حين تقع عيناك على نص باقر الموسوي “رهين الكأسين”، تشعر أنك لست أمام قصيدة كُتبت لتقرأ، بل أمام اعترافٍ هادئ خرج من زاوية مظلمة في غرفةٍ ما، حيث لا شهود سوى الليل.
العنوان بحد ذاته يضعنا في مأزق شعوري؛ “رهين الكأسين”. الكأس في الأدب غالباً ما تكون للمتعة، لكنها هنا قيدٌ من نوع خاص. هي لوعةٌ لا ترحم وعهدٌ لا يسقط بالتقادم. هل فكرت يوماً أن الوفاء قد يصبح سجناً يغلق أبوابه عليك بإرادتك؟ هذا بالضبط ما يلمحه الموسوي في كلماته.
لا أستطيع وأنا أقرأ هذا النص إلا أن أتوقف طويلاً عند قوله: “ما أطولَ الليلَ… حين يثقلُ بالهواجسِ والجدَلْ”. أليس هذا هو حالنا جميعاً؟ الليل ليس مجرد غياب للشمس، بل هو بساطٌ ممتد للهواجس التي لا نجرؤ على مواجهتها في ضجيج النهار. الشاعر هنا لا يتحدث بلسان المتنبي أو القدماء، بل يتحدث بلسان إنسانٍ خذله الصمت، فصار يجد في ارتعاش أغصان قلبه ما يكفيه من الموسيقى.
تتسلل القصيدة إلى الروح ببطء. لا توجد قوافي متكلفة، ولا تكنيك أدبي يستعرض عضلاته. الشاعر يكتب بلغة يومية، لكنها لغة مغسولة بالحزن، كأنه يغرف من تجربة شخصية مكررة، تجربة العشاق الذين يظنون أنهم “أحرار” بينما هم في الحقيقة أسرى لتفاصيل صغيرة: رائحة عطر، ذكرى انتظار، أو وعدٍ قُطع في ساعة تجلٍّ.
”ويقول الناس: ماتْ، رهينَ الكأسينْ”… يا لها من نهاية! وكأن الموت هنا ليس توقفاً لنبضات القلب، بل هو ذوبان كامل في التجربة. هل يمكن للإنسان أن يموت فعلاً لأنه لم يعد يملك من حياته سوى “لوعته” و”عهده”؟ ربما الموت الحقيقي هو أن تفرغ من كل شيء، حتى من آلامك التي كانت تمنحك سبباً للبقاء.
أجد نفسي هنا أتساءل: هل نحن فعلاً نختار أثقالنا، أم أننا نولد لنكون رهائن لأشياء لم نسعَ إليها؟
النص يتركني في حالة تأمل؛ الموسيقى فيه لا تأتي من جرس القافية بقدر ما تأتي من صدق “الارتجال”. الكلمات تتلاحق وكأنها زفرات متقطعة، جمل قصيرة تعقبها مساحة من الصمت، تماماً كما نفعل حين نحاول أن نحكي شيئاً لا يمكن التعبير عنه بالكامل.
أشعر أن هذا النص يحتاج إلى قراءة أخرى، بعيداً عن القواعد النقدية الجافة، ربما في ليلةٍ تشبه ليله، حيث لا يثقل كاهلنا سوى الأسئلة التي لا إجابة لها. هو ليس مجرد قصيدة، هو مرايا صغيرة نرى فيها شيئاً من خساراتنا العذبة.
نص الشاعر ؛
باقر الموسوي
رهين الكأسين
ما تمنّيتُ،
ولا قلتُ يومًا:
لعلّ أيام الصِّبا تعودْ،
ولا نَعِمتْ روحي براحة البال…
ولا العينُ ترقدُ
دون انتظارِ الحبيبْ.
ما أطولَ الليلَ…
حين يثقلُ
بالهواجسِ والجدَلْ،
ويزهرُ الودُّ
في صمتِ العاشقينْ!
أهوى ارتعاشَ
أغصانِ القلبِ،
حين تَنْثُرُ غيمًا… باسمها
على الوردِ،
وقد أرحلُ
للحدِّ من طربٍ
ومن سُكْرٍ وَوَجَدْ.
ويقول الناسُ: ماتْ،
رهينَ الكأسينْ،
كأسِ اللوعةِ،
وكأسِ العهدْ.
قراءة لقصیدة ” رهین الکأسین ” للشاعر باقر طه الموسوي
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
قراءة لقصیدة ” رهین الکأسین ” للشاعر باقر طه الموسوي
حين تقع عيناك على نص باقر الموسوي “رهين الكأسين”، تشعر أنك لست أمام قصيدة كُتبت لتقرأ، بل أمام اعترافٍ هادئ خرج من زاوية مظلمة في غرفةٍ ما، حيث لا شهود سوى الليل.
العنوان بحد ذاته يضعنا في مأزق شعوري؛ “رهين الكأسين”. الكأس في الأدب غالباً ما تكون للمتعة، لكنها هنا قيدٌ من نوع خاص. هي لوعةٌ لا ترحم وعهدٌ لا يسقط بالتقادم. هل فكرت يوماً أن الوفاء قد يصبح سجناً يغلق أبوابه عليك بإرادتك؟ هذا بالضبط ما يلمحه الموسوي في كلماته.
لا أستطيع وأنا أقرأ هذا النص إلا أن أتوقف طويلاً عند قوله: “ما أطولَ الليلَ… حين يثقلُ بالهواجسِ والجدَلْ”. أليس هذا هو حالنا جميعاً؟ الليل ليس مجرد غياب للشمس، بل هو بساطٌ ممتد للهواجس التي لا نجرؤ على مواجهتها في ضجيج النهار. الشاعر هنا لا يتحدث بلسان المتنبي أو القدماء، بل يتحدث بلسان إنسانٍ خذله الصمت، فصار يجد في ارتعاش أغصان قلبه ما يكفيه من الموسيقى.
تتسلل القصيدة إلى الروح ببطء. لا توجد قوافي متكلفة، ولا تكنيك أدبي يستعرض عضلاته. الشاعر يكتب بلغة يومية، لكنها لغة مغسولة بالحزن، كأنه يغرف من تجربة شخصية مكررة، تجربة العشاق الذين يظنون أنهم “أحرار” بينما هم في الحقيقة أسرى لتفاصيل صغيرة: رائحة عطر، ذكرى انتظار، أو وعدٍ قُطع في ساعة تجلٍّ.
”ويقول الناس: ماتْ، رهينَ الكأسينْ”… يا لها من نهاية! وكأن الموت هنا ليس توقفاً لنبضات القلب، بل هو ذوبان كامل في التجربة. هل يمكن للإنسان أن يموت فعلاً لأنه لم يعد يملك من حياته سوى “لوعته” و”عهده”؟ ربما الموت الحقيقي هو أن تفرغ من كل شيء، حتى من آلامك التي كانت تمنحك سبباً للبقاء.
أجد نفسي هنا أتساءل: هل نحن فعلاً نختار أثقالنا، أم أننا نولد لنكون رهائن لأشياء لم نسعَ إليها؟
النص يتركني في حالة تأمل؛ الموسيقى فيه لا تأتي من جرس القافية بقدر ما تأتي من صدق “الارتجال”. الكلمات تتلاحق وكأنها زفرات متقطعة، جمل قصيرة تعقبها مساحة من الصمت، تماماً كما نفعل حين نحاول أن نحكي شيئاً لا يمكن التعبير عنه بالكامل.
أشعر أن هذا النص يحتاج إلى قراءة أخرى، بعيداً عن القواعد النقدية الجافة، ربما في ليلةٍ تشبه ليله، حيث لا يثقل كاهلنا سوى الأسئلة التي لا إجابة لها. هو ليس مجرد قصيدة، هو مرايا صغيرة نرى فيها شيئاً من خساراتنا العذبة.
نص الشاعر ؛
باقر الموسوي
رهين الكأسين
ما تمنّيتُ،
ولا قلتُ يومًا:
لعلّ أيام الصِّبا تعودْ،
ولا نَعِمتْ روحي براحة البال…
ولا العينُ ترقدُ
دون انتظارِ الحبيبْ.
ما أطولَ الليلَ…
حين يثقلُ
بالهواجسِ والجدَلْ،
ويزهرُ الودُّ
في صمتِ العاشقينْ!
أهوى ارتعاشَ
أغصانِ القلبِ،
حين تَنْثُرُ غيمًا… باسمها
على الوردِ،
وقد أرحلُ
للحدِّ من طربٍ
ومن سُكْرٍ وَوَجَدْ.
ويقول الناسُ: ماتْ،
رهينَ الكأسينْ،
كأسِ اللوعةِ،
وكأسِ العهدْ.
د. هاني كنهر العتّابيّ
شروق يحيى العمري
یوسف عبود جویعد
التعليقات