياتي مهم يمتلكه اليوم عدد كبير جداً من الشباب العربي بحكم السياق العام لحياة كثيرين متمثلاً باتمام الدراسة الجامعية .
إذا قارنّا هذا الرصيد الحياتي الشامل للعمر والتحصيل التعليمي والمعرفي ، بين جيل اليوم والأجيال السابقة في القرن العشرين مثلاً ، سنجد ان هذا الرصيد كان كافياً لمتطلبات حياة تلك المرحلة، لكنه اليوم لم يعد كافياً لمتطلبات حياة المرحلة الحالية التي يعيشها جيل الشباب العربي في ظل عصر التقنية المتطورة ، مع ان القرن العشرين كان عصر تطور علمي ، كما هو عصرنا اليوم ، لكن الفارق بين الاثنين، هو ان التطور العلمي اليوم اخذ يسير بسرعات كبيرة قياساً الى ما كان في السابق.. هذا التطور المتسارع يقتضي تطوراً في ثقافة المجتمع لكي يستطيع افراد المجتمع ان يستوعبوا هذا التطور الحاصل في العالم ، ولأن هذا التطور الثقافي لم يحصل في مجتمعاتنا العربية بموازاة التطور العلمي في الغرب ، فقد ظهرت الآثار السلبية للتطور التقني ، حيث ازدادت متطلبات الحياة ، وكثرت المشاكل الاجتماعية، والمشاكل الأسرية ، والمشاكل الشخصية .. مما اقتضى من المفكرين والباحثين الوقوف على امكانية معالجة هذا الحال ، فرأيتُ ان أضيف الى رصيد عمر الشباب الزمني والنفسي والتعليمي الذي تطرقت اليه ، رصيداً جديداً اطلقت عليه العمر الثقافي ، ولا اقصد بالثقافي هنا ما هو متداول من ان المثقف هو ذلك الشخص الذي يتمتع باطلاع واسع ومعرفة متنوعة ، وهو الذي يعرف شيئاً عن كـل شـيئ ، فـهـذا الـفـهـم الاجـتـمـــاعـي لاصـــطلاح الـثـــقـــافــة مــتــداول ،
ولعله أوسع تداولاً اليوم في ظل التطور العلمي والتقني ، حين صار لدينا مطابع حديثة ، واصدارات كثيرة ومتنوعة من كتب ومجلات ونشرات . وصار بمقدور كل شخص ان يحمّل بواسطة جهاز موبايله الخاص عشرات ومئات الكتب والمعلومات ، وصار بمقدوره ان يقرأ عشرات الكتب ، وعندما دخلت التقنية على خط منافسة الانسان في قدرة الذاكرة على حفظ المعلومات والبيانات والارقام إذ صار بمقدور الحاسوب الشخصي ان يحفظ في ذاكرته الرقمية ما يفوق قدرة ذاكرة الانسان الحية بأضعاف المرات ، لذا صار من الضروري البحث عن مفهوم أوسع للثقافة ، وارى ان هذا الأمر يتحقق من خلال علم الانسان – الانثروبولوجيا – لاهتمامه واشتغاله بكل ما له علاقة بطبيعة وثقافة الانسان ، فهو يتناول تأثير اللغة في الفرد ، ويتناول تأثير الدين في حياة الفرد والمجتمع ، ويأخذ بنظر الاعتبار كل من العادات والتقاليد والتراث الشعبي ، حيث يقوم الباحث الانثروبولوجي بتدوين الحدث الحياتي بتفاصيله كما وقعت ثم يخضعها للتحليل والتأمل والتفكير من اجل التحسين والتطوير والمعالجة .
في القرن العشرين كان اكتشاف الحاسوب يمثل تطوراً علمياً كبيراً ، لكنه لم يؤثر سلباً على طبيعة حياة الفرد والمجتمع كما يحصل مع الموبايل وتطبيقات الانترنت وتقنية الذكاء الاصطناعي .
في القرن العشرين كنا اذا اردنا ان نتعامل مع الحاسوب ، احتجنا الى تعلم لغة من لغات البرمجة ، اعقبتها مرحلة اكتشاف نظام (الوندوز) الذي اغنى كثيرين عن تعلم لغة من لغات البرمجة لأجل التمكن من استخدام الحاسبة ، فكان يكفي ان يجتاز دورة تعليمية تشرح له كيفية استخدام النظام الجديد ، وبمقدور أي شخص دخول هكذا دورات تعليمية والانتفاع بمادتها العلمية ، لكن ما حصل في القرن الواحد والعشرين هو أن العلم عمل على أن يجعل التطور التقني والمنتجات الرقمية المتطورة في خدمة الجميع وفي متناول الجميع بغض النظر عما اذا كان المستخدم يعرف أو لا يعرف شيئاً عن علم الحاسبات أو علم التقنية الرقمية أو علم الاتصالات .
هذا التقدّم العلمي الكبير اتاح للجميع بغض النظر عن اعمارهم ومداركهم ومؤهلاتهم ، ان يستخدموا هذه التقنية المتطورة ما داموا قادرين على اقتنائها .. وهذا التوسع الكبير في استخدام اجهزة التقنية الرقمية المرتبطة بشبكة الانترنت ، يترتب عليه توسعاً كبيراً في المادة التي يتم تقديمها عبر تلك اجهزة تلك التقنية ، والحديث عن مادة ثقافية بهذا الحجم الكبير يشتمل بكل حال من الاحوال على ما هو جيد وما هو رديئ ، والحديث عن هذه الثنائية ليس جديداً ، فالخير والشر .. والحقيقي والمزيف .. الصح والخطأ .. ثنائية لازمت الانسان طوال حياته .. اختلف الأمر اليوم عندما اتاحت التقنية مديات من التطور يراها مختصون في مجال التقنية انها بدأت تتدخل في حياة الانسان ، وانه سيتعذر عليه التمييز بين الصح والخطأ ، والحقيقي والمزيف في المادة التي تعرضها تطبيقات التقنية ، الى حدّ قد يصعب على المثقف أيضاً ان يميز بينهما ، وهنا تبدأ عملية القلق التي تفرض على المفكرين والمعنيين الاهتمام بالرصيد الحياتي للشباب والتفكير بطريقة استثمار جديدة تكفل للشاب العربي تحقيق عائدات مربحة لرصيده الحياتي والتعليمي والثقافي والتربوي .
ان علاقة الانسان بالآلة علاقة قديمة ترجع الى ملايين السنين ، حوالي خمسة ملايين سنة ، منذ الفأس الحجري ، وكانت هذه العلاقة تتحرك في حدود الوجود الطبيعي للإنسان في الحياة ، فكان يغير الأشياء من حوله من أجل أن يتمكن من تخطّي صعوبات معينة تعترضه في حياته ، لكن هذه العلاقة اليوم تأخذ مفهوماً جديداً وصل حدّ تدخل الآلة في حياة الانسان .. فمجرّد اتاحة استخدام التقنية غير المشروط وغير المقنن للجميع ترتّب عليه كثير من الاعراض الجانبية الضارة بطبيعة المجتمع ، فكثرت المشاكل الاجتماعية والشخصية بشكل ملفت ومخيف لأنها أخذت تهدّد استقرار الحياة، وهنا تأتي أهمية استثمار الرصيد الثقافي والحياتي الذي تحدثنا عنه في مشروع جديد يخدم تنمية وتطوير المجتمع ، وهو مشروع نهضة ثقافية بصناعة وعي نقابل بها التطور الصناعي العالمي في الغرب .
الشباب العربي بالرصيد الذي تطرقنا الى تفاصيله ، يمثل افضل استثمار في انجاح مشروعنا النهضوي الثقافي ، لأن الشباب يمثلون القوة الذاتية المحركة لجسم المجتمع ، وهذه القوة ضامنة لنجاح المشروع لأنها تتوافر على عدّة عناصر اساسية تحتاجها خطوات عمل المشروع النهضوي الثقافي في المجتمع ، وهذه العناصر الأساسية هي :
– عنصر الأصالة
– عنصر الانتاج
– عنصر الإبداع
– عنصر الإستثمار
أول هذه العناصر هو عنصر الأصالة ومعناه ان الشاب العربي هو ابن المجتمع ، وهذا يعني انه قادم من تربية أسرية تشهد طبيعة المجتمع العربي بسلامة تربية الأسرة العربية ، وهذه البيئة السليمة للتربية تهيئ للعنصر الآخر من عناصر المشروع آنفة الذكر ، وهو عنصر الإنتاج الذي يعني ان ابن المجتمع المتحدر من تربية أسرية صالحة وسليمة سيقدّم إنتاجاً إيجابياً في صناعة الوعي يمكنه أن ينهض بثقافة ذلك المجتمع وتحسين ظروفه ، وهذا العنصر يؤدي بنا الى العنصر الثالث وهو عنصر الإبداع ، فمن خلال الرصيد الحياتي المتضمن فئة الحالة المعنوية فإن الدافع الذاتي للشاب يحمله على الابداع ليثبت ذاته ويبني شخصيته ، وهذه العناصر الثلاثة تأخذنا الى العنصر الرابع وهو عنصر الاستثمار الذي يعني ان صناعة الوعي لن تنتهي في مرحلة ومنية معينة ما دامت موادها الأولية متوافرة وبهذه الجودة العالية التي ذكرناها ، وهذا يضمن لها مستقبلاً واعداً وهو ما نرجوه من هدف كتابنا هذا .
لكي يبدأ الشاب العربي مشروع النهضة الثقافية يحتاج الى ثلاثة انواع من الاتصالات الأساسية:
– الاتصال بالنفس
– الاتصال بالله
– الاتصال بالمجتمع
إتصال الشخص بنفسه تؤمنه له معرفته بنفسه ، والنفس هي مفتاح وعي الذات ، ومفتاح الاتصال بالنفس هو التأمل .. والنفس هي البصمة الخاصة بكل شخص ، التي يتحقق بها تواصل العقل والقلب والنفس .. والــنــفــس في الــقـرآن الكريم : ( لوّامة ) و ( مطمئنة ) و (أمارة بالسوء ) في الآيات الكريمة :
( ولا اقسم بالنفس اللوّامة ) آية 2 سورة القيامة
( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية ) آية 27 سورة الفجر.
(وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ) آية 53 سورة يوسف
فالنفس ( لوّامة ) بمعنى الضمير الحي ، وهي ( مطمئنة ) بمعنى المصالحة مع صاحبها ، وهي ( أمارة بالسوء ) بمعنى الشهوة والأنانية.
والنفس في قول الإمام علي عليه السلام ( فارغة فاشغلها بما يصلحها وإلا شغلتك بما يفسدك ) ، ونقصد بالوعي الذاتي هو إحاطة الشاب معرفة بنفسه كمشاعر وافكار ورغبات وإعتقادات وقيم .
تأتي اهمية اتصال الشخص بنفسه وتأمينه بالشكل الذي يتحقق معه تفاهم ومصالحة ، في تأهيل الشخص للنوع الثاني من الاتصال وهو الاتصال بالله سبحانه وتعالى ، وفي ذلك يقول الإمام علي عليه السلام ( عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه ) ، فكيف يعرف الشخص نفسه لينجح في اتصاله بربه ؟ يحدث ذلك عن طريق التأمل .. التامل فكرة قديمة ارتبطت بالمعتقدات الدينية ثم تطوّرت الى اسلوب من اساليب العلم الحديث في الطب لمعالجة المرضى .
أفادت دراسات علمية ان بضع دقائق يومياً من التأمل البسيط حيث يترك الانسان كل مشاغله ومشاكله ويدعها جانباً ويختلي بنفسه لدقائق معدودة يومياً لمدّة خمس دقائق مثلاً في جوّ هادئ ، تفيد في إحداث توازن في جوانب الشخصية النفسية والسلوكية والعقلية والاخلاقية ، وهي حاجة ضرورية لبداية مشروع نهضة صحيحة ، حيث التأمل يفتح مجالات واسعة لإستفهامات كثيرة تخصّ أحداث وسلوكيات ومواقف يومية ، ويفيد التأمل في تخفيف التوتّر وحالات القلق التي تسببها ضغوطات الحياة ، وتفعّل التركيز وتقوّي حضور الذهن ، والتأمل من الأدوات الفعّالة في نجاح صناعة الوعي الذاتي ، فكلّما تحقّق التوازن الداخلي تحقّقت الجودة في العمل ، فإذا تحققت حالة التوازن هذه وصل الشاب الى درجة المصالحة مع النفس ، وهي مرحلة النفس المطمئنة ، ووصول الشاب الى هذه المرحلة سيؤهله بنجاح الى مرحلة الاتصال بالله سبحانه وتعالى .
من شأن الإتصال بالله سبحانه وتعالى انه يفعّل البعد الروحي في حياة الشخص القائمة على الروح والمادة وعليه ان يتحرك في حياته على اساس تحقيق التوازن بين هذين المكونين ، لأن أي خلل في معادلة التوازن بين الروح والمادة يترتب عليه مشاكل كثيرة تقلق او تهدد استقرار واستمرار الحياة كالتطرف والتخلف والتعصب و..
يـأتي الاتـصـال بالله سـبـحـانـه عـن طـرق عـدّة مـنـهـا العبادة والاستغفار
والعمل الصالح والتفكر ، والعقل هو من افضل طرق التقرب الى الله وفي الحديث النبوي تأكيد على اهمية التفكير ( ان تفكر ساعة خير من سنة عبادة او من سبعين سنة عبادة ) وكثير من آيات القرآن الكريم تحث على التفكير والتدبر والتعقل .
بتحقق هذين النوعين من الاتصال بالنفس وبالله ، يرتقي الشاب الى النوع الثالث وهو الاتصال بالآخرين ، وهو اتصال ضروري لابد منه ، لأن الانسان كائن اجتماعي لا يعيش بمعزل عن الآخرين .. والاتصال بالآخرين يعني مواجهة ثنائية الخير والشر التي تطرقنا اليها ، وما يساعد الشاب على معرفة الخير من الشر ، والصح من الخطأ ، هو نجاحه في تأمين الإتصالين الأوليين : مع النفس ، ومع الله .
بسلامة تحقيق هذه الانواع الثلاثة من الاتصال سيتمكن جيل الشباب في عصر التقنية المتطورة وتطبيقات الذكاء الإصطناعي من التواصل مع العالم الافتراضي حيث تواجهه انواع مختلفة من المحتويات ، منها المحتوى الهابط الذي يسيئ الى الاخلاق والقيم والضوابط الاجتماعية ، او المحتوى السيئ والمحتوى التافه الذي لا يحفز على التفكير والتطوير .. فنحن لا نستطيع أن نمنع الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ في امتلاك رصيد حياتي سليم كالذي تطرقنا اليه ، من صنع محتوياتهم الهابطة ونشرها ، لكننا نستطيع ان نحصّن انفسنا من ان تخدعنا او تحرفنا المادة الموجودة في تلك المحتويات الهابطة من المضي في مشروع النهضة الثقافية المرجوّة . فإذا صنع الشباب المتعلم في المدارس والجامعات شبكة محتويات هادفة ينشرون من خلالها مادة ايجابية نافعة ، امكن حماية طبقات المجتمع البسيطة من الوقوع في فخ المحتويات الهابطة ، وامكن تهيئة مساحة جيدة للمفكرين والمثقفين يشتغلون عليها في اعداد منهاج ثقافي يوفر مستلزمات تمكين المجتمع ثقافياً ، وهكذا بالتدريج حتى يصبح للثقافة قوة حضور فاعلة ومؤثرة .
بدون دور الشباب المتعلم هذا ، سيعتاد ابناء المجتمع على تقبل ما تعرضه المحتويات الهابطة والتافهة على انها مادة ثقافة العصر ، وهو ما يهدّد ويهدم بناء المجتمع ويحول دون تمكنه ثقافياً ، خصوصاً عندما يتطور عمل تلك المحتويات السيئة ليقدّم اشخاصاً على انهم من المثقفين ومن حملة الشهادات العليا .. يحاولون من خلال محتوياتهم السيئة غير المباشرة النيل من رموز وشخصيات ثقافية وتاريخية ودينية ، لها حضورها المعنوي الايجابي في وجدان الناس ، بهدف زعزعة اطمئنان البسطاء منهم بتعريض ثقتهم برموزهم التاريخية والثقافية الى الضعف الذي من شأنه ان يسهّل على تلك الأجندات السيئة إعادة تشكيل المحتوى الثقافي للناس بما يخدم مشاريعهم السياسية والإقتصادية والثقافية التي لا يبدو من خــلال الـعـقــديــن الـمــاضــيــيــن مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـواحــد والــعــشــريــن انــهــا
مشاريع انسانية هادفة ، قدر ما يبدو عليها انها مشاريع تجارية اقتصادية مادية تستثمر في كل شيء حتى انسانية الانسان وثقافته وتراثه ودينه وتاريخه .. فمن خلال الامتيازات التي تتيحها شركات منتجة للتقنية الرقمية عبر تطبيقاتها تسمح فيها لمستخدميها بجني الأموال من خلال تقديمهم محتوايات تحظى بأعداد كبيرة عدد من الاعجابات والمتابعات بغض النظر عن طبيعة تلك المحتويات ، الأمر الذي حفّز كثيرين من ذوي الرصيد الحياتي والتعليمي والتثقيفي القليل ، على تقديم محتويات إن لم تكن سيئة ، فهي غير نافعة .. وبسبب الرصيد الثقافي والتعليمي القليل لكثير من الناس فقد اخذت تظهر على الساحة شخصيات تافهة ، او غير مؤهلة لأن تكون في الواجهة ، اخذت تتحول الى ( ترند ) أي الى شخصيات لها شعبيتها ومتابعيها ومقلديها ، واخذوا يجنون أموالاً واربحاً من نشر محتوياتهم تلك ، وعندما يمتلك هؤلاء المال والشعبية ، ستتمكن اجندات المشاريع الخاصة من تمرير ما تريده من خلال هؤلاء ، دون ان يمتلك المتلقي رصيداً كافياً يؤهله لمعرفة الجيد من الرديئ ، والصح من الخطأ ، والحقيقة من الوهم .
في السابق جاء الإهتمام بإنتاج السلعة من أجل استخدامها ، ثم صار الإهتمام بانتاج السلعة من أجل بيعها ، ثم من أجل بيع اكبر عدد ممكن منها ، ثم من أجل استمرار انتاج السلع واستهلاكها من اجل المزيد من كسب المال .. وكان كسب المال في السابق من أجل تلبية الإحتياجات ، ثم صار كسب المال من أجل المال فقط ، ثم من أجل النفوذ والسلطة ، ومن هذا صار إنتاج السلع من أجل التحكم بالمستهلك ، لأن مشاريع الاقتصاد الصناعي العالمي صارت تبحث وتستثمر في مجالات اوسع من التجارة والصناعة ، فتوسعت الى الاستثمار في الثقافة أيضاً ، وجاء هذا النوع من الإستثمار على حساب طبيعة الفرد والمجتمع