كان حسن واقفاً على التل العالي، يتأمل امتداد الأرض التي سيقام حولها السياج الطويل. كانت الريح تمر بين أكوام الحديد كما لو أنها تقلب ذاكرة المكان، بينما لون الغروب يهبط بطيئاً على وجهه، فيكشف ارتجافة خفيفة لا يعرف مصدرها البرد أم القلق. فمنذ أن أخبره المقاول بما ينتظره، صار قلبه معلقاً بين الشك واليقين، وكأن ظلاً خفياً يتقدم أمامه دائماً، أطول منه، وأشد ثباتاً.
قال له المقاول، القريب إليه نسباً، بأنه لن يكون عاملاً كما كان، بل شريكاً يأمر وينهى، يختار العمال، ويراقب سير المشروع. كانت الكلمات تنساب إليه كهمس ناعم، توقظ فيه رغبة قديمة للظهور والاعتراف. ومع أنها بدت أجمل من أن تُصدق، إلا أنها جردت شكه من سلاحه في تلك اللحظات، فأخذ يردد لنفسه كمن يمسح غبار الخوف:
– أنت الرجل الوحيد الذي أثق بحكمته وبصيرته.
خلال ستة أشهر، تصرف حسن كما لو أنه يبني مجده الخاص. قاد الفريق عبر الوديان العميقة والمنحدرات الشديدة، يوبخ المقصر، ويحسب المصروفات كأنها تُقتطع من ماله هو، لا مال غيره. كان يعيش في ظل فكرة أكبر منه، فكرة تغذي خياله، وتفتح له باباً نحو هوية طالما خبّأتها قسوة الأيام، والفرح لديه يرفض أن ينام.
لكن المشروع لم يكن مطواعاً. الانهيارات في التربة، وصخور لا تستجيب للحفر، ومطر يهدد العمل بالتوقف، كلها أثقلت كاهل المقاول. أما حسن، فكان يواجهها بصلابة من يبحث عن معنى لحياته، لا عن أجر لنفسه. كان يظن أن كل ساعة عمل ترفع ظله أعلى، وتجعله أشد حضوراً.
وحين اكتمل العمل أخيرا، وقف حسن إلى جانب المقاول ينتظر حصته من الشراكة التي عاش لأجلها. لكن المقاول بدأ يحصي المصاريف واحدة تلو الأخرى، ويعرض دفاتر لا تنتهي، حتى ظهرت أجور المعدات الخاص بالمقاول تتجاوز أجور العمال مجتمعين. لم يبق لحسن شيء، لا مال، ولا شراكة، ولا حتى كلمة اعتراف.
ابتسم المقاول وهو يرص المبالغ في حقيبته وقال ببرود لا يخلو من خبث:
– لقد كانت فرصة لا تقدر بثمن يا حسن، الخبرة أهم من أي مال.
خرج حسن صامتاً، يشعر بأن شيئا ما قد انكسر فيه دون صوت. وعلى الطريق، مرّ بالسياج الطويل الذي أشرف على بنائه، غير أنه لم يره كما بناه؛ رآه ممتداً كأنه وهم، له ظل أطول من الحقيقة. كان ظله هو الآخر يمتد بمحاذاة السياج، حتى بدا له أنهما يسيران معاً، ظله، وظل الخديعة التي عاش فيها.
عندها أدرك أن الأسيجة التي تبنى بالكلمات أخطر من تلك التي تُقام بالحديد، وأن بعض الوعود لا تُشيد لتهبك مكاناً، بل لتسلبك ما يتبقى من ثقة. وكم تمنى لو ظل عاملاً بسيطاً يأخذ أجره آخر الأسبوع، بدل أن يكون شريكاً في حلم لم يشاركه فيه أحد.
كان يمضي مبتعداً، فيما يلاحقه السياج شيئاً فشيئاً، حتى بدا يرى في عينيه سياجين متوازيين في تلك القيلولة، سياجاً من حديد يلمع تحت لهيب الشمس، وسياجاً من الظل، شاهداً على مرارة التصديق حين يعيش الإنسان طويلاً في ضوء ليس له.
ظلان
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
ظلان
كان حسن واقفاً على التل العالي، يتأمل امتداد الأرض التي سيقام حولها السياج الطويل. كانت الريح تمر بين أكوام الحديد كما لو أنها تقلب ذاكرة المكان، بينما لون الغروب يهبط بطيئاً على وجهه، فيكشف ارتجافة خفيفة لا يعرف مصدرها البرد أم القلق. فمنذ أن أخبره المقاول بما ينتظره، صار قلبه معلقاً بين الشك واليقين، وكأن ظلاً خفياً يتقدم أمامه دائماً، أطول منه، وأشد ثباتاً.
قال له المقاول، القريب إليه نسباً، بأنه لن يكون عاملاً كما كان، بل شريكاً يأمر وينهى، يختار العمال، ويراقب سير المشروع. كانت الكلمات تنساب إليه كهمس ناعم، توقظ فيه رغبة قديمة للظهور والاعتراف. ومع أنها بدت أجمل من أن تُصدق، إلا أنها جردت شكه من سلاحه في تلك اللحظات، فأخذ يردد لنفسه كمن يمسح غبار الخوف:
– أنت الرجل الوحيد الذي أثق بحكمته وبصيرته.
خلال ستة أشهر، تصرف حسن كما لو أنه يبني مجده الخاص. قاد الفريق عبر الوديان العميقة والمنحدرات الشديدة، يوبخ المقصر، ويحسب المصروفات كأنها تُقتطع من ماله هو، لا مال غيره. كان يعيش في ظل فكرة أكبر منه، فكرة تغذي خياله، وتفتح له باباً نحو هوية طالما خبّأتها قسوة الأيام، والفرح لديه يرفض أن ينام.
لكن المشروع لم يكن مطواعاً. الانهيارات في التربة، وصخور لا تستجيب للحفر، ومطر يهدد العمل بالتوقف، كلها أثقلت كاهل المقاول. أما حسن، فكان يواجهها بصلابة من يبحث عن معنى لحياته، لا عن أجر لنفسه. كان يظن أن كل ساعة عمل ترفع ظله أعلى، وتجعله أشد حضوراً.
وحين اكتمل العمل أخيرا، وقف حسن إلى جانب المقاول ينتظر حصته من الشراكة التي عاش لأجلها. لكن المقاول بدأ يحصي المصاريف واحدة تلو الأخرى، ويعرض دفاتر لا تنتهي، حتى ظهرت أجور المعدات الخاص بالمقاول تتجاوز أجور العمال مجتمعين. لم يبق لحسن شيء، لا مال، ولا شراكة، ولا حتى كلمة اعتراف.
ابتسم المقاول وهو يرص المبالغ في حقيبته وقال ببرود لا يخلو من خبث:
– لقد كانت فرصة لا تقدر بثمن يا حسن، الخبرة أهم من أي مال.
خرج حسن صامتاً، يشعر بأن شيئا ما قد انكسر فيه دون صوت. وعلى الطريق، مرّ بالسياج الطويل الذي أشرف على بنائه، غير أنه لم يره كما بناه؛ رآه ممتداً كأنه وهم، له ظل أطول من الحقيقة. كان ظله هو الآخر يمتد بمحاذاة السياج، حتى بدا له أنهما يسيران معاً، ظله، وظل الخديعة التي عاش فيها.
عندها أدرك أن الأسيجة التي تبنى بالكلمات أخطر من تلك التي تُقام بالحديد، وأن بعض الوعود لا تُشيد لتهبك مكاناً، بل لتسلبك ما يتبقى من ثقة. وكم تمنى لو ظل عاملاً بسيطاً يأخذ أجره آخر الأسبوع، بدل أن يكون شريكاً في حلم لم يشاركه فيه أحد.
كان يمضي مبتعداً، فيما يلاحقه السياج شيئاً فشيئاً، حتى بدا يرى في عينيه سياجين متوازيين في تلك القيلولة، سياجاً من حديد يلمع تحت لهيب الشمس، وسياجاً من الظل، شاهداً على مرارة التصديق حين يعيش الإنسان طويلاً في ضوء ليس له.
ناجح صالح
هادي المیاح
بشار البندر
التعليقات