بقايا الليل

بقايا الليل عندما كانت المدينة لا تزال نائمة، كان هو أول من يراها بعينيها الحقيقيتين. لم يكن يجمع القمامة فقط، بل كان يجمع بقايا الليل. أكواب قهوة تركها عاشقان على الرصيف، رسالة ممزقة لم يجرؤ أحد على إرسالها، دمية فقدتها طفلتها، وصورا مزقتها الخلافات قبل أن تمزقها الأيدي. كان الجميع يعرف صوت عربته، لكن أحدا […]
رقصة الفجر

رقصة الفجر لم يكن يتخيّل أن الليلة التي طالما انتظرها ستصبح آخر ليالي الحلم. قبل أسابيع قليلة فقط، كانا يجلسان على ضفة دجلة، حيث تمتد الرمال الرطبة كأنها صفحة بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها الحكايات. لم يكن معهما سوى صمت النهر، ونسيم الخريف، وبعض الأغصان اليابسة التي جمعاها ليشيدا منها بيتاً صغيراً فوق الرمل. […]
ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون لا أعرف كيف تمالكت نفسي ولا كيف أخفيت ما اجتاحني من مشاعر أمام ذلك المشهد، سمعتهما بوضوح كانت طفلة صغيرة تهمس لأخيها: “قلها بصوتٍ عالٍ… حتى يرونا.” رفع الصغير صوته بكل ما يملك من قوة وهو ينادي: “اشرب عصير طبيعي… يا زاير.” حيدر ورقية… طفلان لم يتجاوزا الخامسة من العمر يرتديان […]
الفحولة بشكلها المستدير

الفحولة بشكلها المستدير بقامة لا تتجاوز المتر ونصف المتر تمددت أم أحمد ،وأسندت ظهرها إلى الجدار الطيني الأبيض. تناولت من علبة بلاستيكية ملأى بالماء قطعة حمراء ،وضعتها في فمهاوأخذت تحدثني عن مرضها، وتعب ابنها الأستاذ أحمد في خدمتها على رغم من أنه نحي عن عمله منذ مدة -الله يرضى عنه لقد باع بيته الكبير واشترى […]
السياج

السياج الوقتُ يمرُّ ثقيلاً وكأنهُ غضبٌ يجثو على إحساسٍ ربيعيٍ مفعمٍ بالحياة ، صوتُ التلفازِ وحدهُ يتعالى مخترقاً سكونَ الصمت . كنتُ جالساً على كرسيٍ صغيرٍ واجماً أُقلّبُ الورقةَ بين يديّ ، أتأمّلها وكأني أبحثُ في بياضها عن هدفٍ مفقود . والدي يجلسُ على أريكتهِ يُتابعُ ضجيجَ التلفازِ الذي ينهشُ أفكاري ويبعثرها ، وفجأةً إنطلقَ […]
اللــوح الأول

اللــوح الأول صريرُ مزاليجِ البوابةِ المغلقة لفتَ انتباهَ الكاهنِ المسنِّ، فاستدارَ ليرى رفيقَه الكهلَ يزيحُ ذراعَ العضادةِ التي اعترضتْ طريقَهُ. انتظرتُكَ طويلاً! موبخا تلقاه الكاهن المسن بتقاطيع وجهه الغاضبة وهو يحاول ان يبدو متماسكا، المسن الذي ظل واقفا في منتصف الحجرة المعتمة باستثناء كوة صغيرة بالكاد نفذ عبرها الضوء الخافت الذي اضاء ارضية الحجرة المعبدة […]
الأثر الأخير

الأثر الأخير لم يكن طارق يثق بالذاكرة البشرية، ولهذا أمضى عشرين عاماً يرمم الأشرطة السينمائية القديمة. كان يقول دائماً إن الفيلم لا يجامل أحداً وأن البشر ينسون، أما الشريط فيحتفظ بما رآه أول مرة حتى لو تقشرت ألوانه وامتلأ بالخدوش. لهذا كان يرفض النسخ الرقمية ويعامل كل بكرة فيلم كما لو كانت قطعة من […]
مطر

مطر الكافتيريا ضيقةٌ كحُجرةِ انتظارٍ قديمة، تُحاصرنا بجدرانها وتلفظُ الزحامَ إلى الخارج ، حيث يتراكضُ الطلبةُ كظلالٍ ذائبة تحت مظلاتٍ ملوّنة، يفرّون من هطولٍ غاضبٍ يعيد تشكيل العالم خلف الزجاج. في الزاوية، كنتُ أقتبسُ حمايتي من الفراغ؛ أصابعي تلثمُ الدفءَ المتصاعدَ من كوب الشاي، والبخارُ يتصاعدُ كأرواحٍ صغيرة تتلاشى في الهواء، بينما ألتهمُ سيجارتي الأخيرة […]
زهايمر

زهايمر مضى زمنٌ طويل على آخر لقاء جمعنا معاً . بدا أكبر من عمره بكثير، كأنه مشرفٌ على الثمانين برغم انه بعمري تماماً. حدَّثني بيقينٍ وهدوء قاتل، وعينينٍ زائغتين، وهو يتحاشى إطالةَ النظرِ في وجهي. شكَكْتُ في البداية أنه قد عَرَفني، لولا أن بادرَ إلى تحيَّتي ونطق باسميَ كاملاً بلفظ واضح سليم. مدَّ يدهُ إلى […]
“مرآة في طريق العودة”

مرآة في طريق العودة كان السمر في مجلس “أبي سلمان” لا يخلو من هيبةٍ يفرضها صاحب الدار بنفسه. رجلٌ يُشار إليه بالبنان في الحي، يمتلك ذاكرة حادة في تتبع عثرات العابرين، وعيناً لا تخطئ التفاصيل. جلس تلك الليلة كعادته يتصدر المجلس، يُلقي بثقله الكلامي، وينتقد بشدة كل امرأة تصادف بصره في السوق أو الطريق. كان […]