مرآة في طريق العودة
كان السمر في مجلس “أبي سلمان” لا يخلو من هيبةٍ يفرضها صاحب الدار بنفسه. رجلٌ يُشار إليه بالبنان في الحي، يمتلك ذاكرة حادة في تتبع عثرات العابرين، وعيناً لا تخطئ التفاصيل.
جلس تلك الليلة كعادته يتصدر المجلس، يُلقي بثقله الكلامي، وينتقد بشدة كل امرأة تصادف بصره في السوق أو الطريق.
كان يرى أن صلاح المجتمع بأسره مرهون بمزيد من الحجب والإخفاء، وأن كل نظرة زائغة أو سلوك متفلّت في الشارع إنما سببه جلبابٌ لم يستوفِ شروطه، أو خطوةٌ لم تتوارَ عن الأعيان كما ينبغي.
قال وهو يحرك فنجان قهوته بحدة:
لو أن النساء يدركن حقيقة مهمتهن في صيانة شرف المجتمع لما آل بنا الحال إلى ما نحن عليه ! أجسادهن هي المحك، والستر الكامل هو الأمان الوحيد للرجال !
هز الحاضرون رؤوسهم موافقة، باستثناء الشيخ “أبي معاذ”، رجل مسن هادئ الملامح، كان يستمع بصمتٍ نافذ. تنحنح الشيخ قليلاً ثم قال بصوت خفيض:
يا أبا سلمان ألم يبدأ النص الجليل بالأمر بغض البصر وحفظ الفروج للرجال أولاً؟ أليس التكليف فردياً؟ كيف نحمل الشاة وزر الذئب، ونطلب من الطرف الآخر أن يكون حارساً لأخلاقنا بينما نعفي أنفسنا من جهاد البصر والضمير؟
تأفف أبو سلمان واردف جازماً:
الرجال بشر يا أبا معاذ، والمرأة هي التي تفتح الباب أو تغلقه !
انتهى المجلس، وسرى كلُّ رجل إلى بيته.
في صبيحة اليوم التالي، كان أبو سلمان يسير في السوق التجاري المكتظ. مرّت بالقرب منه فتاة تلبس لباساً حشماً ووقوراً، لكن شباباً في زاوية الشارع أطلقوا همسات مستفزة ونظراتٍ متفحصة. انتفض أبو سلمان غضباً، وتوجّه نحو الشباب صائحاً:
أما تستحون؟ اتّقوا الله في نساء الناس وغضوا أبصاركم !
ردّ أحدهم بابتسامة ساخرة وبرود تام:
وما شأنك أنت؟ لو كانت متخفية تماماً ولم تخرج لما التفت إليها أحد! اللوم عليها لا علينا !
وقع الصوت على أذن أبي سلمان كالصفعة. كانت هذه هي الجملة ذاتها التي يرددها هو دائماً، ولكن بأسلوب آخر!
واصل طريقه والاضطراب يأكله من الداخل، حتى وصل إلى مقهى القريب من جامعة ابنته “سارة”. سارة الفتاة المجتهدة الخلوقة التي يفاخر بها الدنيا. وبينما كان ينتظرها، سمع رجُلين عند الطاولة المجاورة يتجاذبان الحديث، وكان أحدهما يشير بسبابته نحو باب الجامعة ويقول باستهزاء:
انظر إلى هؤلاء الطالبات مهما تسترن، فالمرأة تبقى ساس البلاء ومصدر الفتنة !
التفت أبو سلمان ليجد سارة تتجه نحوه بابتسامتها العذبة ولباسها المحتشم الهادئ، بينما كانت عيون الرجلين تلاحقانها بتفتيشٍ مقيت وتقييمٍ جائر لا يرحم.
في تلك اللحظة بالذات، شعر أبو سلمان برعدة سرت في جسده. أحسّ وكأن السقف ينهار على رأسه. لم تكن ابنتُه قد اقترفت ذنباً، ولم يكن لباسُها يحمل بريقاً، لكن الثقافة التي شارك هو بنفسه في غرسها ثقافة تفتيش أجساد النساء وإعفاء الرجال من مسؤولية البصر والأخلاق هي نفسها التي كانت تحاكم ابنته الآن وتستبيح كرامتها بالنظرات !
تذكر كلام الشيخ في الليلة الماضية، وتذكر الآية الخالدة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.
جلس مع ابنتيه وزوجته ذلك المساء لم يتحدث عن لباسهن، ولا عن تقصيرهن المتخيل، بل نظر إلى وجه سارة وقال بصوتٍ متدثر بالتواضع والوعي الجديد:
يا بنيتي.. تعلمتُ اليوم أن المجتمع الآمن لا تصنعه النساء المتخفيات بدافع الخوف، بل يصنعه رجالٌ يملكون عدل النظرة ونبل السلوك، ونساءٌ يعرفن قدر أنفسهن ومسؤوليتهن.
لقد أدركتُ أن من يشرعن الوصاية على نساء الناس، يفتح الباب رغماً عنه ليفتش غريبٌ في جسد بنته. واليوم فقط.. عرفتُ من أين يبدأ الإصلاح الحقيقي.”
حسين عباس عزيمة
التعليقات