الهُويَّة التاريخية في شعر حيدر أحمد عبد الصاحب

صورة الكاتب
بقلم: أ. د خالد حوير الشمس
التاريخ: 3 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3674
الهُويَّة التاريخية في شعر حيدر أحمد عبد الصاحب

حيدر أحمد شاعر، وابن شاعر، تعود بداياته إلى تلك الجماعة التي يسمونها جماعة الموصل الشعرية، هزبر محمود، وخليل الحاج فيصل، أي المجموعة التي تنشط في جامعة الموصل في تسعينيات القرن العشرين.
ثمة غموض في مفهوم الهوية، وتنوع لا حد له، ويعد هايدغر من الذين أسسوا لمفهوم دال لها، فيقول عنها: ((الهوية خاصية للكينونة،أي: خاصية لأساس الموجود) [الفلسفة الهوية الذات: 39]، وهنا تقترب من صورة الذات، وتصورات الفرد عن الأشياء، وصناعة مفاهيمه عبر الخطاب، فيراد بها الانتماء إلى مجموعة من السمات، والعناصر، والصفات التي تجعل من نفسها هي، فتشكل معنى مستمرا، يمكن البرهنة عليه، وهذا ما يكون في الشعر، واللغة، والدين، والمكان، والقيم، والعادات، والتاريخ.
يمكن أن تكون الهوية مجموعة المعتقدات، الدينية، والثقافية، ويمكن أن تكون الإحساس بالمكان، فتكون مثلا المدينة، والوطن، والأرض، ويمكن أن تكون نمطا من الوعي الاجتماعي، تؤسس على التراكم العُرفي، والأخلاقي، فتكون العشيرة، والجماعة الاجتماعية، والأسرة، وقد تكون تاريخية، أو تكون ذاتية على أساس التكوين العلمي، أو المعرفي، أو الطبقي، أو المهني.
وقد شكل التاريخ مرجعا مهما للكتابة الشعرية، وتم الاستدعاء لأحداثه، ورموزه عند الشعراء، وإعادة صياغتها، وتوظيفها بصورة تجعل من النص الشعري مؤثرا، ومن أهم اولئك الرموز الرافدينية المستدعاة: (كلكامش، ملك اوروك، أنكيدو إله الخلق، إنانا اله الاسطورة التي تتضمن الصعود الى السماء) بوصفها أدوات لاستعادة الهوية.
استدعى حيدر أحمد رمزية أنكيدو في قصيدته (تلميحة انكيدو) وتسلسلها العاشرة من أصل اربع عشرة قصيدة في مجموعته ، ثم استدعى رمزية كلكامش في القصيدة رقم 13 أي ما قبل الأخيرة.
بودي أن أطرح سؤالا مهما: كيف وظف الشاعر الهوية التاريخية في مجموعته الشعرية: (ما يشرق فيكَ.. أنت)، المطبوعة سنة 2019 م في منشورات أحمد المالكي. ويمكن إعادة السؤال بطريقة أخرى: هل أثرت الهوية التاريخية بصياغة المعنى عنده؟
يدل مفهوم الهوية التاريخية على مراجعة الماضي، والانتماء إليه؛ لإنتاج معاني معاصرة، وقد تجلى هذا المعنى في أشعار حيد أحمد، فرمز انكيدو في القصيدة إلى تشكيل العراق، ووجوده، وصناعته، ويجب الحفاظ عليه؛ لأنه البقية الوحيدة من الخط التاريخي الجزل، فيقول [ما يشرق فيك أنت، حيدر أحمد: 76]:
فتمخَّض التاريخ قافلةً أتى للناصرية واضعا إكليله
أور تمادت ها هنا بشروقها وأطل ديموزي يُقيِّد غِيله.
جاء الحديث عن الحضارة القديمة بنية أساسية في شعر حيدر، جاعلا لتلك الهوية أثرا على تشكيل الهوية الفردية، عبر اعترافه بمجيء انكيدو إلى الناصرية، وتتويجها ملكة بين المدن، وجعلها حاملة لذاكرة ثقافية، وهوية تاريخية، فسعى إلى الاعتزاز بالهوية المكانية، والحضارية، فلم تكن الناصرية عنده جغرافية فحسب، بل كانت معنى للتأسيس، وجذرا، وانبعاثا، أتى على شكل الكائن الحي، الذي يتمخض على مهل ثقافيا، يمنح نفسه حضارة، ووهجا، يتمثل كتمثل القافلة، ثم أخذت رمزية المركزية، عبر التشبيه لها بالملك.
ويحاول أن ينسب الخطاب الهوياتي، والحضاري، والغنائي، والمعرفي إلى إله الحياة والخصوبة ديموزي بوصفه المهد الأول لصناعة الحياة في العراق، فيترجم ذلك بقوله [نفسه:77]:
يتلو بمهوى العالم السفلي أغنية الحياة ومشعلا قنديلة.
لم تكن شخصية ديموزي شخصية أسطورية فحسب، بل جعله صانعا للحياة، مستمرا ببعثها، مؤمنا بالتجدد، والخصوبة، جاعلا إياه جزءا من المكان، ليضيئه بقنديل الخلق، والإيجاد بجانب مدينة أور، حينما أزال ظلمتها.
فيؤسس بأن الحضارة للعراق لا لغيره، يقول بتقنية القناع، والحكاية عن الإله ديموزي[نفسه:77]:
كونوا عراقيين قال لِبيتِكمُ زُمر الظلام تكاثفت لتزيله
كونوا عراقا كل شيء لو عراقي متمٌ في الجمال فصوله
كونوا كأنكيدوا بناي عذابه نحو المحبة كم أجاد رحيله
أكثر الشاعر حيدر من الاستناد على الرموز الرافدينية، فلم يتردد عن ذكر ديموزي سابقا، وأردفه بذكر انكيدو في هذه الأبيات، وقد حكى عن ديموزي أمره بصناعة الهوية الحضارية، والعراقية من قبل المتلقي، ويريد من هذه الهوية أن تكون رادعة لزمر الظلام، التي تتكاتف لتنال من العراق، المفعم بالجمال الثقافي، والفكري، والأدبي، ولا سيما أنه صرح بنوع الهوية التي يرجوها، إذ تتمثل في فعل الأمر والكينونة كأنكيدو الساعي نحو المحبة، واستعمال الناي، ليلهو، وليتخلص من عذاباته.
ثم يستمر الشاعر في استدعاء شخصية كلكامش، ليحملها دلالة تاريخية، ويعطيها أثرها في صناعة الوعي المبكر عند الإنسان[نفسه”77]:
كلكامش الوعد المغيَّب لم يغب وأعاد هذا الملتقى تمثيله
وثمة استذكار لمكانته العظمى في تاريخ العراق، وتألُم لما جرى من تغييب له بفعل فاعل، وهذا ما توحي به صيغة مفعول (مغيَّب)، على الرغم من جذوته، فيسعى بعض من مناوئي الحضارة أن يزيلوا نور العراق، ويغيبوا أثره الحضاري، وعلى الرغم من أنوفهم فهو لم يغب، أي لم يبتعد عن الحضارة، ولم يفقد وجوده الحقيقي، ومستمر في ذاكرته الحضارية.
ثم يستمر في تصدير هوية كلكامش الوطنية لا غير، بعيدا عن القطيعة الدينية، ودحضا للفرقة بين الأديان، فقد جعل من المسلمين أمانا للمسيح ضمن تعبيره الرمزي[نفسه:78]:
كونوا عراقيين أيْ بلدا سلاما حارسٌ قرآنُه إنجيلَه.
هوية العراق الدينية هذه المرة هوية الوحدة، ونبذ الفرقة، على وفق منوال السلام.
أفاد الشاعر من تقنية السرد الخاصة بالتعريف الرمزيات انكيدو، وديموزي، وكلكاش، ثم لجأ الى حكاية الأمريات على ألسنة الذاكرة التاريخية، لكن السؤال المهم مَن هو المتلقي في نص حيد أحمد هذا؟ يبدو أن القصيدة لها سياقها السياسي، النائل نحو الردع، والخراب، وتهميش الأقليات، فأراد أن يدمج الحاضر بالماضي.
في المحصلة أننا أمام شاعر له ذات تاريخية فياضة بالانتماء، والبرهنة على قيمتها الإنسانية، ويمكن أن أصنف هذه الهوية أنها أصلية، وليست عارضة على وفق متغيرات الزمن، له منواله اللغوي، المنطلق من اليقينيات، والتقريرات اللغوية، إذ يرى عدم غياب كلكامش عن ذاكرة المجد، وذاكرة الشاعر (كلكامش الوعد لم يغب)، ثم يعود إلى تقنية الأمر المحكي عن لسان كلكامش: (كونوا عراقيين)، رابطا في الوقت نفسه بين انكيدو والفخر بوجوده في الناصرية.

عن الکاتب / الکاتبة

أ. د خالد حوير الشمس
أ. د خالد حوير الشمس
ناقد . أکادیمي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة

الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة

لم تكن علاقتي وطيدة بمدينة البطحاء، بحكم بُعد المسافة بيني وبينها؛ إلى أن شاء القدر…

صورة الكاتب أ. د خالد حوير الشمس
22 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي

مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي

مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي هذه محاولة في بيان تبعية الأدب، والسرد القصصي…

صورة الكاتب أ. د خالد حوير الشمس
29 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الهُويَّة التاريخية في شعر حيدر أحمد عبد الصاحب

بقلم: أ. د خالد حوير الشمس | التاريخ: 3 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حيدر أحمد شاعر، وابن شاعر، تعود بداياته إلى تلك الجماعة التي يسمونها جماعة الموصل الشعرية، هزبر محمود، وخليل الحاج فيصل، أي المجموعة التي تنشط في جامعة الموصل في تسعينيات القرن العشرين.
ثمة غموض في مفهوم الهوية، وتنوع لا حد له، ويعد هايدغر من الذين أسسوا لمفهوم دال لها، فيقول عنها: ((الهوية خاصية للكينونة،أي: خاصية لأساس الموجود) [الفلسفة الهوية الذات: 39]، وهنا تقترب من صورة الذات، وتصورات الفرد عن الأشياء، وصناعة مفاهيمه عبر الخطاب، فيراد بها الانتماء إلى مجموعة من السمات، والعناصر، والصفات التي تجعل من نفسها هي، فتشكل معنى مستمرا، يمكن البرهنة عليه، وهذا ما يكون في الشعر، واللغة، والدين، والمكان، والقيم، والعادات، والتاريخ.
يمكن أن تكون الهوية مجموعة المعتقدات، الدينية، والثقافية، ويمكن أن تكون الإحساس بالمكان، فتكون مثلا المدينة، والوطن، والأرض، ويمكن أن تكون نمطا من الوعي الاجتماعي، تؤسس على التراكم العُرفي، والأخلاقي، فتكون العشيرة، والجماعة الاجتماعية، والأسرة، وقد تكون تاريخية، أو تكون ذاتية على أساس التكوين العلمي، أو المعرفي، أو الطبقي، أو المهني.
وقد شكل التاريخ مرجعا مهما للكتابة الشعرية، وتم الاستدعاء لأحداثه، ورموزه عند الشعراء، وإعادة صياغتها، وتوظيفها بصورة تجعل من النص الشعري مؤثرا، ومن أهم اولئك الرموز الرافدينية المستدعاة: (كلكامش، ملك اوروك، أنكيدو إله الخلق، إنانا اله الاسطورة التي تتضمن الصعود الى السماء) بوصفها أدوات لاستعادة الهوية.
استدعى حيدر أحمد رمزية أنكيدو في قصيدته (تلميحة انكيدو) وتسلسلها العاشرة من أصل اربع عشرة قصيدة في مجموعته ، ثم استدعى رمزية كلكامش في القصيدة رقم 13 أي ما قبل الأخيرة.
بودي أن أطرح سؤالا مهما: كيف وظف الشاعر الهوية التاريخية في مجموعته الشعرية: (ما يشرق فيكَ.. أنت)، المطبوعة سنة 2019 م في منشورات أحمد المالكي. ويمكن إعادة السؤال بطريقة أخرى: هل أثرت الهوية التاريخية بصياغة المعنى عنده؟
يدل مفهوم الهوية التاريخية على مراجعة الماضي، والانتماء إليه؛ لإنتاج معاني معاصرة، وقد تجلى هذا المعنى في أشعار حيد أحمد، فرمز انكيدو في القصيدة إلى تشكيل العراق، ووجوده، وصناعته، ويجب الحفاظ عليه؛ لأنه البقية الوحيدة من الخط التاريخي الجزل، فيقول [ما يشرق فيك أنت، حيدر أحمد: 76]:
فتمخَّض التاريخ قافلةً أتى للناصرية واضعا إكليله
أور تمادت ها هنا بشروقها وأطل ديموزي يُقيِّد غِيله.
جاء الحديث عن الحضارة القديمة بنية أساسية في شعر حيدر، جاعلا لتلك الهوية أثرا على تشكيل الهوية الفردية، عبر اعترافه بمجيء انكيدو إلى الناصرية، وتتويجها ملكة بين المدن، وجعلها حاملة لذاكرة ثقافية، وهوية تاريخية، فسعى إلى الاعتزاز بالهوية المكانية، والحضارية، فلم تكن الناصرية عنده جغرافية فحسب، بل كانت معنى للتأسيس، وجذرا، وانبعاثا، أتى على شكل الكائن الحي، الذي يتمخض على مهل ثقافيا، يمنح نفسه حضارة، ووهجا، يتمثل كتمثل القافلة، ثم أخذت رمزية المركزية، عبر التشبيه لها بالملك.
ويحاول أن ينسب الخطاب الهوياتي، والحضاري، والغنائي، والمعرفي إلى إله الحياة والخصوبة ديموزي بوصفه المهد الأول لصناعة الحياة في العراق، فيترجم ذلك بقوله [نفسه:77]:
يتلو بمهوى العالم السفلي أغنية الحياة ومشعلا قنديلة.
لم تكن شخصية ديموزي شخصية أسطورية فحسب، بل جعله صانعا للحياة، مستمرا ببعثها، مؤمنا بالتجدد، والخصوبة، جاعلا إياه جزءا من المكان، ليضيئه بقنديل الخلق، والإيجاد بجانب مدينة أور، حينما أزال ظلمتها.
فيؤسس بأن الحضارة للعراق لا لغيره، يقول بتقنية القناع، والحكاية عن الإله ديموزي[نفسه:77]:
كونوا عراقيين قال لِبيتِكمُ زُمر الظلام تكاثفت لتزيله
كونوا عراقا كل شيء لو عراقي متمٌ في الجمال فصوله
كونوا كأنكيدوا بناي عذابه نحو المحبة كم أجاد رحيله
أكثر الشاعر حيدر من الاستناد على الرموز الرافدينية، فلم يتردد عن ذكر ديموزي سابقا، وأردفه بذكر انكيدو في هذه الأبيات، وقد حكى عن ديموزي أمره بصناعة الهوية الحضارية، والعراقية من قبل المتلقي، ويريد من هذه الهوية أن تكون رادعة لزمر الظلام، التي تتكاتف لتنال من العراق، المفعم بالجمال الثقافي، والفكري، والأدبي، ولا سيما أنه صرح بنوع الهوية التي يرجوها، إذ تتمثل في فعل الأمر والكينونة كأنكيدو الساعي نحو المحبة، واستعمال الناي، ليلهو، وليتخلص من عذاباته.
ثم يستمر الشاعر في استدعاء شخصية كلكامش، ليحملها دلالة تاريخية، ويعطيها أثرها في صناعة الوعي المبكر عند الإنسان[نفسه”77]:
كلكامش الوعد المغيَّب لم يغب وأعاد هذا الملتقى تمثيله
وثمة استذكار لمكانته العظمى في تاريخ العراق، وتألُم لما جرى من تغييب له بفعل فاعل، وهذا ما توحي به صيغة مفعول (مغيَّب)، على الرغم من جذوته، فيسعى بعض من مناوئي الحضارة أن يزيلوا نور العراق، ويغيبوا أثره الحضاري، وعلى الرغم من أنوفهم فهو لم يغب، أي لم يبتعد عن الحضارة، ولم يفقد وجوده الحقيقي، ومستمر في ذاكرته الحضارية.
ثم يستمر في تصدير هوية كلكامش الوطنية لا غير، بعيدا عن القطيعة الدينية، ودحضا للفرقة بين الأديان، فقد جعل من المسلمين أمانا للمسيح ضمن تعبيره الرمزي[نفسه:78]:
كونوا عراقيين أيْ بلدا سلاما حارسٌ قرآنُه إنجيلَه.
هوية العراق الدينية هذه المرة هوية الوحدة، ونبذ الفرقة، على وفق منوال السلام.
أفاد الشاعر من تقنية السرد الخاصة بالتعريف الرمزيات انكيدو، وديموزي، وكلكاش، ثم لجأ الى حكاية الأمريات على ألسنة الذاكرة التاريخية، لكن السؤال المهم مَن هو المتلقي في نص حيد أحمد هذا؟ يبدو أن القصيدة لها سياقها السياسي، النائل نحو الردع، والخراب، وتهميش الأقليات، فأراد أن يدمج الحاضر بالماضي.
في المحصلة أننا أمام شاعر له ذات تاريخية فياضة بالانتماء، والبرهنة على قيمتها الإنسانية، ويمكن أن أصنف هذه الهوية أنها أصلية، وليست عارضة على وفق متغيرات الزمن، له منواله اللغوي، المنطلق من اليقينيات، والتقريرات اللغوية، إذ يرى عدم غياب كلكامش عن ذاكرة المجد، وذاكرة الشاعر (كلكامش الوعد لم يغب)، ثم يعود إلى تقنية الأمر المحكي عن لسان كلكامش: (كونوا عراقيين)، رابطا في الوقت نفسه بين انكيدو والفخر بوجوده في الناصرية.