يندرج هذا الكتاب -الذي صدر عن دار سرمداء للنشر والترجمة، بالجزائر سنة 2026 في 164 صفحة- ضمن مسار بحثي يستقصي صلة السيميائيات بإنتاج المعرفة في الخطاب السرديّ، من خلال الكشف عن الآليات التي تنتقل بها الدلالات من حضورها العلاماتيّ الأولّ إلى أفقها المفهوميّ، ثمّ عن الكيفيّة التي تتفاعل بها المفاهيم وتنتظم في شبكة من العلاقات النسقيّة، بما يتيح للنصّ أن يتجاوز إنتاج المعنى الجزئيّ إلى بناء رؤية كليّة تتأسس داخل نسيجه الدلاليّ.
ومن هذا المنطلق، يتّخذ البحث في المفهوم بؤرةً إجرائيّة لمسار التأويل، متسائلًا عن طبيعته ومصدر تشكّله: هل يحضر المفهوم في النصّ بوصفه بنية دلالية مكتملة، لا يتجاوز فعل التأويل مهمّة استجلائها؟ أم أنّه يتشكل تدريجيًّا عبر حركة المعنى بين العلامات والسّمات والحقول والعلاقات، بحيث يغدو المفهوم أثرًا من آثار انتظام هذه العناصر وتفاعلها؟
وانطلقت الباحثة خيرة مكاوي في إشكالية هذا المنجز من فرضيّة مفادها أنّ الخطاب السرديّ لا يكتفي بتمثيل التّجربة، بل يضطلع بوظيفة معرفيّة تتجلّى في قدرته على إعادة تنظيمها دلاليًّا. فالنّص لا يَنقل التَّجربة كما هِي، وإنّما يعيد تشكيلها من خلال شبكة من العلامات والسِّمات والعلاقات. ومن هنا ارتبط البحث في المفهوم السرديّ بسؤال إنتاج المعرفة، إذ لم يعد المفهوم، وفق تصور الباحثة، معطًى جاهزًا يُستخرج من النص، بل نتيجةً من نتائج التنظيم الدلاليّ الذي ينجزه الخطاب.
وفي هذا السّياق، اقترحت الباحثة مفهوم «ما قبل المفهوم» للدّلالة على المستوى الوسيط في سيرورة التشكّل، وربطته بما أسمته «العتبة الإدراكيّة»، بوصفها اللّحظة التي تبدأ فيها الدّلالة في تجاوز استقرارها الأوّل. فعند هذه العتبة لا تعود العلامة مغلقة على معنى محدّد، وإنّما تنفتح على إمكانات دلاليّة جديدة، وتتّسع شبكة علاقاتها، بما يمهّد لما أسمته الباحثة «العبور السيميائي»؛ أي انتقال العلامة من حضورها الدلاليّ الأول إلى شبكة أكثر اتّساعًا من العلاقات والسّمات، تمهيدًا لتبلور المفهوم. وهكذا يتأسّس النّموذج الإجرائيّ المقترح على تتابع مستويات مترابطة: العلامة – والعتبة الإدراكية- وما قبل المفهوم – العبور السيميائي – المفهوم.
وتسعى الباحثة، من خلال هذا التصوّر، إلى إتاحة أداة إجرائيّة لرصد التّحولات التي تطرأ على الدلالة أثناء انتقالها نحو التجريد، والكشف عن المؤشرات التي تسمح بتحديد لحظات التحوّل من مستوى إلى آخر. وبذلك يصبح المفهوم نتيجة لمسار من التنظيم والانتقال وإعادة بناء العلاقات، لا نقطة انطلاق مفترضة في العملية التأويلية.
وجعلت الباحثة من تجربة الأديب عزّ الدين جلاوجي «مسرح اللحظة» بوصفه نصًا إبداعيًا تجريبيا، مجالًا تطبيقيًا أولّ لاختبار هذا النموذج. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيًا، بل استند إلى خصوصيّته الفنيّة القائمة على اعتماد المسرحيّة القصيرة جدًّا، بما يفرضه الاقتصاد النصيّ من تكثيف للعلاقات الدلاليّة، وإمكان إعادة توزيع وظائفها داخل النصّ. ومن ثمّ أتاح هذا المتن اختبار الكيفيّة التي لا يُعطى فيها المفهوم بصورة مسبقة، وإنّما يتشكّل تدريجيًّا من خلال التّحولات التي تطرأ على العلامة، ومن خلال إعادة تنظيم العلاقات التي تنتظم داخل النسيج النصيّ.
ويقود هذا المسار إلى مفهوم «العبور المفهوميّ»، الذي يصف حركة المفاهيم من مواقعها الجزئيّة إلى علاقات أكثر انتظامًا داخل البنية النصيّة، حيث يصبح المفهوم جزءًا من شبكة من التفاعلات التي تعيد تحديد دلالته ووظيفته. وفي هذا المستوى يكتسب «المفهوم الجسريّ» وظيفة إجرائية أساسية، إذ يتيح تتبع حركة المفهوم بين مستوياته المختلفة، والكشف عن قدرته على وصل البنى الدلالية الجزئية بمستوى أكثر تركيبًا وانتظامًا.
كما أتاحت مسرديّة «مملكة الغراب» للأديب عزّ الدين جلاوجي مجالًا مناسبًا لاختبار هذه الفرضيّة على مستوى أكثر تركيبًا، إذ تكشف قراءة الباحثة لهذا المنجز النقديّ عن حركة مفهوميّة تتدرج من الموضوع بوصفه مرجعيّة رمزيّة، إلى بناء الشرعيّة، ومن الشرعيّة إلى صناعة الوعي، ثم من الامتثال الجماعيّ إلى الهيمنة الرمزيّة، لتنفتح بعد ذلك على مستوى آخر يتّصل بتجربة الذّات. وهكذا تنتقل البنية المفهوميّة من سياقها الجماعيّ إلى أفق وجوديّ يتّصل بالذّات، فتتجاوز المفاهيم مواقعها الجزئيّة لتدخل في علاقات أكثر انتظامًا وترابطًا.
ومن هنا يبلغ المسار مستوى النّسق، فالمفاهيم الجسرية ليست مجرد وسائل للانتقال بين المستويات الدلالية، بل تتحوّل إلى عناصر فاعلة في بناء الرؤية الكليّة للنصّ. فالنّسق، في هذا المستوى، لا يمثّل مجرّد تجميع للمفاهيم، وإنّما يمثّل انتظامها في علاقات متفاعلة تنتج دلالة كليّة تتجاوز مجموع أجزائها. ومن هذا الانتقال من حركة المفهوم إلى انتظام المفاهيم يتشكّل، إجرائيًّا، ما تقترحه الباحثة تحت مسمّى «البروتوكول السيميائي النسقي»
ثم يمتدّ اختبار المقاربة في الفصل الأخير إلى الخطاب الواصف عند الأديب عزّ الدين جلاوجي لجنس المسرديّة، للكشف عن حركة المفهوم حين ينتقل من الخطاب الإبداعيّ إلى الخطاب الذّي يصف التّجربة ويؤطّرها نظريًّا. وقد تبيّن أنّ المفهوم لا ينتقل إلى هذا المستوى بصورة نهائيّة أو مكتملة، بل يخضع لعمليّات من التّسمية والتّجديد والتصنيف، قبل أن ينتظم ضمن شبكة من المفاهيم المتّصلة بالمسرديّة والتّجريب وتداخل الأجناس. وهكذا يغدو الخطاب الواصف فضاءً لإعادة بناء التّجربة الإبداعيّة وتأطيرها معرفيًّا، إذ تنتقل المفاهيم فيه من حيّز الممارسة النصيّة إلى حيّز التّسمية والتّصنيف والتّنظير، لتستقر ضمن جهاز اصطلاحيّ يؤسّس لرؤية مغايرة للمسرديّة ولعلاقاتها بالتّجريب وتداخل الأجناس.
وبذلك يتضح أن المسار الذي تقترحه الباحثة لا ينظر إلى المفهوم بوصفه نقطة وصول نهائية فحسب، وإنما بوصفه حلقةً في سيرورة معرفيّة متحرّكة تبدأ من العلامة، وتمرّ عبر عتبتها الإدراكيّة وما قبل المفهوميّ، ثم تعبر إلى مستوى المفهوم، قبل أن تنتظم المفاهيم في شبكة نسقيّة تنتج رؤية كليّة للنصّ. وهكذا يصبح «البروتوكول السيميائي النسقيّ» خلاصةً إجرائية لهذا المسار، وأداةً تسمح بتتبع الكيفيّة الّتي تتحوّل بها المادّة الدلاليّة من حضورها الأوّل في النصّ إلى بناء مفاهيمي قادر على إنتاج المعرفة وتأطير التّجربة.
ننوه في الأخير إلى أن هذا البحث المتميز يندرج ضمن مشروع كتابي عربي تجسد في مقالات وكتب قاربت جنس المسردية واحتفت به، واشتغلت عليه اصطلاحا ونقدا وآليات وترجمة، للتبشير بمحطة تجريبية جديدة في الأدب العربي والعالمي.
د. سمیر الخلیل
شاکر السلمان
أ. د خالد حوير الشمس
التعليقات