ليلة لا تُروى

قبل غروب الشمس بقليل، كانت القرية تدخل عادتها اليومية في سباق صامت مع الظلام. الفلاحون يعودون من الحقول، والنساء يتهيأن لإغلاق أبواب البيوت الطينية، وكل أسرة منشغلة بما تبقى من أعمال المساء؛ فهذا يسوق أغنامه إلى الحظيرة، وذاك يجمع الدجاج ويدفعه إلى أكواخه، وآخر يتفقد الخراف التي أخذت تتجمع قرب المعالف. كان النهار ينكمش ببطء، […]

الضباب … والايمان

بين أروقة الذاكرة المتآكلة وظلال الشيب التي غطت ثمانين عاماً من عمره، كان “بدري” يقف كمنارةٍ صامدة لا تُخطئ طريقها إلى المسجد. فرغم أن الزهايمر بدأ ينسج خيوط الضباب حول أسماء الأشياء ووجوه العابرين، إلا أن آيات القرآن بقيت محفورة في قلبه، تتدفق على لسانه كأنها ترتيلٌ سماوي لا يمسه النسيان. كان بدري يؤدي صلواته […]

لغة الصمت

كانا يبدآن نهارهما بكتاب، وينهيانه بحوار. في زمن لم تكن الشاشات قد استوطنت البيوت، كان الحب بينهما يولد في المكتبات، ويكبر في معارض الكتب، ويزدهر على طاولة صغيرة في مقهى، حيث كانت الروايات تثير خلافاتهما الجميلة، وتجمعهما القصائد أكثر مما تفرقهما الآراء. تزوجا، وأنجبا أبناءً ملأوا البيت ضجيجًا وحياة. ومع السنين دخلت التكنولوجيا إلى كل […]

الفراش الخالي

في تلك الليلة، بدا القمر أقرب إلى الأرض من أي وقت مضى. كان يسكب ضوءه الفضي فوق الحقول والبيوت الطينية، حتى خُيّل لأهل القرية أن السماء فتحت نافذة واسعة على الدنيا. ركض الأطفال خلف ظلالهم، وضحكاتهم تتناثر في الأزقة الضيقة كما تتناثر حبات القمح في موسم الحصاد. كان هو واحداً منهم. طفل لم يتجاوز الخامسة […]

آخر محطة

  كان الحر في ذلك اليوم يشبه مخلوقآ خفيآ يجلس معنا في الحافلة يزاحمنا المقاعد والأنفاس ويضع يده الثقيلة على وجوهنا جلست قرب النافذة أبحث عن شيء يسرقني من ضيق المكان ولهيب الجو فإذا بعيني تستقران على رجل يجلس أمامي أصلع الرأس وقد غطّت صلعته طبقة من العرق الندي حتى بدت كأنها صفحة صغيرة من […]

ثلاث دقائق من الغياب

  حين أفقت، كان آخر خيطٍ من ضوء النهار ينسحب ببطء خلف أشجارٍ بعيدة. تلونت السماء بلونٍ برتقاليٍّ باهت، كأنها تحمل آثار حريقٍ قديم، والهواء مشبعٌ برائحة الرماد والتراب. لم أعلم أين أنا. المكان مألوفٌ وغريبٌ في آنٍ معًا، كأنه نسخةٌ مشوّهة من الحيّ الذي نشأت فيه: مبانٍ بلا نوافذ، أشجارٌ واقفةٌ بلا ظل، وهواءٌ […]

شراكة

  قررت أن تسكن قبرا، هكذا استقر تفكيرها، فبما أن الموت هو الخاتمة الحتمية للحياة، فلم لا تستبقه وتنتظره هناك.. عند مثواها الأخير، حيث يمكنها المكوث به مدى الممات. كانت قد ضاقت ذرعا وهي تحاول الحصول على موطأ قدم تعيش فيه، لا أحد يزاحمها أو يطالبها بالخروج منه، مكانا لها وحدها، إذ لم تنعم طيلة […]

ما بعد التصفيق

ما بعد التصفيق   لم يكن في ملعب الإدارة المحلية بالموصل موضع قدم. ازدحمت المدرجات بالناس، واصطفت القيادات العسكرية والضباط في مشهد احتفالي مهيب، بينما أخذت سيارة عسكرية مكشوفة من نوع (واز) تدور ببطء حول أرضية الملعب. كان الجندي يقف فيها شامخاً، ثابت النظرات، كأنما يريد أن يقنع الجميع بأن الحرب لم تنل منه سوى […]

بائع الزهور

بائع الزهور في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ، قد استيقظت حين وقعت عيناي على ذلك الطفل، كنت داخل إحدى قاعات المكتبة المركزية منشغلًا بالتقاط الصور، عندما استوقفني مشهد لم يكن يشبه أي مشهد آخر، لم يكن طفلًا فحسب، بل بدا كأنه ملاك أنهكه العالم قبل أن يعرف معنى […]

بقايا الليل

بقايا الليل عندما كانت المدينة لا تزال نائمة، كان هو أول من يراها بعينيها الحقيقيتين. لم يكن يجمع القمامة فقط، بل كان يجمع بقايا الليل. أكواب قهوة تركها عاشقان على الرصيف، رسالة ممزقة لم يجرؤ أحد على إرسالها، دمية فقدتها طفلتها، وصورا مزقتها الخلافات قبل أن تمزقها الأيدي. كان الجميع يعرف صوت عربته، لكن أحدا […]