مجموعة (مصادقة الحيتان) دراسة في النقد الأخلاقي
هذه محاولة في بيان تبعية الأدب، والسرد القصصي منه تحديدا إلى سؤال الأخلاق عند الدكتور حسن البصام القاص العراقي في مجموعته القصصية (مصادقة الحيتان)، على وجه الحضور الجزئي، إذ جاء الخطاب الأخلاقي مبثوثا في بعض النسيج السردي، مشكلا أحداثا رئيسة، وجملا سردية مستقلة بنفسها، متشابكة مع الصياغات السردية الأُخر؛ دالا على أن التكامل الإنساني يتم بين المبدأ الاجتماعي، والسلوك الأخلاقي، والالتزام بتعاليم توصل الفرد إلى المغانم، ومراتب الجلال، وبهذا المذهب ينضم البصام إلى اتجاه أدبي مستقل، يؤمن بأن الأدب رسالة تناقش الحياة، والدين، والسلوك، والأخلاق، في قبال ذلك يوجد اتجاه يتنكر لعلاقة الأدب بالأخلاق، ويرى أن الاشتغال الأدبي وظيفته ذاتية، ووجدانية، وفنية، ولا صلة بينهما، وهذا السياقان يناقشهما اتجاه نقدي قديم في وجوده، حديث في امتداده، يسمى النقد الأخلاقي، الذي يقترب من مفهوم الالتزام في الأدب، ويراهن على بلورة القيم الدينية في النص الأدبي.
تستوعب مجموعة مصادقة الحيتان وقصص أخرى سؤال الخطابَ الأخلاقي، وتراهن على تصديره للمتلقي، وتوظف الحوادث الاجتماعية، والثقافية، والسياسية الواقعة فعلا في العراق، ومن ذلك اعتقال السلطة لأربعين مشتبها بهم اسمهم عبد الله؛ لانهم سبوا الرئيس المقبور، وكذلك حرق المحاصيل قبل أربعين سنة بشمعة واحدة، ثم حرق المحاصيل بفعل فاعل قبل سنتين تقريبا.
يكتب البصام في هذه المجموعة بتقنيات القصة القصيرة جدا، التي تقوم على الربط بين عنوان القصة والمحتوى، ودس تقنية المفارقة في القصة، فضلا عن صغر حجم النص الذي يمكن أن يصنف قصة قصيرة جدا، ولكنه جاء ضمن قصص قصيرة.
جاءت المجموعة القصصية بلغة واقعية عالية، اختارت شخصيات واقعية، ومنها: شخصية الأم، والأخوات، والأصدقاء، ومنهم: أبو طيبة حسن الحمادي، ومحسن المضمد، وأحداثا واقعية نحو علاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الفرد بالآخر، واحتراق مشفى العزل لمرضى كورونا في مشفى الحسين التعليمي. فضلا عن أحداث دونت حقبا سياسية عراقية خطيرة، ومنها وجود حكم البعثية وكتابة التقارير، وكذلك حكم الأطراف للمركز، فضلا حكم ما بعد السقوط، وعدم توزيعهم العادل للثروات.
وأمكنة واقعية من قبيل الدويرة، والبساتين، والأزقة؛ ومشفى الحسين التعليمي، ومقهى أبي سعد، وصيدلية الفيحاء، مما انعكس هذا على نوع اللغة الواضحة.
وعن مفهوم النقد الأخلاقي: يجد المتصفح للخطاب النقدي الحديث، مناقشة النقد الأخلاقي، الذي يتناول مفهوم هذا النقد على أساس علاقة الأدب بالدين، وبيان أصوله، ثم تطبيقاته في الشعر، لينعرج الحديث عن وظيفة الشعر عند العرب، ثم الأسباب التي دعت إلى بلورة النقد الأخلاقي بوصفه اتجاها نقديا عربيا، يجعل المعيار الأخلاقي معيارا نقديا للنص، كما جعل بعضهم الجماليات معيارا، أو المنظور النفسي معيارا، أو المنظور التاريخي معيارا، أو الثقافي معيارا، وهكذا.
تجليات البعد الاخلاقي في السرد القصصي لحسن البصام
بدءا يحضر البعد الاخلاقي في السرد اكثر من الشعر، والسبب في ذلك اتساع مساحة الوصف، والخبر، والسرد، وتعدد الشخصيات والأحداث، إذا ما بالغنا وقلنا ان السرد ممارسة اخلاقية واضحة.
يتصل البعد الأخلاقي عند البصام بنقد أخلاق السلطة السياسية، وذمها بطريقة مباشرة في قصته (لعنة الاشتهاء)، التي كتبت بطريقة رمزية، تقلل من شأن الحاكم الذي لم يصدق مع رعيته (شعبه) ونقد أخلاق المسؤول، في قصته (جبة التخبط بوصفه شخصية قائد جيش الملك، تعرضت للنقد اللاذع من شخصية أخرى هي شخصية الملك نفسه، وقيامه بمحاكمة ذلك المسؤول.
ومناقشة علاقة السلطة بالرب، لكونها بعدا أخلاقيا مهما، يقوم على طاعة الله، ومرتبطا بالدين، وبموضوع العدالة الاجتماعية، فجاءت قصة (حزمة شر واحدة)، وهي تحكي واقع الفقر الذي يمر به منتسبو الحشد الشعبي، ومحاولة أحدهم بيع قنينة الغاز، فجرى حوار بينه وبين سائق التكسي، حتى وصلا إلى نقد السلطة، ورميها بالفضائح.
وقد غلب في الجانب الأخلاقي من سرده: رفع قيمة الأم، والتوجيه المباشر بمنزلتها، وإنها الساعية بك إلى بوابة الاستقرار، والوجود.
ويبقى القاص بوعيه التوجيهي بإكرام المرأة، يدحض التمرد الرجالي على النساء، في رفض ممارسة البغي، والاستسهال لها، واستدراجها، ورفض لحظة الاشتهاء، عبر تقنية السؤال، عن عمل الفاحشة معهن.
وقد ضمن خطابه السردي في القصة نفسها صورة من صور التعبير العملي للدين، وتحدث عن بر الابوين وكأنه يريد أن يقول يجب التخلص من هذا المرض الاجتماعي، فنشر مساحة من الكلام حول هذا الموضوع، والتوجيه به عن طريق الإخبار عن الحدث السردي، الذي أحثته شخصيات قصته الثانية وهو يتحدث عن بره أبويه من لدن بناتهما.
لذا حينما اقترب من نهايات قصته، أصدر خطابا أخلاقيا، يتضمن طاعة الوالدين، وحسن التربية، على أساس استعماله أسلوب النداء، ثم ردفه بأسلوب الاستفهام .
وغير ذلك من التوجهات الأخلاقية الواردة في قصصه، نحو:سعيه نحو تغيير القناعة بالبنات، وأخلاق الفرد الصائم، ورفض سرقة المال ودحضها، ورفض سوء الظن، والمنبت الحسن للأم، والتجاهر بالمعصية، ورفضها، وعلاقة الجار بالجار، وعفة النفس، وحسن السلوك،
وفي الختم يتضح أن البصام وضع رأيا تطبيقيا لمفهوم الأدب، فلم يؤمن بأنه الغاية منه الذاتية، والعاطفية، وإشباع الرغبات، وإنما جسد الغاية من الأدب هي الحضور الأخلاقي، والتأثير على المتلقي، والأخذ بزمامه نحو السوك الاجتماعي القويم الذي يراعي القيم، والمبادئ، والتعاليم الدينية، فينادي بقضية الالتزام في الأدب، ولاسيما الالتزام الأخلاقي، ومرد هذا الالتزام إلى عوامل، منها: الطابع التربوي الذي تنعَّم به منذ صباه، وهو ما لمح إليه أكثر من مرة في حياة الراوي العليم، ثم دراسته للقانون، مما جعلته قريبا من العصامية، والضبط، والتهذيب، إذ انعكست في ذاته كليا، فضلا عن نشأته في بيئة جنوبية متحفظة، لها أثرها الأخلاقي على الأديب، والأدب، مما جعلته منساقا وراء المجتمع، لا وراء النص، فلم يفضل النص على المجتمع، وبهذا يتجاوز وهما كبيرا، آمن به بعض الأدباء، وطبقوه على نصوصهم، ومن ذلك الشاعر السخيف حسين مردان، وما فعله من استدعاء عمليات جنسية صارخة في أشعاره، أو ما عملته رواية حب وحرب لنجم والي، مما يستدعي أن لا يكملها قارئ عفيف.
فصارت وظيفة الأدب في هذه المجموعة تصدير حياة، وإرساء دعائم الأخلاق، ومراقبتها لدى الأفراد، وبيان أسباب الإنحراف الأخلاقي، وهي: السلطة، والثراء، والابتعاد عن الأخلاق والمبادئ، والمنبت السيء للأبوين، وغير ذلك.
مما لوحظ على مواضع الأخلاق عنده أنه يراهن على نصاعة اللغة في الإقناع، فحينما قزم السلطة أفاج من معجم الذم، وحقل التوبيخ، والإهانة، وحينما رفع منزلة الوالدة، وأعلى شأن المولودات البنات، أفاد من حقل الجمال، والزينة، وألفاظ البهجة، وهكذا يزاوج بين البعد الفني في التعبير وبين القضية الأخلاقية؛ ليحقق التأثير في المتلقي عبر الواقعية في الأدب التي مال إليها على أساس الاعتراف بالواقع، والسعي إلى تسويقه، والتخلي عن الذاتية.
مبارك لنا بهذه المجموعة، ومبارك للبصام وعيه، سائلا المولى التوفيق.
ماجد القيسي
د. ناصر أبو زيد
حمدي العطار
التعليقات