سيد الشعراء
فِي حَضْرَةِ القَلَمِ والأوراقِ
جَلَسْتُ بِحَذَرٍ أَتَرَقَّبُ،
أُحَاصِرُ الصَّمْتَ فِي زَوَايَا الحِبْرِ
كَأَنِّي أَخُوضُ حَرْباً طَاحِنَةً
بَلْ أَقْسَى مِنْ ذَلِكَ بكَثِيرٍ..
فَالمَعْرَكَةُ هُنَا.. بَيْنِي وَبَيْنَ ذَاتِي
وَالنَّصُّ مَقْبَرَةٌ لِأَوْهَامِ الكِتَابَة!
كَأَنِّي أُعِيدُ الخَلْقَ مِنْ جَدِيد!
جَلَبْتُ “لَيْلَى” مَعَ “قَيْسٍ”
و”عَبْلَةَ” مَعَ “عَنْتَرَةَ”،
نَفَضْتُ عَنْهُمَا غُبَارَ القُرُونِ البَالِيَةِ
فَقُلْتُ: يَا لَيْلَى كُونِي مَجْنُونَةَ قَيْسٍ
وَذُوقِي مُعَانَاةَ “القَيْسِ”،
وَالْبَسِي ثَوْبَ الوَجَعِ المُرِّ طَوِيلاً
فَالعِشْقُ فِي زَمَنِ القَصِيدَةِ مِحْنَةٌ.
وَانْظُرِي.. هَلْ يَبْقَى قَيْسٌ يُحِبُّكِ؟
أَمْ يَبْحَثُ عَنْ لَيْلَى أُخْرَى؟
أَمْ يَصِيرُ الحُبُّ عِنْدَهُ مَحْضَ خَيَال؟
وَهَلْ سَتَكُونِينَ حَاضِرَةً فِي قَصَائِدِهِ؟
وَقُلْتُ: يَا عَبْلَةُ كُونِي سَوْدَاءَ اللَّوْنِ
بِلَا زِينَةٍ.. وَلَا نَسَبٍ.. وَلَا مَالٍ
وَانْظُرِي: هَلْ سَيُحِبُّكِ عَنْتَرَةُ؟
أَمْ أَنَّهُ يَعْشَقُ الأَسْطُورَةَ لَا الحَقِيقَة؟
أَمْ سَيَخْذُلُ السَّيْفُ نَبْضَ قَلْبِهِ؟
وَهَلْ سَيَنْظِمُ لَكِ الشِّعْرَ وَفِيكِ؟
أَمْ سَوْفَ تَغِيبِينَ عَنْ قَصَائِدِهِ؟
لِيَبْحَثَ عَنْ بَيَاضٍ فِي مَدَىً آخَر!
آهٍ يَا لَيْلَى.. كَمْ أَنْتِ مُغَفَّلَةٌ!
وَأَنْتِ يَا عَبْلَةُ.. يَا ضَحِيَّةَ الوَهْمِ
فَالشَّاعِرُ يَبْنِي مِنَ الدُّمُوعِ تِجَارَةً.
نَحْنُ مَعْشَرَ الشُّعَرَاءِ..
أَبَالِسَةٌ مُخَادِعُونَ،
نَبْنِي مِنَ الكَلِمَاتِ قُصُوراً لِلرِّيَاء
نَقُولُ مَا لَا نَفْعَلُ،
لَا نَعْشَقُ إِلَّا أَنْفُسَنَا!
نُقَدِّسُ المِرْآةَ فِي وُجُوهِ الغَرِيبَاتِ
نَسْرِقُ الضَّوْءَ مِنْ عُيُونِ الحَالِمَاتِ
كَأَطْفَالٍ نَلْهُو وَنَلْعَبُ
بِقُلُوبِ الفَتَيَاتِ،
ثُمَّ نَكْسِرُ قُلُوبَهُنَّ
وَنَمْضِي نُؤَلِّفُ لَحْنًا لِلرَّحِيلِ
وَنَبْحَثُ عَنْ لُعْبَةٍ جَدِيدَةٍ.
كُلُّنَا هَكَذَا.. إِلَّا “السَّيَّابَ” كَانَ صَادِقاً
لَمْ يَبِعِ الرُّوحَ فِي سُوقِ الزَّيْفِ
فَقَدْ كَانَ يَحْمِلُ العِرَاقَ فِي مَحْجَرَيْهِ
حِينَ قَالَ:
“عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أَوْ شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ”
فَأَيْنَ أَنْتَ أَيُّهَا السَّيَّابُ؟
يَا حُزْنَ “جَيْكُورَ” المُمْتَدِّ فِي دَمِنَا
تَعَالَ وَأَنْشِدْ “أُنْشُودَةَ المَطَرِ”
وَأَيْقِظِ الرَّعْدَ فِي ضَمَائِرِنَا المَيِّتَةِ
وَأَمْطِرْ عَلَيْنَا..
الحُبَّ وَالحَنَانَ،
فَقَدْ جَفَّتْ عُرُوقُ الحَرْفِ يَا بَدْرُ.
وَاغْسِلْ قَصَائِدَنَا..
مِنَ المَكْرِ وَالخِدَاعِ،
وَمِنْ نِفَاقِ المَدِيحِ وَذُلِّ الِانْكِسَارِ
فَقَدْ صَارَ القَرِيضُ حِبَالًا لِلْمَشَانِقِ!
وَحَرِّرْ قَصَائِدَنَا مِنْ أَوْزَانِ التَّكَبُّرِ
وَقَوَافِي الغُرُورِ.
نَكْفُرُ بِالوَزْنِ وَالقَافِيَةِ..
نُحَطِّمُ الأَصْنَامَ المَنْصُوبَةَ فِي الدَّواوِينِ:
الأَوْزَانِ العَرُوضِيَّةِ..
وَالدَّاخِلِيَّةِ..
نُرِيدُ شِعْرًا يَشُمُّ رَائِحَةَ الأَرْضِ
فَالحُرِّيَّةُ لَا تُسْجَنُ فِي التَّفَاعِيلِ!
حَتَّى تَعْلُو القَصِيدَةُ الحُرَّةُ
فَوْقَ المُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ،
وَتَفْتَحَ أَبْوَابَ الخُلُودِ لِلْبُسَطَاءِ
وَتَصِيرَ صَرْخَةً تَهُزُّ عَرْشَ السُّكُونِ.
وَلْتَتَرَبَّعْ “أُنْشُودَةُ المَطَرِ”
عَلَى عَرْشِ الشِّعْرِ القَدِيمِ وَالحَدِيثِ،
فِي كُلِّ قَطْرَةٍ تَسْقِي جِيَاعَ المَعْنَى
وَلْيَكُنِ “السَّيَّابُ” سَيِّدَ الشُّعَرَاءِ
تَاجاً لِلصِّدْقِ فِي زَمَنِ الخَطِيئَةِ
مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
سعید ابراهیم زعلوك
راسم ابراهيم
زاهر الأسعد
التعليقات