قراءة في رواية “دفاتر الورّاق” للروائي الأردني جلال برجس
حين تفرغتُ لقراءة “دفاتر الورّاق” لجلال برجس، لم أكن أبحث عن حبكة بوليسية أو تفاصيل مدينة عمّان التي يعرفها السياح. كنت أبحث عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط إنسانًا فقد بيته، بمجموعة من الكتب التي تحولت في يده إلى دروع واقية من الجنون.
إبراهيم الورّاق ليس مجرد بطل رواية؛ هو أنت حين تشعر أن العالم يضيق حتى لا يتبقى فيه مكان لمقعدك. هل جربت يومًا أن تحمل حياتك كاملة في حقيبة، بينما المدينة من حولك تبتلع هويتك بابتسامة صفراء؟
هذا الرجل، الذي يقرر فجأة أن يرتدي أقنعة أبطال رواياته ليواجه خرابه الخاص، وضع يده على جرحنا النازف. برجس لم يكتب عن الفقر بمعناه المادي المباشر، بل كتب عن “هندسة الخراب” التي تبدأ حين نفقد القدرة على السكن في أنفسنا قبل بيوتنا. لغته ليست تقريرية، بل هي لغة تشبه رائحة الورق القديم المبلل بالمطر؛ جملٌ تنبض بالوجع، وأخرى تتوقف فجأة لتلتقط أنفاسها، تماماً كما يفعل إبراهيم وهو يراوغ واقعه المرير.
توقفتُ كثيرًا أمام تلك الدفاتر. أليست هي وجهنا الآخر؟ ألسنا جميعًا نكتب في دفاترنا السرية ما نعجز عن قوله في وضح النهار؟ الكتاب هنا ليس ترفًا، بل هو الوسيلة الوحيدة كي لا يذوب بطلنا في زحام الغرباء. لقد نجح الكاتب في جعل القارئ شريكًا في هذه العزلة، حتى إنني وجدت نفسي أحياناً ألوم إبراهيم على تهوره، ثم أعود لأبرر له كل فعلٍ قام به، فمن منا لم يرغب يوماً في الهروب من “أنا” المهزومة إلى “شخصية” أخرى تمنحنا القوة التي افتقدناها؟
المكان في الرواية ليس مجرد شوارع ومباني. عمان هنا كائن يتنفس، يقسو، ويطرد الغرباء. والزمن؟ إنه زمنٌ متعرج، لا يمضي إلى الأمام بقدر ما يعود إلى الوراء، يفتش في الذاكرة عن بقايا إنسان كانه إبراهيم قبل أن تدهسه عجلة التهميش.
لكن، هل استطاع برجس أن يقنعني بكل تحولات بطلنا؟ ربما هناك بعض الانعطافات في الرواية بدت لي حادة، كأن الكاتب كان في عجلة من أمره ليصل بنا إلى ذروة التراجيديا. ومع ذلك، لا يسعني إلا الانحياز لهذا العمل؛ فهو ليس مجرد حكايات متقاطعة، بل هو سؤال كبير حول معنى أن تظل إنساناً في عالم لا يحترم إلا الأرقام والأسماء الكبيرة.
أجدني أتساءل الآن: هل نحن أصحاب دفاترنا، أم أننا مجرد هوامش في دفاتر الآخرين؟
قراءة في رواية “دفاتر الورّاق” للروائي الأردني جلال برجس
قراءة في رواية “دفاتر الورّاق” للروائي الأردني جلال برجس
حين تفرغتُ لقراءة “دفاتر الورّاق” لجلال برجس، لم أكن أبحث عن حبكة بوليسية أو تفاصيل مدينة عمّان التي يعرفها السياح. كنت أبحث عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط إنسانًا فقد بيته، بمجموعة من الكتب التي تحولت في يده إلى دروع واقية من الجنون.
إبراهيم الورّاق ليس مجرد بطل رواية؛ هو أنت حين تشعر أن العالم يضيق حتى لا يتبقى فيه مكان لمقعدك. هل جربت يومًا أن تحمل حياتك كاملة في حقيبة، بينما المدينة من حولك تبتلع هويتك بابتسامة صفراء؟
هذا الرجل، الذي يقرر فجأة أن يرتدي أقنعة أبطال رواياته ليواجه خرابه الخاص، وضع يده على جرحنا النازف. برجس لم يكتب عن الفقر بمعناه المادي المباشر، بل كتب عن “هندسة الخراب” التي تبدأ حين نفقد القدرة على السكن في أنفسنا قبل بيوتنا. لغته ليست تقريرية، بل هي لغة تشبه رائحة الورق القديم المبلل بالمطر؛ جملٌ تنبض بالوجع، وأخرى تتوقف فجأة لتلتقط أنفاسها، تماماً كما يفعل إبراهيم وهو يراوغ واقعه المرير.
توقفتُ كثيرًا أمام تلك الدفاتر. أليست هي وجهنا الآخر؟ ألسنا جميعًا نكتب في دفاترنا السرية ما نعجز عن قوله في وضح النهار؟ الكتاب هنا ليس ترفًا، بل هو الوسيلة الوحيدة كي لا يذوب بطلنا في زحام الغرباء. لقد نجح الكاتب في جعل القارئ شريكًا في هذه العزلة، حتى إنني وجدت نفسي أحياناً ألوم إبراهيم على تهوره، ثم أعود لأبرر له كل فعلٍ قام به، فمن منا لم يرغب يوماً في الهروب من “أنا” المهزومة إلى “شخصية” أخرى تمنحنا القوة التي افتقدناها؟
المكان في الرواية ليس مجرد شوارع ومباني. عمان هنا كائن يتنفس، يقسو، ويطرد الغرباء. والزمن؟ إنه زمنٌ متعرج، لا يمضي إلى الأمام بقدر ما يعود إلى الوراء، يفتش في الذاكرة عن بقايا إنسان كانه إبراهيم قبل أن تدهسه عجلة التهميش.
لكن، هل استطاع برجس أن يقنعني بكل تحولات بطلنا؟ ربما هناك بعض الانعطافات في الرواية بدت لي حادة، كأن الكاتب كان في عجلة من أمره ليصل بنا إلى ذروة التراجيديا. ومع ذلك، لا يسعني إلا الانحياز لهذا العمل؛ فهو ليس مجرد حكايات متقاطعة، بل هو سؤال كبير حول معنى أن تظل إنساناً في عالم لا يحترم إلا الأرقام والأسماء الكبيرة.
أجدني أتساءل الآن: هل نحن أصحاب دفاترنا، أم أننا مجرد هوامش في دفاتر الآخرين؟
التعليقات